12‏/06‏/2016

يولا






كانت "يولا" فتاة جميلة. ذات مرة أحبها رجل لأنه اعتقد أنها لا تكذب، وأحبها آخر لأنه آمن بقدسيتها، وتساءل الذي جاء ليسلمها طردًا بريديا فيما إذا كانت مخلوقًا سماويا أم لا. كان ليولا شعرًا قصيرًا غشّاشًا. تارة يبدو حالكًا وتارة يظهر كستنائيًّا بطريقة وقحة، لكن مجدها كان يكمن في عينيها.
"ما تشبه عيناك يا يولا؟" سألتها جدتها.
"زجاج يا جدّتي". ضحكت جدتها كما يضحك الغراب وأردفت: "حافظي على هذا".

تجلس يولا على الأريكة المغطاة بملاءة قرمزية. تحرك ساقاها العاجيتان فتميل الشمس تجاه قبلتهما ويصلّي النور بعمقٍ عند ركبتيها. تأكل كعكة هشةً وترشفُ البرتقال. تتخيل أن هناك من يحبها وأنه كما كانت تقرأ يسمّى "توأم روحها" وربما هو الآن يشرب البرتقال أيضًا وينصتُ لموسيقى سيّئة، ويحرك شعره الأشقر الكثيف ليظهر جبينه العريض الذي يحرس عينين مموّجتين مثل فراء القطة التي أهداها لها والدها في عيد ميلادها الفائت قبل أن يموت بعد أسبوع إثر حادث قال عنه الجميع أنه مؤلم، لكن الأمر لديها كان مجرد عملية طويلة مليئة برائحة مواد التخدير والدماء. "سوف يستيقظ حتمًا، أليس كذلك؟" تصمتُ لثوانٍ ثم تنتبهُ إلى أنها تشركُ توأمها المفترض في "أحزان عائلية". تجلسُ يولا جلسة تخلو من البهجة وتبدأ بالنحيب.

خرجت في أحد صباحات كانون الباردة. كانت ترتدي قبعة بالية من الفرو وتغطي جسدها الممشوق بمعطف سميكٍ من الجوخ الأبيض. تخرج وحدَها غالبًا لأنها لم تنجح في تكوين الصداقات فقد كانت الفتيات يعتبرنها مجرد دمية حلوة أو شخصية هاربة من الرسوم المتحركة وكثيرًا ما كنّ يستهزئن بوجهها الخام الذي لم تلمسه مساحيق التجميل يومًا. كان فمها يشبه احتقان وريد بالدماء. منتفخًا وممتلئًا ولونه قاني، وهذا البرد قد عتقه أكثر.
تفكّر يولا وهي تمشي بإمكانية أن يكون عندها سيارة مفضّلةً اللون الأحمر ومختارةً حجمها الصغير. تساءلت: "ألا يوجد سيارة تتسع لشخص واحد؟" ثم ضحكت للحظة، فابتهجت معها شجرة قريبة. في الجانب الآخر من الطريق كان يمشي رجل فارع الطول مثل عمود جهّز ليحمل الكثير من الأسلاك الكهربائية. يرتدي سترة سميكة من "الجينز" المبطّن ويلف حول رقبته وشاحًا رماديًّا. يده اليسرى مختبئة في جيبه والأخرى تعانق سيجارة. كم كان مشهدا آسرًا اختلاط أنفاسه البيضاء بأنفاس السيجارة الرمادية. من يفرّق عندها بين لهاث الدفء والبرد؟
وقفت يولا عند محطة الباص. لم ينظر أحدهما إلى الآخر فرجل يدخن يمتلك من الغرور ما يكفي وأنثى تحلم قد لا تتنبّه لشيء. قال رجل عجوز: "متى يأتي القطار؟" ردّ الرجل بشيء من اللا مبالاة: "عندما يحين الوقت"، ثم رفع كم سترته قليلا: "أي بعد خمس دقائق" وغرق في صمته مجددا.

