07‏/11‏/2015

الصراع: اعتذروا لي من أمي


للرسام الإيطالي أنتونيو دييغو فوتشي
بعد وجبة العشاء، ترك الرسالة: "أبي وأمي، شكرا لأنكما أنجبتماني، لم أعد أطيق البقاء لأجل 25% فقط، شكرا".
الأسرة في اللوحة هي تجسيد لعائلة إيطالية، أكثر ما يقلق المشاهد المتأمل هو تنوع الملامح الشديد. يسهل استنتاج أن أعضاء هذه العائلة يخضعون لحالة من الرعب غير اليقيني والانتظار. لكن كل نظرة تقول غير الأخرى. يستطيع أحدكم أن يسمع وجه الأب قائلا: تبا. أو وجه الطفل غارقا في أفكاره البسيطة: ترى ما الذين يحدث؟

حقا ما الذي يحدث؟
لقد ترك أحد أفراد العائلة رسالة غامضة، وغادر.. أو هرب. مم هرب؟ تكثر الأجوبة ويقل التأكد...
إن بقاءنا في بيت واحد مع أسرنا يحتم علينا أن نعيش حياة مكلفة إلى جانب الحياة السعيدة الناعمة المطمئنة. معظمنا يعلم تماما ما يعني أن نعيش في أسرة واحدة. لكن من منا يعلم ما هي تكاليف العيش في أسرة واحدة؟ علم النفس التطوري يحاول الإجابة بتواضع، ولا يفرض علينا آراءه وفرضياته.
في 1964، عندما قدم عالم الأحياء التطوري الشاب ويليام هاملتون قاعدته الشهيرة (rb > c)، بدأ الوسط العلمي يغير نظرته إلى الفرد والعائلة تغييرا ملحوظا، وانتشرت أمثولات علمية مثل: إذا وجدت أحد إخوانك يغرق في النهر فمتى ستقرر مساعدته؟ كم تحتاج من أبناء إخوانك لتقرر القفز في النهر وتعريض حياتك للخطر؟
قاعدة هاملتون تفسِّر ظاهرة انتخاب الأقرباء kin selection التي تقول إننا سنساعد وسنضحي لأجل أقربائنا الجينيين بقدر ما يربطنا بهم من المورِّثات (الجينات). أي، سيساعد أحدهم أباه أكثر بالضعف من مساعدته أحد أعمامه أو أخواله؛ لأنه ببساطة يرتبط بأبيه بنصف جيناته (50%) ويرتبط بعمه بـالربع (25%). هذه الأرقام هي التوزيع البيولوجي لصفات الإنسان الموروثة. إذ من الواضح أن الطفل يأخذ نصف مورثاته من أبيه والنصف الآخر من أمه، وبهذا تكون علاقته بجده وأبناء عمومته وخؤولته مثلا علاقة االثمن (12.5%)، وبجده الأكبر (أب الجد) علاقة (6.25%).. وهكذا.
ثم قيل إن أحدنا لن يضحي بحياته لأجل أخ شقيق، ولا أخوين! لكن إذا وجد ثلاثة إخوان له يغرقون أو يتعرضون للموت، فسيفعل. كيف لا؟ وهو سيترك وراءه ثلاثة أرباعه؟ يبدو هذا مسليا وصالحا للتباهي وإغاضة صديق يكره داروين مثلا، لكنه أعمق بكثير.

