01‏/08‏/2015

النشر الإلكتروني (لماذا لا؟)



الصورة في الأعلى عميقة ومعبرة، إنها تخص موضوع كلامنا اليوم. في الصورة رمزية يمكن أن نفسرها كما نشاء، لكنها تكون أوضح عندما نفسرها انطلاقا من الاضطراب بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي، فكأن تطور الإلكترونيات لم ينسِ القراء كتبهم الورقية وشغفهم القديم. 
في استطلاع بسيط نشرته في الأيام الأخيرة، كان السؤال هو: أيهما تفضلون الكتاب الورقي أم الإلكتروني؟ ولكم أن تتصوروا النتائج. 100% من الذين شاركوا في الاستطلاع كانوا متمسكين بالكتاب الورقي، واختلفت مبرراتهم من المتمسك إلى المُعتاد إلى الذي لا يجد مانعا من قراءة الإلكتروني إن لم يتوفر له الورقي، بل بعضهم ذكر أن لملمس الكتاب ورائحته دور كبير في تفضيله للكتاب الورقي. 
كما قلت سابقا، لعل بدايتنا الثقافية التي كانت ورقية خالصة هي التي رسَّخت فينا حب هذا النوع من الكتب، وفي الحقيقة، الاستنتاج ليس بهذه السهولة، إذ يحتاج إلى دراسة نفسية اجتماعية، واستطلاعات أوسع بكثير. 

الذين قرؤوا مميزات النشر الإلكتروني في التدوينة السابقة، ربما تساءلوا عن مساوئه. بمعنى أنهم لم يقتنعوا القناعة التامة بالكتاب الإلكتروني أو الكاتب الذي لا يوجد له في المتاجر كتب ورقية. هذه مسألة مهمة، ولكي نجيب عليها نحتاج إلى إحصاء سيئات النشر الإلكتروني، وهي -في نظري- لا تتعدى أن تكون متعلقة بالقيمة الثقافية أو العلمية. إن المؤلفين يختلفون دائما، سواء نشروا كتبا ورقية أو إلكترونية، وهم في هذا متفاوتون، فمنهم من يقدم مادة مهمة ويناقش قضية مهمة، ومنهم من يكتب كلاما فارغا. كما نرى في الكتب الإلكترونية الموجودة في مكتبات الإنترنت (ومنها الكتب الورقية التي حُوِّلت إلى إلكترونية)، نجد أن الكتاب الإلكتروني لا يختلف عن الورقي في شيء، فكلاهما منسَّق، ومرتَّب، وواضح، ولا غبار عليه. هذا هو الجانب الشكلي للكتابين الذي لا يختلف إلا باختلاف رغبة الكاتب أو الناشر، فبعض الكتب الورقية سيئة الترتيب، ورديئة الجودة، وبعض الكتب الإلكترونية مطموسة الصفحات، تملؤها العلامات المائية التي تشوه الكتاب وتعيق القراءة. لكن هذا لا يختص بالإلكتروني وحده، ولا الورقي وحده. 

لكن القيمة الثقافية تختلف، ففي القرن العشرين كانت دور النشر تعمل حقيقةً لنشر المعرفة (وكسب المال أيضا)، نكتشف هذا في إصداراتها الموجودة في مكتباتنا المنزلية،  ولم يكن يحظى أي مؤلف بإقبال دور النشر المتميزة وعالية الشأن، وإذن فقد كانت هناك معايير صارمة ودقيقة لاختيار الكتاب الذي يُنشر والكتاب الذي يُردُّ إلى صاحبه، لذا يمكن أن ندَّعي أن الكتاب الإلكتروني في تلك الفترة لم يكن بقيمة الكتاب الورقي الثقافية؛ لأن الورقي يخضع للنقد والفحص اللغوي والمراجعة ولا يُنشر إلا بعد عناء، بينما الإلكتروني ربما نُشر في ليلة وضحاها طافحًا بالأخطاء الإملائية والمغالطات العلمية. 

1- السيئة الأولى هي أن النشر الإلكتروني لا يركز على جودة الكتاب وقيمته الثقافية. هذا صحيح! فمعظم دور النشر الإلكترونية التي قرأت سياستها في النشر كانت تشترط أن يكون النص منقَّحا وخاليا من الأخطاء الإملائية، وهذا الشرط لا غير، فلا يهم إن كان الكتاب تافها، أو عاديا، أو مفرطا في الجرأة، أو مخرِّبا، من شاء فليكتب، ومن شاء فليقرأ، وحامل الكفر ليس بكافر. 
لكن هذا يعني انحطاطا ثقافيا لا مفر منه، أي إذا قام كل من له قدرة على الكتابة بكتابة نص لا معنى له، ولقي موقعا ينشره له ويعطيه غلافا رائعا ورقما عالميا ISBN وحقوقا، ويسميه مؤلفا Author، فالسلام على المعرفة التي يمكن أن نحصلها من هذه الكتب وهذه المواقع. ولهذا السبب يتجنب معظم الكتَّاب العرب النشر الإلكتروني؛ لأنه بات يسيء إلى سمعتهم وسمعة كتبهم، ولأكون صريحا معكم، فإنهم على حق. لقد اطلعت أنا بنفسي على مجموعة كتب نشرت إلكترونيا فوجدتها تافهة وغير معبِّرة وسيئة اللغة، فمن حق أي قارئ أن يظن أي كتاب يُنشر إلكترونيا تافها وغير معبر وسيء اللغة، أليس كذلك؟ 

