09‏/05‏/2016

ثلاث أغان لفيروز: إلى هيثم الشيشاني




قلت لي مرة يا صديقي: "صوت فيروز من الأصوات المبالغ في تقديرها". وقلت لك: "أحب دائما أن أكون منحازا لفيروز، دائما يا هيثم".
لكن لم فيروز بالذات؟ سأكون مغرورا لو زعمت أنني سأكتب كل الإجابات التي تشع في ذاكرتي الآن؛ ببساطة لأنها كثيرة جدا. لكن سأحاول كتابة ما يجب أن يُكتب.
واحد من الأسباب التي تغير طريقة تقديرنا للفن هو شيوعه. الفنانون الذين يحظون بانتشار واسع ويملكون مساحة مفروضة في كل مكان وفي أي زمان مثل فيروز لا يجذبوننا بقوة غالبا. نحن الذين لا نريد أن نتلقَّى فحسب، بل نفكر في إضافة شيء دائما. لا تستطيع أن تجد هذا النوع الخاص من "الكبرياء" عند الكثير من الناس. فالناس لا يبحثون دائما عن المعنى في الفن بقدر ما يبحثون عن اللذة المباشرة البسيطة. أما أولائك الذين يشمُّون رائحة المطر عندما تصلي فيروز: "يا دنيي شتِّي ياسمين ع اللي تلاقو ومش عارفين من مين خايفين" ثم يضطربون كذبابة لامست شبكة مُكهربة ويسقطون مغشيا عليهم.. أما أولائك الذين تنقطع أنفاسهم مؤقتا حينما تغني فيروز: "مِتْكي على المخمل، تتوجع، وتعود ع آخر دني وترجع".. والذين يكاد جلدهم ينسلخ من لحمهم وهم يسمعونها تردد: "يا ظلال الشجر ع طريق السهر يا حنين السؤال". أما هؤلاء الغريبون المعتوهون المرضى بالتعمُّق وحساسية الموسيقى فليس من السهل عليهم أن يتقبلوا حقيقة أن فيروز لهم ولغيرهم.
أتخيلهم الآن يقفون في صفوف قليلة أمام بيت السيدة ويناولونها رسائلهم الطويلة ويطالبونها بأن تمنحهم عصافير الدوري والقرميد والعقد البنفسجي والسلم الصغير "داير مندار" مهما كان باليا، وأن تعرفهم إلى راعي القصب وأم سليمان وعبدو وشجرة الحور... الكثير من الممتلكات الفنية يجب أن تكتب بأسمائهم،وستتحطم أمنياتهم إذا رفضت فيروز كل رسائلهم وأخبرتهم بأن صوتها حق للجميع. لكن.. فيروز؟ إنهم لا يستمعون إليك إلا صباحا.. إنهم لا يقدِّسون صوتك كما نفعل، ولا يبكون عندما تهب رياح شمالك البعيد! لا.. لا، "أنا كل القصة لو منهن ما كنت بغني".
لكن لا تقل لي يا هيثم إنك ستنسحب من بيننا وتحاول نسيانها، إنك تملك دائما فرصة الاستماع إليها وحيدا، وهذا قد يشبع طمعك.

السبب الثاني هو التكرار. عندما تُعاد الموسيقى على مسامعنا تصير ظلالا. الظلال ليست حقيقة الشيء ولو كانت انعكاسا جميلا له. الأغاني التي تسمعها يا صديقي في الراديو كل صباح أو في المطاعم المحلية والمقاهي ليست كل ما غنت فيروز. إنها الأغاني الأكثر ملامسة لحاجات الناس. سيفضل رجل لم ينم جيدا أن يستمع إلى "حبيتك تا نسيت النوم" وستفضل مُراهقة أن تعيد "جايبلي سلام" وتخيط ثوب نومها القطني، لكن ربما لا يتصور أحدهم أن فيروز غنَّت ذات يوم نوعا مُرهقا من النثر الصعب الذي كتبه جبران خليل في "النبي"
"وظلّ المصطفى، المختارُ الحبيب 
الذي كان فجراً لذاته
ينتظرُ سفينتهُ في مدينة اورفليس
".

سأهدي إليك الآن ثلاث أغنيات، ربما لم تسمعها من قبل. 