حتى لا يصير الموضوع كله أرقاما وفرضيات، سأحاول بأسلوب أبسط تفسير غياب صاحب الرسالة وفراره من عائلته. نحن في المجتمع العربي الشرقي نختلف عن الناس في المجتمعات الغربية. إننا ننتمي إلى نوع من المجتمعات يُدعى في علم النفس بالمجتمع الجمعي Collective، إذ نعيش معظم حياتنا مرتبطين بعائلاتنا بأشكال عدة، ومسؤولين عن بعض مهامها وتكاليفها. في جازان حيث أعيش، يمكن أن تجدوا بدون تعب رجلا في الثلاثين من عمره لم يزل يعيش في كنف أبويه. الأكثر شيوعا هنا هو أن من السهل ملاحظة شُبَّان في العشرينات -مثلي- يعيشون مع أسرتهم ويأخذون مصروفهم اليومي! إنها الثقافة الجمعية هي ما يفرض علينا هذا، ويندر أن ينشقَّ أحد أعضاء الأسرة مالم يحصل على عمل أو يتزوج.
البقاء في إطار الأسرة ليس مجَّانا. حتى يبقى أحد الأبناء أو البنات في الأسرة وينعم بطمأنينتها وغذائها عليه أن يساهم في بنائها. يذكر ديفيد باس (علم النفس التطوري، 2009) أن الواحد منا سيبقى في أسرته مالم يحصل على أسرة خاصة به (يتزوج). وإذا طبقنا قاعدة هاملتون، فإنني أنا شخصيا سأغادر بيتنا عندما تكون الفائدة الوراثية التي سأحصل عليها (rb) أكبر من الكلفة التي سأتحملها ببقائي على مكتبي الذي أكتب منه الآن (c). ومعنى الفائدة الوراثية هنا هو الحصول على أشخاص أقرب جينيا إليّ (أبناء). أما إذا لم يحدث هذا، فإنني سأبقى وسأدوِّن كل أسبوع بحسب مزاجي.

في ظروف كثيرة، تكون التكلفة التي يتحملها عضو من أعضاء الأسرة أكبر بكثير من فائدة الخروج من البيت والبحث عن شريك. في رسالة الرجل، ذكر -بقسوة- أنه لم يعد محتملا رعاية إخوته الذين يرتبطون به جينيا بـ (50%) لا أكثر. فكان من المؤكد أن بقاءه في هذا البيت يعني أن يساعد أبويه في الاستثمار الوالدي في الذرية. تتنوع المساعدة من المساهمة في التربية والتعليم، وتدبير الغذاء، والاهتمام بشؤون المنزل المادية والنفسية. وقد يبدو واضحا من نص الرسالة أن الرجل سئم هذه الحياة، وقرر أن يغادر البيت هروبا من الكلفة التطورية التي تكلَّفها.

الكثير من المشكلات العائلية تحدث بسبب الصراع حول (من سيقوم بمَ؟)، يتسلَّم الأفراد مهمات مختلفة لمساعدة الأبوين، ولكن إن حدث خلل في هذه المساعدة، قد يضطر الأب أو الأم إلى افتعال المشكلات مع الذرية للوصول إلى حل حاسم. هذا الهم المرتسم على ملامح الشخوص في اللوحة يفسر خروج عضو من الأسرة؛ ستزداد التكاليف على البقية.
قد يجد بعضنا في هذا الإطار الفكري متسعا لخياله، فيفترض أن حزنه على وفاة أمه سيكون أكثر بالضعف من حزنه على وفاة جدته. هذا بديهي! لكن ما الأساس النفسي الذي ننفعل انطلاقا منه؟ إنها القرابة الجينية.

في الختام، تبذل قاعدة هاملتون وسعها في تفسير التضحيات الشخصية لصالح القرابة الجينية. ومن الواضح جدا أن المحور في كل هذه التضحيات هو الفرد ذاته. أو بلغة الوجوديين "الموجود لذاته". الرسالة تخرج إلى السطح ما يعتمل في القاع من آليات نفسية تطورت على مدى الأزمان. وهي آليات تخدم وجود الفرد في المقام الأول. قاعدة هاملتون لم تزل فرضية، لقيت دعما أحيانا، ولم تلقه أحيانا أخرى. وهي بقوتها الرياضية تغري حتى العلماء أنفسهم بالاقتناع والتعصب. ثمة علاقات نفسية أخرى بين الفرد ومن حوله، منها "الغيرية altruism" ومنها الصداقة والحب، وفي أحوال كثيرة يفضل عالم النفس التطوري أن يلتزم الصمت أمام مشهد أبعد ما يكون عن حدود الفرضيات والمنطق.