هذا شائع في بيئتنا العربية التي لا تحب المغامرة في كثير من أحوالها، أما عند الكتاب والقراء الغربيين فالأمر مختلف، إن من بينهم مؤلفين مشهورين يكسبون الملايين من النشر الإلكتروني، كالكاتبة الأمريكية أماندا هوكينج، والكاتب جون لوك (طبعا ليس هو الفيلسوف التجريبي المعروف)، فالأمر عندهم يختلف كما قلت، لكن تظل مواقع النشر الإلكتروني عاجزة عن وضح الحدود والتشديد على الكتَّاب في أمور الجودة اللغوية والمعرفية من كتبهم؛ لأنها على كل حال تطمع في المال، سواء من خلال الإعلانات، أو من خلال النسبة المستقطعة من ثمن المبيعات. 

السؤال هنا: هل دور النشر الورقي تنشر المعرفة أو تطمع في المال؟ يجب أن نعرف أولا أن دور النشر الورقي ليست مؤسسات خيرية تنفق على الكتَّاب، إنما هي تجارية وهدفها تجاري محض. ربما لم تكن هكذا أيام جبران خليل جبران، وطه حسين، ونجيب محفوظ، لكنها الآن تجارية بالمعنى المباشر للتجارة، أي أنها تطبع وتنشر الكتاب الذي تضمن أن يعود عليها بفائدة مالية، أما الكتاب الذي لا تظنه مربِحا؛ بسبب رداءته، أو بسبب مؤلفه المغمور، فإما أن تهتم به على حساب المؤلف ونفقته، أو تغلق دونه أبوابها، مهما كان قيِّما وعظيما. 

لقد قرأتم بعض استجابات دور النشر التي راسلتُها، وهي على اختلاف أساليبها توافق على طبع الكتاب وترفض وفقا لاحتمالات الربح أو الخسارة. إذن فلم يعد الكتاب الورقي نزيها غير تافه ولا سيء الترتيب لأنه كتاب ورقي، فالمشكلة هنا -في النشر الورقي- أو هناك -في النشر الإلكتروني- واحدة. 

ومن يذهب منكم إلى متجر من المتاجر ويتصفح بعض الكتب الجديدة المنشورة عن دور نشر شهيرة وجيدة السمعة، يجد عجبا، إن بعض الكتب جيدة وهذا لا شك فيه، لكن بعضها الآخر ليس جيدا بالمرة، سيء التصميم سيء التنسيق سيء اللغة، لا تكاد تقلب صفحة إلا تجد فيها همزة وصلٍ كُتبت همزة قطع، أو ياءً كتبت ألفا مقصورة... إلخ. 

فإذن السيئة الأولى لدور النشر الإلكترونية -وهي عدم التركيز على القيمة المعرفية للكتاب الإلكتروني- هي نفسها سيئة الدور التقليدية هذه الأيام. ما الحل؟ لم أقصد إلى أية حلول في هذه التدوينة، بل إلى تعداد سيئات النشر الإلكتروني، ولعلي سأناقش الحلول في تدوينات قادمة. 

2- السيئة الثانية تتعلق بتوزيع الكتاب، إذ تعود مؤلفوا الكتب الورقية -على علاتها- أنهم لن يحملوا همَّ التوزيع، فهم يدفعون ودور النشر توصل كتبهم إلى دوائرها في مناطق مختلفة -حسبما تقتضي سياسة الجمارك!- وإلى معارض الكتاب كل عام، أما مؤلفوا الكتب الإلكترونية -على سهولتها ومجَّانيتها- فأول همومهم هو التوزيع، إذ كيف يتولون وحدهم توزيع كتبهم وإيصالها إلى أكبر عدد من القراء؟! وهذه مقارنة واضحة، إما أن تدفع وترتاح ولا تدري من الذي قرأ كتابك ومن لم يفعل، أو تتولى توزيع كتابك بنفسك وتشرف أنت على عدد التنزيلات (أو المبيعات)، فهذه النقطة لا تسيء إلى النشر الإلكتروني بقدر ما تعطيه ميزة، ولا تحسن إلى النشر التقليدي بقدر ما تحيطه بالغموض. 

وإنني أفكر فيما بيني وبين نفسي فأفترض أن مؤلفا عربيا مشهورا وذا حظ من السمعة الطيبة قام بنشر كتبه إلكترونيا، فتبعه مؤلفون عرب آخرون، ويوما بعد يوم اكتسب النشر الإلكتروني منزلة ووفِّق في إنتاج كتب تستحق القراءة، سيكون للكتاب الإلكتروني شأن مختلف، وسيكون لمؤلفي الكتب الإلكترونية ما لمؤلفي الكتب الورقية من حضور (وحفلات توقيع إلكترونية جذابة!). 

لعلي أعود إلى تحديث هذه التدوينة إن وجدت سيئة ثالثة، لكنني أرى أن ما ذكرته يكفي. 


0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.