بينما كانت يولا تصعد السلالم القديمة عائدة إلى بيتها كان هو ينزل من الأعلى. التقيا عند الدرجة السادسة عشرة. كاد أن يصطدم بها فقال بكل هدوء: "عفوًا" وها هي إذًا تنظر إليه. كان له شقّين صغيرين ينفذ من خلالهما الضوء. فكّرتْ "ما أصغر عينيه!" واتسع قلبها قليلًا لكنّ هذا لم يعن له شيئًا كما يقول عصفور  يراقب المشهد من بعيد.

"يا يولا، سيكون علينا ترميم الحمام بالكامل؟ أي منزل مهترئ هذا!" قال "سافيو" الرجل الذي اعتادت أن توكل له مهام التصليح وجلب الأغراض والثرثرة العابرة وتشارك كوب من الشاي المعدّ بتأنٍّ حتى يصير ليلًا. كان سافيو بعد هذه العشرة الطويلة التي رأى فيها يولا تبكي وتصاب بهيستيريا الرقص بعد شرب النبيذ، يكنّ لها شيئًا من تلك العاطفة السحرية التي استفزّته لتقبيلها حين دخل المطبخ ورآها تدور على موسيقى صاخبة. أراد أن يأخذها من ذراعها وينظر مباشرة إلى عينيها، ثم يسلّم عليها بشفتيه. لكنه كان متزنًا جدا إلى الدرجة التي قضى فيها اتزانه على أفكاره المجنونة المتعلقة بها. ويولا؟ كانت طبعًا تفكر في ذلك الرجل الطويل الذي التقت به مرتين دون أن تعرف اسمه حتى.

كان يجلس على السلالم في ذلك اليوم ويدخّن. بينما كانت تنزل على مهل تبيّنت ظهره المكتسي بقميصٍ وردي خفيف، وشعره الذي عبث به السهر كما يبدو. "السهر على سرير فتاة؟" فكرت يولا بغضب غير مبرر. حين جاورته وقفت قليلا. قليلا يعني مرور بعض الوقت دون حراك أو كلام. قال دون أن يلتفت: "أهلا جارتي" ثم ضحك بشكل مفرط. أحسّت يولا في تلك اللحظة أنها تنال فرصتها لتشاركه هذا الموعد الغريب المليء بالترنّح.
الآن، هي قريبة منه. متجاوران. لا هو يعلو ولا هي تهبط.
"أنت جاري إذا؟"
"إنه سؤال أحمق أيتها الصغيرة"
"مجرد سؤال عن الحال يا ..."
"كريستوف!"
تنحنحت يولا ، نظر في عينيها مباشرة وحدق. ظل بصره معلقا بزجاجهما الأزرق عاكسًا وجهه عليهما حتى ارتبكت يولا واتسع قلبها أكثر من قبل.
"هل تعلمين؟" نطق أخيرًا.
"كنتُ في حفلة سيئة جدا. المنزل كان متسعًا، فيه كل ما يشتهيه رجل يود أن يقضي ليلة عسليّة. هناك كان بإمكاني أن أقوم بكل ما أريد. أن أرسم حتى يمتلئ دفتري لكنني شعرت بالملل فجأة. أتعبتني الوجوه المتشابهة والعيون التي تبدو وكأنها تحترق، فجرت أمشي، وحبن وصلت غلى هنا. إلى هذه الدرجة بالذات تعبت، فقررت أن أحتفل في هذا المكان العتيق مستجلبًا الوجوه من ذاكرتي".
"مضى وقتٌ طويل على آخر مرة احتفلتُ فيها" قالت يولا هذه الجملة وسرعان ما ودّت لو أنها لم تفعل لكن الكلمات كانت قد خرجت وانتهى الأمر. وجدت طريقها نحوه فضحك حتى ظهرت كل أسنانه وعلّق:
"يولا الصغيرة، سأرسمك يومًا ما"
تحدثا طويلًا. حتى بدايات الفجر ربما. شرحت له بنصف لغة عن نفسها وأنها تعيش في المنزل الذي ورثته عن والدها الذي كان يرسم أيضًا بعض الصور للحشرات التي كان يصادفها أثناء سيره عبر زقاقات المدينة. ذكرت له سافيو النبيل الذي سيرمم لها الحمام ويساعدها في وضع ورق الجدران في الصاله. كلمها هو عن سبب مجيئه إلى هذه البلاد وكيف أنه ظل يعيش في فقر مدقع حتى فتحت له طاقة الحياة، ثم أخرج دفترًا من صغيرا من جيب سترته المرمية عند أسفل قدميه وراح يقلب فيه. كلما كان يريها المزيد من لوحاته كلما كانت تحب أصابعه أكثر وكان قلبها الذي راقبه على مدى أشهر طويلة من نافذة الغرفة وحفظ كيف يمشي وكيف يداعب أوراق شجرة التوت في نهاية الشارع قبل أن يركب في سيارة غالبا ما كانت تقله في الفترة الأخيرة وكيف كان يحكّ طرف فمه باستمرار حين يحادثه صاحب العمارة عند الباب. بحلقت فيه. بشيء من العفوية مدّ يده إليها. عبث بشعرها ثم كرر
"يولا الصغيرة. يولا الصغيرة"
قبل أن يصعد نحو منزله سألته: "كريستوف، ما تعني طاقة الحياة؟"
ردّ بإهمال من يقول شيئًا بديهيًّا وبسيطًا: "المرأة التي سأتزوجها قريبًا. سأسافر معها نحو بلدان كثيرة فهي مهتمة بالفن مثلي. حسنًا! بطريقة مادية بعض الشيء ولكن لا بأس." حرك يده من الخلف واختفى.