03‏/11‏/2015

لتحطيم قلب الأنثى (2)



  by Huebucket
بين الكثير من الأفلام التي لا مذاق لها، قدم "عيون لا تنام" في بدايات الثمانينات مادة جديدة للتفكير العربي الذي اعتاد في كثير من أحكامه على الأفلام المصرية أن يصفها بالماجنة، أو الباردة، أو في أحسن الأحوال بالمناسبة لتضييع الوقت.
الفيلم يصور مشهدا طويلا من مشاهد الإنسان الأقدم والأقوى: صراع العائلة. وفي ذروة هذا الصراع تنسحب موجات الغضب، وتضرب في صخور الشاطئ موجات حب.
الصراع العائلي والعاطفي هما من أقوى الحبكات في قصة الإنسان. ويكفي أن نبدأ نقاشا صغيرا حولهما حتى يتحول المكان إلى غابة سافانا، بشكل مباشر أو غير مباشر.
لن أستغرق في ذكر تفاصيل الفيلم كما يفعل النقاد السينمائيون. سأكتفي بالإشارة إلى أن:
- ثمة مؤشرات نفسية تطورية في معظم أحداثه.
- الكاميرا تتحرك مع النفس لا مع الجسد.
- نستطيع أن ندخل من خلاله إلى موضوعنا.

الرجل العقيم هو متسابق خاسر في مضمار البقاء. يحاول (إبراهيم) ألا يكون هذا الخاسر، فيطلب من (أم البتعة) أن تبحث له عن فتاة شابة "تستطيع الإنجاب". هنا، عندما يهيم (إبراهيم) في السوق متلصصا على أجساد البائعات، يكتشف هو بنفسه خصوبة (محاسن) الفقيرة. ينتشي، يشعر بالانتصار بعد الشيخوخة التي تفلُّ عظامه، ثم يتزوجها.
لا يرضى رجل ما أن يبقى "عجوزا عقيما"؛ لأن هذا يعني أن نسله سينقطع، وأكثر توضيحا، يعني أن صفاته الوراثية لن تنقل إلى ذرية تنقلها إلى ذرية لاحقة. يبحث كل (إبراهيم) بيننا عن (محاسن) الخصبة الشابة التي ستجعله أبا، وتبحث كل (محاسن) شابة وضائعة وضعيفة عن (إبراهيم) قوي وثري وملتزم.

ليس هذا كل ما في الموضوع، فهو كما قلت لكم في الجزء الأول جديد وينبغي أن أمهِّد له تمهيدا جيدا. لكن دعونا ننتقل إلى صراع العائلة الآن. في ورشة (إبراهيم)، يعمل ثلاثة إخوة له. هو يكبرهم طبعا، ويتسلط عليهم بصفته الأخ الأكبر. وما إن تدخل محاسن بيته، حتى يعترض طريقها أحد الإخوة، والذي هو (إسماعيل).
نحن الآن نشاهد مسرحية طالما تكررت بين العائلات منذ بدأ الإنسان يعتد بأهله وينتمي إليهم. بعد غياب الأب، يتولى الأخ الأكبر رعاية إخوته، ثم يدرك في النهاية أن له حقا عليهم لا بد أن يوفوا به، وهو حق الطاعة والانصياع. يتمرد بعض الإخوة، ويهرب بعضهم الآخر من هذه الحرب الوراثية. (إسماعيل) كان الوحيد المتمرد.

بكل الطرق، عجز (إسماعيل) عن تبغيض (محاسن) إلى قلب أخيه. إنه مدفوع بقوة غريزية ذكية: إذا ولدت محاسن ولدا، فسوف يكون له الإرث. وبعد أن عجز عن مهمته هذه، لجأ إلى حيلة من أقوى الحيل: استعان بـ (أم البتعة) على التشكيك في شرف (محاسن).
لماذا غضب (إبراهيم) وانهار عندما بدأت الشكوك تدور حول شابَّته الخصبة؟ لأنه لا يريد أن يدخل غريب ما في نسله. هذا أيضا أحد مركبات نظرية الاستثمار الوالدي (باس، 2009). الرجل غير متيقن من إخلاص زوجته، ومن ثم فهو غير متيقن من نقاء نسله منها؛ لذا، يستطيع الذين تساءلوا في الجزء الأول: لماذا يتجه الرجل إلى أنثى أخرى؟ أن يجيبوا على أسئلتهم.
إنها شعلة لا تنتهي، هي شعلة الشك. تجعل الرجل في حيرة وعجز من أمره، وتسمه بالخذلان حتى لو كان واثقا من إخلاص أنثاه.