الأغنية الأولى: Joy to the world

"ابتهج بالعالم، الرب قادم
دع الأرض تتلقى ملكها
دع كل قلب يهيء غرفته
والسماء والطبيعة تغنيان.. والسماء والطبيعة تغنيان".
في هذه الأغنية الدينية التي تشيع في أعياد الميلاد، تسفر فيروز عن وجه غير مألوف: الوجه المسيحي الذي يحتفل بالعالم ويحلق داعيا الموجودات إلى الغناء والمرح. للأسف، ليس من طبيعة فيروز أن تعطينا تفاصيلها الخاصة، لكنها تسمح نادرا بهذا.
استمع إن شئت إلى خضوعها: "وا حبيبي، وا حبيبي.. أي حالٍ أنت فيه؟". أو إلى إيقاع الخشوع وجلجلته: "نسجد لآلامك أيها المسيح، فأرنا قيامتك المجيدة". ستكتشف هذا الوجه الذي أتحدث عنه. إنه درجة الصوت المقدسة التي تعلو وهي تحمل خبز المساكين ونبيذهم وحطب أرواحهم وشمسهم المقدسة. 

الأغنية الثانية: يمّي ما بعرف كيف

تخرج الفتاة إلى العين حاملة دلوها، هي لا تعرف الكثير عن الحب والرجال، كل ما تعرفه أن أمها تنتظر عودتها بالماء قبل غروب الشمس. ترى حبيبها فتحاول الفرار، لكنه يقترب منها ثم يسمعها الكثير من الكلمات التي سحرتها وأخجلتها حتى كادت تختفي. وعندما عادت إلى البيت متأخرة، لم يكن مباحا لها أن تكتم هذا الشعور اللذيذ السري عن أمها.
في هذه الأغنية تبوح الفتاة لأمها بكل شيء، لتنجو من ألم الضمير، فهي تظن أن الغرام لا يليق بالفتيات. إنها تعترف لكاهنتها لتريح نفسها من ثقل هذا اللقاء غير المتوقع.
"يمي ما بعرف كيف حاكاني
وكنت حد العين حيرانة
تركتو بقصدي روح
بدي روح".

ثم ترفع عينيها إلى عيني أمها معتذرة:
"مدري شو حد العين خلاني
يمي ما بعرف كيف".
لكن أمها التي كانت أقل تزمتا من بقية الأمهات تهز رأسها وتسألها: "وبعدين، شو صار؟".
فتطأطئ رأسها ثانية وتسرد الأحداث: "لقد تكلم معي كثيرا، ولم أعرف كيف طاوعته الكلمات فكانت تنساب من فمه، حتى أن الزنابق كبرت ونحن نراها بأعيننا وصارت عالية يا أمي".
لكنها أدركت الحاجة إلى تذكيرها بأن ابنتها النزيهة لم تقع ضحية لعذوبة حديثه، فاستدركت: "لو ضل كان الورد خبَّاني". 
هيثم، هذا تعبير له آثار جانبية عدة، منها أنك قد تترك أعمالك وتفكر: يا سلام، كيف خطرت هذه الصورة البليغة لبال الفتاة الخائفة؟ وأخشى أن تندلق قهوتك على مكتبك وتلسع جزءا من ذراعك!
إنه الخجل الجميل يا سيدي، فلو لم يتوقف ذلك الحبيب عن الكلام لذابت في الورود المحيطة واختبأت.
تكمل القصة: "بدأ النور ينسحب من الدنيا، وأدركت أنه الغروب فخفت وارتبكت، ثم لم أعرف أي طريق سيوصلني إلى بيتنا، وعندما وصلت لم أكنت أعي تماما أنني في البيت".
تقطب الأم حاجبيها وكأنها تؤنبها: "إذن كنت تحبينه؟".
فتعتذر بسرعة: "قلبي يدق وكنت فزعانة.. يمي ما بعرف كيف".

الأغنية الثالثة: ضوا الهوى قناديله

تشتعل القناديل واحدا واحدا، وستندهش إذا لاحظت أن الذي يمثل هذا الدور هو عازف القانون. كل هزة وتر تشعل قنديلا. ثم يقص علينا الكمان بعض القصص القصيرة قبل أن يبدأ الصوت الجماعي بالغناء. الأغنية تسير على نمط ثلاثي: صوت جماعي أنثوي، صوت جماعي ذكوري، صوت فيروز. وكل الأصوات تردد نفس الكلمات. الناس يحلمون بالكلمات وفيروز تغنيها عنهم! هذا أشهى معنى للأغنية. 

في الأغنية تعبيرات بلاغية لم تسمعها من قبل. "ورق الشجر رح يسبقنا"، "ورد العتب المايل"، "تركوا ورق الرسايل"، "يمحي الهوى تعب الهوى"، "أخذوا الدفاتر بإديهن وانكتبو بالدفاتر".

شكرا. 