داخل غرفة الجلوس المجددة كانت تجلس يولا على ذات الأريكة حين دخل سافيو لأخذ رأيها في بلاط الحمام. وجدها تحدق بصمت في يديها، وخُيّل إليه أنها ستلتهم إحداهما لا محاله. حين اقترب منها يسبقه قلبه الخائف الذي قلما رآها حزينة إلى هذا الحد. تبيّن له بكاؤها الصامت. ولأنه نبيلٌ جدا فإنه يدرك كم من المؤلم أن تبكي فتاة جميلة بصمت. قال لها برفق: "يولا" جاثيًا على ركبتيه وناظرا إلى يديها. حين رفعت وجهها بدا وكأنه خُبزَ لفترة طويلة في فرن كبير. اقترب منها أكثر ومن دون أي تخطيط صارت يولا بين ذراعيه. امتزج بكاؤها الحاد بلون سترته، وكانت الموسيقى لا تزال تخرج من فم المسجّل بينما تهب الرياح في الخارج وينطوي هذان الأحمقان على بعضهما. 

07‏/06‏/2016

نظرية محاكاة التهديد: هل من الضروري أن نحلم؟

by Jennifer Saucier
لعلك تساءلت ذات ليلة، بعد الاستيقاظ من حلم لذيذ مليء بالخيالات الدافئة والمشاهد الملونة السارَّة، قائلا بنوع من الأسف: لماذا كنت أحلم؟ لماذا لم يكن هذا حقيقة. ثم في طريقك إلى العمل قررت أن توقف سيارتك جانبا وتفكر: لماذا الأحلام؟ هل الأحلام ضرورية لحياتنا؟ 
في هذه التدوينة جمعت لك الكثير من محاولات العلماء للإجابة على سؤالك، وبرغم طولها سأتوقع أنك لن تمل القراءة إذا أردت حقا أن تعرف سبب أحلامنا ومدى قيمتها بالنسبة لحياتنا العقلية والجسدية. 
الحلم هو الصور أو الأفكار أو المشاعر التي نعيشها في المنام . وبرغم وجود الكثير من النظريات التي تجيب على سؤال: لماذا نحلم؟ أو تفسر وظيفة الأحلام، لم يُجمع العلماء إلى الآن على نظرية واحدة. فبعض الباحثين يرون أن الأحلام لا أهمية لها، ويرى بعضهم أنها مهمة للصحة العقلية والجسدية [1]. 
يقترح إرنست هوفمان (مدير قسم أمراض النوم بمستشفى نيوتون ويلسلي، بوسطن) أن "الوظيفة المحتملة -مع أنها ليست مُثبَتة- للأحلام هي إدراج البيانات الجديدة إلى الذاكرة بطريقة تقلل من اليقظة الشعورية وهي أيضا تكيُّف يساعدنا على التأقلم مع الصدمات والأزمات" [1]. 