بينما تسير هذه الأحداث إلى ما تسير إليه، يولد الصراع العاطفي. بعد أن تمتعت (محاسن) بالنعمة التي يوفرها لها زوجها، بدأت تبحث عما لا يوفره لها. وكما يجب أن تكون القصة، كان (إسماعيل) الرجل الفتيَّ الخصب المشتعل بالشهوة البادية في عينيه. تحاول الاقتراب منه غريزيا لأجل الولد، وظاهريا لأجل مشاعرها الدافئة. وفي غياب (إبراهيم) الذي استعان بالطب ليعالج عجزه، التهبت أنفاس (محاسن) و(إسماعيل)، ولذ لهما الحب الصعب.

ثمة مشهد قوي الآن: يعلم الزوج أن زوجته حبلى، يطير فرحا وينتظر مولودا ذكرا، يدرك الأخ أن هذا الابن ابنه، تدرك الشابة الخصبة أنها وقعت في المتاهة. الأمر الذي سيحطِّم قلب الأنثى هو أنها ستشعر بانعدام القيمة. وهذا كان شعور (محاسن) وهي ترى الإنسان البدائي الطمَّاع يتكشَّف في وجه (إبراهيم)، ومن بعد إبراهيم في (إسماعيل).

استعيدوا الآن صورة تلك المرأة في لوحة ديبورا ستيفينسون، سترون كل (محاسن). ثمة أسئلة كثيرة يمكن أن تجيب عليها نظرية الاستثمار الوالدي parental investment theory، واحد من أخطرها هو: لماذا نحب دائما إنجاب الذكور؟ أجاب (إبراهيم) ببساطة: "لأنه من سيرث الورشة"، وأجاب (إسماعيل) كذلك: "لأنه من سيرث الورشة".
وتجيب المشاهدات الدقيقة:
لأن الذكر أقدر على نشر السلالة.
لأن الذكر أقوى في الصراعات والحروب.
لأن الذكر هو المانح، الزارع، المستثمر.
ولأن الذكر يستطيع "تحطيم قلب الأنثى": أي، يستطيع أن يحصل على ولدين في وقت واحد!

* لقراءة علمية، راجعوا الجزء الخاص بالعائلة في كتاب ديفيد باس "علم النفس التطوري".

26‏/10‏/2015

لتحطيم قلب أنثى (1)


by Deborah Stevenson
في اللوحة يغرق شريكان في الحزن والشرود، وتعلوهما تفاحة تخترقها رصاصة، الأنثى تقبض تفاحة أخرى باهتة، ولا يبدو أن أحدا منهما يشتهيها. الذكر حزين ومتفكر، الأنثى حزينة ونادمة. 
جيد كل هذا، لكنني لن أواصل الكتابة بهذا الإيقاع الممل. الموضوع جديد من نوعه، والجديد، حتى يصل إلى الناس، يجب أن يكون خفيفا.
الآن استعدوا لاكتشاف السر في الحوار التالي...

الذكر: أهلا.
الأنثى (لا ترد التحية).
الذكر: أهلا، أنا اسمي خليل.
الأنثى (تحدجه بنظرة ولا تجود بكلمة).
الذكر: أهلا، أنا اسمي خليل وأنا معجب بشبابك.
الأنثى (تتوقف، تشعر أنه قال شيئا ما جميلا لكن لا تعرفه).
الذكر: أهلا، أنا اسمي خليل، وأنا معجب بشبابك، وسأعزمك على فنجان قهوة.
الأنثى: ماذا تريد؟ 
الذكر (يدرك أهمية الإجابة على سؤال كهذا).
الذكر: آآ، أريد أن نتشارك شيئا ما. 
الأنثى: ولماذا؟ 
الذكر: لا أعرف، أنت جذابة.
الأنثى: شكرا، لكنني مشغولة. 
الذكر: وكم هو لذيذ انشغالك.
الأنثى: شكرا، سأمضي.
الذكر: سألاحقك حتى باب بيتك.
الأنثى (تبتسم).
الذكر (يلهث).
الأنثى: أخاف أن يرانا أحد.
الذكر: لن يبقى حيا هذا الذي يخيفك.
الأنثى (تهز رأسها موافقة).