2 التعليقات:

*أخيرًا حانت لحظة ال ١٥-دقيقة-من-الشهرة خاصتي، أخيرًا*

:)

لا أقصد أن أكون هاذرًا ولكن بالفعل كلمة (شكرًا) أحسستها غير كافية ولا أدري لم ولكن السطر أعلاه حضرني كبديل أو بالأحرى متمم لل-شكرًا. أقدر الوقت الذي يقضيه أي شخص في إيصال فكرة أو معنى. الوقت شيء ثمين وأنا لا أجد إلا الشكر لمن يمنحني بعضه.

سأحاول الاختصار ولكن قبل الرد أود أن أعتذر لأن الآتي كلام + رأي شخصي للغاية واحتماليات ان يكون بلا طائل لأغلب من سيقرؤونه وارد. أعتذر لني كما أسلفت آنفًا أقدر الوقت الذي يقضيه شخص في التعاطي معي. وقراءة سطور ما ضرب من ذاك التعاطي..لذلك أريد أن أنبه القارئ احترامًا لوقته.

واضح جدًا أنك -بالإضافة لنور الهدى- لا تندرجان تحت تصنيفي الشخصي ل (الأناس الذين يعطون صوت فيروز وأغانيها حجمًا مبالغًا فيه). وهذا شيء جميل وطيب؛ أن يكون للشخص معنى وتفضيل ذا أثر وأيضًا -وهو حيوي برأيي- أن يكون للشخص فهم وإدراك لم عنده/ا مثل ذلك التفضيل. الفهم قد لا يكون بالكلية (وفي حالة وجود تفضيل من نوع "فني" فهذا أفضل!) لأن ذلك قد يلغي عنصرًا من عناصر الانجذاب والتوق للمزيد وهو عنصر الغموض (ولو الجزئي) لماهية تعلق فرد بصوت ما أو قطعة موسيقية أو أداء تمثيلي/مسرحي دون غيره.

وبسرعة أضيف أن المسألة في هذه التدوينة ليست الحل لمعضلات العالم ولا اليوم ولا حتى للأغنية العربية فأرجو أن يتفهم القارئ العزيز (وعذرًا لتغليب المذكر ولكنها اللغة، حاكموها هي) أنني مدرك لذلك وأسوق هذه الفقرة هنا لأنني بصدد الدخول في الأسباب (إن كانت أسباب الكلمة الملائمة) الشخصية ل"تصنيفي" لصوت فيروز، يعني هناك الكثير من ال (أنا) وصويحباتها. (لكي يتسنى لك التوقف وعدم إضاعة أي وقت قد تحس بفقدانه جراء الاستمرار. وأعد ان أتوقف عن تكرار هذه اللازمة من (الوقت وأهميته) بعد الآن.

في مرحلة الشهادة الجامعية الأولى والثانية درست في مدينة بعيدة بعض الشيء عن مدينتي. سكنت هناك ل ٧ سنوات ونصف. كل صباح (كللللللل) صباح كانت أغاني فيروز تصدح من كافة المقاهي والمطاعم المنتشرة بوفرة أمام بوابة الجامعة حيث كانت شقتنا الطلابية. أظن ذلك أثر في + بي بشكل كبير. أيضًا أثناء النشأة كانت ال(ثقافة) الأغنياتية في البيت والبيئة المباشرة المحيطة مصبوغة باللغة الإنجليزية وبمستوى ثانٍ باللغة الشيشانية (للأسف لست فصيحًا بلغتي الأم!). ربما هذا ساهم في عدم التعرض ولا التشبع بالمسلمات (إن صح وسمها بتلك الكلمة) المرتبطة بأغاني ومطربي العرب ومشاهيرهم. والدتي لم تك تدندن بأغاني فيروز ولا عبد الحليم ولا والدي ولكن قطعًا عندما يتم الكلام عنهما أو سماع أغنية من على التلفاز فإنهما يغنيان معها/م.

قبل حوالي عقد من الزمان عملت كمذيع برامج أجنبية وكانت حينئذ الإذاعة الوحيدة التي تصدح باللغة الإنجليزية (قبل دخول الإذاعات الخاصة). ومع ان هناك قسمًا خاصًا لإذاعة باللغة العربية وموسيقاها وبرامجها العربية فإنه كان لا يمر أسبوع دون ان يطلب مستمع أغنية لفيروز أو شادية أو عبدالحليم :) وكنت أمتنع (مع آخرين ممن أستطيع وصفهم بزملائي مع أنني لم أعمل إلا ل ١١ شهرًا هناك) عن وضع أغنية عربية عبر الأثير. منذ كان عمري ١٢ سنة وأنا أستمع لهذه الإذاعة وكنت لا أطيق سماع أغان بغير اللغة اإنجليزية، اللهم إلا في برامج أو ساعات محددة كان يتم فيها مزج أغان تركية/فرنسية/عربية/إسبانية/..الخ.