الإله (مورفيوس) والإلهة (آيريس)
هناك الكثير جدا من الرؤى الاجتماعية التي انتشرت بين الحضارات مفسِّرةً الأحلام وباحثة في مدلولاتها الدنيوية والأخروية وآلياتها. في الميثولوجيا اليونانية، مثلا، يظهر إله الأحلام (مورفيوس) ابن إله النوم (هيبنوس) للناس في نومهم. لدى مورفيوس موهبة عجيبة وخاصة. فهو يستطيع أن يتمثَّل في أي شخص ذَكَر. يخترق الحُجُب ويتجلَّى للناس بملابس ووجوه وأصوات الأشخاص الذين يعرفونهم [*].
في حضارتنا الإسلامية، وبقراءة بعض محاولات ابن سيرين والنابلسي، يعود سبب الأحلام إلى الله أو الشيطان، فالحلم الجيد من عند الله والحلم الشرير من عند الشيطان. وتحمل الأحلام غالبا تنبُّؤات بأحداث مستقبلية أو إشارات إلى حالة حاضرة أو حدثٍ ماض. فمثلا إذا رأى الرجل في منامه "فِراشًا" فإن هذا الفراش قد يكون امرأته، وهكذا إن كان الفراش في حالة جيدة فهذا يعني أن المرأة صالحة، والعكس [**].
فدعنا الآن نقرأ محاولات العلماء...


نظريات.. نظريات [1]:
 1- نظرية التحليل النفسي للأحلام [2] Psychoanalytic theory of dreams:
حسب مدرسة التحليل النفسي، زعم فرويد (1900) أن الأحلام هي تمثيلٌ للرغبات والأفكار والدوافع اللاواعية unconscious. فسيغموند فرويد رأى أن الناس مدفوعين بالغرائز العدائية والجنسية التي تُكْبَت تحت رقابة الإدراك الواعي conscious awareness. فإذا كنا لا نستطيع تحقيق بعض رغباتنا والتعبير عن بعض أفكارنا بطريقة واعية، فإن هذه المكبوتات تتجلَّى في أحلامنا. كتب فرويد في كتابه الشهير (تفسير الأحلام) أن الأحلام هي "إشباعٌ مقنَّع للرغبات المكبوتة".
وقسم فرويد محتوى الأحلام إلى اثنين: محتوى صريح manifest content ومحتوى كامن latent content. فالمحتوى الصريح هو كل ما تراه وتعيشه في أحلامك من صور ومشاهد وأفكار فعلية، أما معناها النفسي فهو المحتوى الغامض الذي يفسره المحلل النفسي.
انتشرت أفكار فرويد عن الأحلام بين عامة الناس، ولم تزل إلى يومنا. لكن الأبحاث العلمية أخفقت في تأكيد زعم فرويد أن المحتوى الصريح يقنِّع أو يغطي المحتوى الكامن، أي بحسب الأبحاث العلمية إن ما نراه في الحلم لا يحمل أي معنى آخر غير معناه. 

2- نموذج تنشيط وتخليق الأحلام [3] Activation-Synthesis model of dreaming:
اقترح هذا النموذج لأول مرة (1977) باحث الأحلام والطبيب النفسي آلان هوبسن  J. Allan Hobson وبروفيسور الطب النفسي بجامعة هارفرد روبرت ماكلارلي Robert McClarley. وهذه النظرية هي الأكثر قبولا في الأوساط العلمية [1,4].
وفقا لهذا النموذج، الدوائر العصبية في الدماغ تُنشَّط أثناء مرحلة من مراحل النوم تتميز بكثرة النشاط الكهربي في الدماغ وتسمى (حركة العين السريعة Rapid Eye Movement) أو REM. وفي هذه المرحلة تُنشَّط اللوزة الدماغية amygdala والحُصين hippocampus  وهيأجزاء تتدخل في المشاعر والأحاسيس والذكريات وتقع في الجهاز الطرفي [1].