في الحوار السابق، نجح كل من الذكر والأنثى في اجتياز بعض الحواجز "التطورية". آه، تطورية؟ نعم، وكل الحوار السابق كان مجموعة من الحيل تطورية. ستبدؤون الآن بملاحظة بعض التلميحات التطورية في الحوار. الذكر هو البادئ. الأنثى هي العصيَّة. الذكر منجذب إلى الشباب والجمال، الأنثى منجذبة إلى الأمان والقوة. يهتم الذكر بتقديم نفسه والبوح بمشاعره، تؤجل الأنثى هذا إلى أن تتأكد من حقيقته. كلمة "نتشارك" أنيقة وجذابة في السياقات التطورية؛ إنها توحي بالاقتران. الغزل يحلو للأنثى. المطاردة سلوك ناجح غالبا للفوز بشريك. وفي اللحظة التي تأمن فيها الأنثى، يمكنها أن تعبر عن القليل من مشاعرها المحبوسة (تبتسم)، ويستطيع الذكر أن يعدها بالحماية التي تحتاجها ويتعهد لها -ضمنا- بالدوام والالتزام.. ثم توافق بعد أن نجح مُريدها في اجتياز اختبارها الغريزي.
كلمات مثل "كريم، مهتم بتربية الأطفال، شجاع، ثري، شهير" حظيت بإعجاب الإناث في بعض الدراسات (ديفيد باس، 2009) أكثر من "وسيم، جذاب، طيب". في تجارب عديدة خيِّر فيها الرجال بين إناث مختلفات، وقع الاختيار على الأكثر نضجا جسديا. وبرغم صعوبة تحديد مدى خصوبة الأنثى من خلال مظهرها الخارجي، كانت نسبة الوسط إلى الورك القليلة نسبيا (WHR)، وانتفاخ الشفتين، وحجم النهدين مؤشرات تنبه الذكور إلى وجود فرصة للتكاثر والاستثمار في شريك مضمون على مستوى الخصوبة.
عالمنا الآن طافح بهذه التلميحات: ملابس الموضة كل مرة تعزز الرؤية التطورية للاقتران، في محادثاتنا اليومية نصرِّح كثيرا بما تريده غرائزنا، والبائس من يدرك النية الدنيئة للصديق الشريف.

دعونا نعد إلى اللوحة. طالما اتخذ الفنانون التشكيليون من التفاحة رمزا للشهوة والغواية والخطيئة، متأثرين بالرؤية الدينية لهذه الفاكهة. لا يتردد الناظر إلى اللوحة في افتراض أن: الذكر والأنثى متورطان في علاقة. هذه العلاقة تفسرها التفاحة بأنها "جنسية". حزن الذكر يبدو خادعا بعد أن حصل على ما أراد، أما حزن الأنثى فحقيقي. هذا النوع من المواقف يمكن أن نجده في نظرية الاستثمار الوالدي parental investment theory القائلة إن الأنثى ستتحمل العبء الأكبر من الاقتران الجنسي بالذكر. هي من سيحبل، وهي من سيرضع، وهي من سيربي. الذكر حسب هذه النظرية يستثمر (أي يودع) مورِّثاته الغالية في رحم الأنثى، وربما يتجه إلى أنثى أخرى ليستثمر فيها. هذا العزوف عن الاستمرار في العلاقة هو ما يكلف الأنثى ثمنا غاليا. فقد صار لزاما أن تتغير حياتها بعد الآن. لذا نرى الأنثى في الصورة أصدق حزنا؛ فهي من سيعاني. 

- "أوه، في حالة واحدة لن يخونك حبيبك يا عزيزتي" يقول أحد التطوريين. تسأله الأنثى الحزينة: "متى؟"، فيجيب: "إذا استطعتِ أن تحبلي مرتين في وقت واحد!". 