خلال تلك الفترة خصوصًا درست -ليس بتوسع وتخصصية، أعترف- الموسيقى! طبقات الصوت، التوزيع الموسيقي، تاريخ الموسيقى ومن ضمنه العربية. تعرفت إلى نمط تحويل القصائد لأغان "خالدة" ولكيف كانت شوارع العواصم والمدن العربية تفرغ من روادها حين تكون هناك أمسية للعندليب أو الست. إنجاز الرحابنة وإصرارهم على جدوى الأغنية القصيرة (نسبيًا). حتى تهم سرقتهم لمقطوعات عالمية وعمل
para-phrasing
ذكي لها.
أبحرت واستمتعت واستفدت وفي نهاية المطاف -أيضًا- ازددت عنادًا وتشبثًا بأن الأغاني العربية القديمة (٦٠ - ٧٠ -٨٠ ات) مملة ورتيبة.. في المجمل!

أظن الحد الفاصل بين الذوق الشخصي وما بين محاولة التمرد وعصيان التوجه العام كان مطاطاً وانتقائيًا عندي. شيء شخصي كما ذكرت (وحذّرت) بداية.

رأيي بصوت فيروز منضو بشكل عميق إلى أن الكثيرين -على الأقل ممن هم في جيلي- انساقوا وراء نظرية الانجراف مع القطيع. صوت فيروز الملائكي مع فنجان القهوة وبخاصة في الصباحات عندي كانت حالة مبالغ فيها ,, وجدًا في ثنايا هذه الفئة العمرية. انسياقي وراء هذا ال(تعميم) أكثره نابع أنه عندما أسأل هل كل أغانيها جميلة (لا أسأل: خالدة) فيأتي الجواب.. قطعًا. وأنه لا يمكن الاعتماد على يوم أو يومين على الأكثر دون الانصياع الذهني لصوت فيروز وتذكر و/أو الانغماس

تابع:

في ذكرى معينة؛ حقيقية أو متخيلة كانت.

ما يغيظني أكثر كان ال
die-hard core fans

المزعومون. أقول المزعومون لأنهم يرفعون فيروز للرقم واحد وأقصى أمانيهم أن يحضروا لها حفلة وأن يروها ويقولون بأنهم يذاكرون أغانيها بدل دروسهم ولكنهم لا يعرفون كلمات الأغاني. حتى المشهورة والعظيمة منها لا يعلمون إلا المطبع أو اللازمة. لا يعرفون اسم ملهمتهم حتى :)

وهؤلاء في طريقي الوعر.. كثر وليسوا أقلية!

بتحيزي الواضح كنت أقول عبارة:

متحيزون وإقصائيون نحن. ولكن لا نعرف لا اسم أبي بكر ولا اسم أم كلثوم. المهم أننا ندافع عنهم لأقصى تخوم الوريد.

*** قد تستغرب ولكن ما خلا أول واحدة فإن الأخريتين من الأغاني هنا أعلمهما وسمعتهما أكثر من ٢٠ مرة :)

أنهي بالقول: هو موضوع ليس بالكوارثي (أقصد بالنظر إلى موضوع الأغاني كمفهوم حتى) ولكن أسهبت وأسهبت لأني -وللحق- مستمتع :)
صوتها جميل. لا اظن أحدًا يملك القدرة ولا الجرأة على دحض ذلك. كثير من الكلمات عبقري الصياغة والدلالة؟ طبعًا! لأغانيها صدى ورنين على .. الحياة ؟ أكيد ولكن أزعم أن مهنتها الطويلة والناجحة + شبه انعدام المنافسة أدّيا لخلق مبالغة في سعة + تأثير أدائها. حتى باعترافها هي؛ صوتها في كثير من أغانيها لم يك صالحًا للطبقة المرجوة في الأغنية ولكن ذلك في النظر لمجموع الأداء والفن الذي ساهمت في ارتفاع موجه وغزارته ليس محرق التركيز ولا يجب أن يكون أصلًا. (إلا عندما ياتيك الإنترنت ب ١٥ دقيقة من الشهرة الآنية ويريك اسمك في عنوان لمدونة عزيزة وقراءة جميلة و.. مستفزة -إيجابيًا- :)

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.