23‏/10‏/2015

إنسان وفراش نوم


by Johnny Morant
قبل أن نغمِّض عيوننا وننام، نعيش لحظة تنسكب فيها كل الصور الممكنة في شعورنا، تطمئننا الجدران الراسخة إلى أننا لن نفضح إذا خرجنا عن "المألوف" و"اللازم"، فنقدم على صنع الخيالات المريحة لأعصابنا -نحن لن ننام طبعا بأعصاب مشلولة من كثرة المبادئ- ونضع أجسادنا في مكانها الملائم: لوحة فنية، سرير أنثى/ذكر، طائرة، قاعة سينما. حتى لو أنفقنا معظم اليوم في رفض وتبشيع هذه الإمكانات.
تعقيد الإنسان يشرع له التبرير. فهو المبرِّر، وهو الذي يفعل ما يشاء ويقنع نفسه بضرورته.
إذا شئنا أن نخلع أسمال المجتمع، ونحقق وجودنا الفريد، سوف نلتزم بأمر واحد حتمي: كل الأفعال ممكنة، عندنا وعند غيرنا. كل فعل في الوجود مبرَّر، وهو لا يمكن أن يكون فعلا إلا بعد أن يكون تبريرا.
الإنسان يبدأ حياته الفكرية بحقيقة مظلمة: إنني موجود، ولم يأخذ أحد رأيي في أن أكون موجودا أو لا. ولو بدت هذه الكلمات متناقضة، فإن الإنسان هو هذا المتناقض أبدا. يؤمن أولا بأنه موجود بلا مقدمات، ثم يمارس وجوده. التبرير هو تعبير الإنسان عن حرمانه من تبرير وجوده!
في مجتمع إنساني خاضع لقانون الفعل والجزاء، سيصير كل فعل إما مقبولا أو مرفوضا، والذي سيحدد هذا القبول أو هذا الرفض هو واحد من هذا المجتمع؛ أي هو إنسان. وفي سلسلة غير بسيطة من الفعل والعقاب سيستنتج المجتمع أن هذا الفعل مرفوض، سواء أكان "غير أخلاقي" أو "مؤلما" أو "نشازا"، وسيكون العكس صحيحا.
الوحل "الزائف" الذي نعيش فيه نهارنا وليلنا ينمحي في لحظات قليلة في اليوم، ساعة قبل النوم واحدة منها، إذ نكتشف أننا (ننزع ثيابنا القديمة). احفظوا هذا التشبيه جيدا. 

من السهل تبرير الأفعال "المألوفة": سأسبح اليوم أمام الناس. فمن ذا الذي سينهاك عن السباحة -هذا الفعل المقبول- ولو كان كارها؟ لكن من الصعب تبرير الأفعال "غير المألوفة": سأسبح اليوم عاريا. لأن سلسلة من التناقضات انتهت برفض هذا الإمكان.
في غرفتك، قبل أن تنام، ربما لن تجد حرجا في النوم بلا ملابس، ستبرر نومك عاريا بأن لا أحد يراك. هذا يشير إلى أنك "الآن" صرت موجودا "حقيقيا".
ماذا عن وجودك بين الناس؟ إنه زائف؛ لأنك ببساطة لن تملك كل اختياراتك.

في دم الإنسان، تسبح المبررات.
أي فعل ممكن.
وأي تبرير ممكن.
سأقتل طفلا لأبقى قويا.
سأتجنب الأقوى لأنني خائف.
سأغني لأرتاح.
سأصلي لأرتاح.
سأكفر لأرتاح.
سأنتقم لأرتاح.
وحتى الموت،
سأموت لأرتاح.

لكن هل جرب ميت راحة موته؟!


22‏/10‏/2015

اختصار


لقد صلّيت. تشهد عليّ المساجدُ والكنائس والمعابد والصّمت المكابدُ والتقيّؤ المستمر لكلّ فرص النوم..
لقد صلّيت. تشهدُ عليّ الساعةُ الثانية بعد آخر دمعةٍ كنت أناجي بها وجهًا لا أعرفهُ تمامًا..
في النهاية..
عرفتُ أنني وخلال انتظارك.. كرهتُ انتظاركَ وأحببتُ الله!

16‏/10‏/2015

تواضع!





 - كنتُ أفكّرُ في السّعادة الأبديّة حين لمحتُ وجهي مبتسمةً في المرآة، فعرفتُ الجواب.. وقلتُ في نفسي: "مأ أسهل حلّ المعضلات"!

- أنا الحاكمةُ الوحيدةُ لكلّ هذه البلاد الحزينة، اختارني الغناء والرّقص المحترف على رجلٍ واحدة، فلماذا أنتظرُ موافقتكم؟

- فستاني الملوّن أحلى من كلّ نسائك لكنّك ضعيفُ النظر وهذا ليس عيبكَ الوحيد..

- بروحي عدّة أشخاص أحلاهم "أنا" وأبشعهم "أنا"!

- يأتي الصباحُ لأنك تستيقظين وهذه ليست مبالغةً فإن الصّبح هو فضليةُ الكون ولكي يحدث يحتاج إلى يديك النقيّة وابتسامتك النائمة.. قالت لي غيمةٌ عند الرابعة فجرًا..

- يقولون: "أعيدوا  الوقت إلى سنةٍ معيّنة حتى يصير كلّ شيءٍ- كما كان-  بخيرٍ كثير".. وأنا أقول: "أعيدوا إليّ الصورة التي وقفتُ فيها أمام المرآة وأنا أرتدي فستاني النيلي وسوف يتغيّر العالم نحو الأفضل"..

- لم تمت في داخلي إلا حين وجدتُ أنني أستحقّ الحياة أكثر منك، لذلك فإنني لا أترحّمُ عليك لكنني فرحةٌ لكوني على قيد نفسي رغم كلّ خيباتك!

 -بإمكان كلّ "أنثى" أن تصير وطنًا حين تضحك.. بعضهن حين يضحكن ينطوي الكون كله في داخلهن ويُخلق من جديد وأعتقد أنني من النوع الثاني!

- يا الله. أعرفُ جيّدًا أنك تحبّني.. أثقُ في ذلك كما يثق الأطفال بشخص يرميهم نحو الأعلى فيستقبلون احتمال سقوطهم بابتسامة..
وهذا يثيرُ حقد صديقتي التي تقول لي مفقوعةً: "ستذهبين إلى النار".. فأقول لها "كلنا سنردُ الجنّة في النهاية"!

- قلبي صغيرٌ جدًا ومع ذلك يستطيعُ أن يحتويك ويرعاك ويلدك في كلّ مرة تقتنعُ فيها أنك ميت لا محاله.
قلبي صغيرٌ جدًا ومع ذلك بإمكانه أن يجد لنا مدينةً آمنة نلتقي فيها ونمشي في شوارعها ونتفاجأ بأغنية صاخبة فنرقص لأن شيئًا ما دعانا لنكون أطفالًا ومجانين..
قلبي صغيرٌ جدًا ومع ذلك بإمكانه أن يخترع لك سماء تلبّي حاجتك للمطر فلا ننتظر تشرين ولا نتسوّل على أبوابه بل نمضي مستدفئين بكلّ ما فينا .. مطمئنين إلى أن مكروهًا لن يصيب مواسمنا وأن ثمارنا ستؤتي أُكلها وأننا لن نفنى ولن ننتهي ولن نشيخ..
قلبي صغيرٌ جدًا لكنه قادرٌ أن يتفاهم مع عناد عينيك ويصيّره فجرًا انتظرته تسعين ليلة!

 على الهامش: بماذا تفكرين؟

بشيء لا يعنيكَ أبدًا.

رقصة الخشب





اضربي بيديك
ليرقص هذا الخشب
واضربي بيديك
وقولي: عنب..
لي عنب.
واضربي بيديك
أنا أخرس الروح
ولا أسمع غير الطرب. 

أنت: ساقان غاضبتان.
ومنهما يقطر الغضب.
أنت: هيا، اغضبي..
اغضبي..
اغضبي حلوة أنت والغضب.

أنت: ساقان عاشقتان
يؤثر فيهما التعب.
أنت: روح الجحيم
وجسمك هذا لهب.
لهب.. ذا لهب. 


أنت: نصر الخيول
وأندلس العرب.
أنت: آه من كعبك العالي،

آهٍ من انفراط الندى من بين نهديك كدمع الذهب 
ذهب.. آهٍ ذهب.

اضربي بيديك
ليسكت هذا الشغب..
واضربي بيديك
ليعلو هذا الشغب.
شغب
أنت الشغب.

أنت: نايٌ تجرد من صوفيَّتهْ
وانثنى، صار امرأة من قصب.
أنت تسوقك الرياح إلى قلبي
فتنقرين عليه..
تب تتب.. تب تب تتب.

14‏/10‏/2015

لا أمنحكم الحق في قتلي..




كنتُ في البداية طفلةً خائفةً أشتمُ وأنساقُ وراء كلّ هذا الضّجيج الحاصل فأمسكُ شعر رأسي وأحلفُ به وأضربُ بقدمي الأرض متأفّفةً ومستاءة.. كنتُ أيضًا أسدُّ أذنيّ إذا ما سمعتُ صوت طائرةٍ وأبدأُ بالتفكير العميق بالوضعِ الإقليميّ المستبدّ وكيف أنه يفرقعُ أصابعهُ في وجهي بشكلٍ مستفزٍ ومثيرٍ للاشمئزاز.. كنتُ أستيقظُ في الليل لأتفقّد أنفاسي وأعدّ أشيائي الثمينة وأخبّئها في مكانٍ "آمن".. ومن ثم أبدو بصورة الطّفلة التقيّة التي قامت بكلّ واجباتها وجاء دور الله في حمايتها، وكنتُ أطمئنّ لهذه الفكرة حتى أنام!
لكنني وفي صباحٍ ما استيقظتُ وقد نبت لي شعرٌ جديد غير الذي كنتُ قد خلعتهُ من جرّاء حلفاني المتكرر بأن الوضع سيتحسّن..
وكنتُ قد بدأتُ باختبار صوتي الآسر وهو يتهجّى حروف "صباح الخير".. كنتُ قد ألِفتُ_ربّما_ كلّ هذا البؤس الذي يغفو معي.
وألفتُ ألا شيء حدث لتغييره رغم تضحياتي المتكررة..

كنتُ قد تصالحتُ مع كلّ هذا الانفلات العاطفيّ الوسخ الذي لا يولّد إلا كرهًا وخوفًا وموتًا ولم يكن كلّ هذا ليجعلني مستسلمة بقدر ما قادني إلى نوعٍ آخر من المقاومة.. لقد توقّفت نهائيًا عن قراءة الأخبار والخوض في أحاديث أصبحتُ أعتبرها تافهه.. انصرفتُ نحو إخراج روحي إلى النور وتعيينها الحاكمة الوحيدة لكلّ هذه البلاد المدمّرة، فتعلّمتُ الرقص والغناء وأشبعتُ رغباتي بالفساتين الملونة وأصبحتُ أعدّ الطائرات المحلّقة فوق رأسي وأنا أتناول "معقود العنب" دون أن أفكّر ما سيحدث لو أن برميلًا منها يسقطُ على رغيف خبزي ويسلبه.. إن هذه الدقائق هي ملكي، لحياتي البسيطة التي لا تهمّ أحدًا ولا بدّ أن أعيشها كيفما شئت.. وإن تبقّى وقت سأخصصه للثرثرة في جدوى خطّةٍ اقتصادية أو جدوى أن أقيس الخطّ البياني الذي يمرّ من حزني وشقائي المعيشي نحو الأطراف التي تتفق على مصّ دمي.. سأردّ على كلّ الرسائل التي لا تحتوي على الأغنيات وأقفُ في مواجهة الموت الكلاسيكي وأنا أمدّ لهم لساني وأبحلق في عجزهم.. وربّما وضّحت لهم معنى ألا ننسى حياتنا ومعنى ألا نسلتقي على الأرض ونحن لا ننظر إلا إلى البارود.. لكنني الآن مشغولة!
مشغولة حقًا في أكل قطعة الشوكولا والتنعّم بمنظر عصفوري وهو يغرّد غير آبهٍ بكلّ هذا! 


على الهامش: الجميع مروا من هنا .. شاهدوا الحرائق المندلعة فداسوا على الرّماد وذهبوا
شكرًا لكم وتبّا على حدِ سواء!

 

يتم التشغيل بواسطة Blogger.