يصنِّع الدماغ هذا النشاط الداخلي ويفسِّره محاوِلًا إيجاد معنى لهذه الإشارات، وهنا ينتج الحلم. ومن هنا يكون تعريف الحلم بحسب هذه النظرية بأنه تفسيرٌ موضوعي subjective -لكن عشوائي- للإشارات العصبية (لا خيالي، كما في نظرية التحليل النفسي) يقوم به الدماغ أثناء النوم [1].
ومع أننا نفهم من هذا النموذج أن الأحلام هي نتيجة الإشارات المولَّدة داخل أدمغتنا، لا يعتقد هوبسون أن الأحلام بلا معنى. ويقترح بدلا من هذا أن الأحلام هي "حالتنا الواعية الأكثر إبداعا، إذ يحدث فيها أن إعادة التركيب العشوائية الآلية للعناصر المعرفية تنتج ترتيبا جديدا للمعلومات؛ أي أفكارا جديدة. ومع أن العديد من هذه الأفكار أو معظمها تافه، إلا أن وقت حلمنا لن يذهب سُدى إذا كانت بعض نتائجها الخيالية مفيدة حقا" [1].

3- نظريات معالجة المعلومات [5] Information –Processing theories:
إحدى النظريات الأساسية التي تجيب على سؤال (لماذا ننام؟) تقول إن النوم يسمح لنا بدمج ومعالجة جميع المعلومات التي حصلنا عليها أثناء اليقظة. بعض خبراء الأحلام يعتقدون أن الأحلام ما هي إلا منتجات ثانوية by-product لعملية معالجة المعلومات هذه. ولأننا نتعامل مع الكثير من المعلومات والذكريات في اليوم، فإن أدمغتنا أثناء النوم تنشئ صورا وانطباعاتٍ وقصصا للتحكم بالنشاطات التي تحدث في رؤوسنا ونحن نيام [1].
4- إحدى النظريات [6] تقترح أن الأحلام هي نتيجة محاولة أدمغتنا لتفسير المؤثرات الخارجية أثناء النوم. تذكَّر الآن عندما كنتَ طفلا كم مرة حلمت بأنك تسبح في بركة ماء ثم استيقظت فوجدت أنك تبولت في فراشك!
5- نظرية أخرى [7] تقول إن الأحلام هي بمثابة عملية تنظيف لأدمغتنا وتهيئتها لليوم التالي. هل لديك برنامج CCleaner على جهازك؟ الأحلام تؤدي وظيفة مشابهة.

6- بل هناك نموذج [8] يصف الأحلام بأنها نوع من العلاج النفسي، فالحالِم يستطيع ربط الأفكار والمشاعر المختلفة في بيئة آمنة. 

"النائم" لـ Judson Huss
هل عرفت نظريات الأحلام الأكثر شيوعا؟ لا أظنك حصلت على إجابتك. أظنك بحاجة إلى نظرية تخبرك لماذا نحلم في الأصل؟ هل ستكون حياتنا مهددة إذا لم نحلم؟ إذا لم نقم خائفين من حلم مرعب؟

الجزء الثاني من هذه المقالة سيتناول دراستين، إحداهما تشرح الأخرى وتمددها.

صعوبة دراسة تأثير الأحلام في الوظيفة العقلية اضطرت العديد من الباحثين إلى استنتاج عبثية الأحلام، وأنها نتيجة نشاطات عصبية عشوائية [4] random neural activities (كما في النظرية رقم 2). 
فهل نستطيع، وفقا لنظرية التطور، أن نجيب على سؤالنا الأساسي (لماذا نحلم؟). لكن علينا أولا أن نفترض أن الحلم هو تكيُّف adaptation أبقاه الانتخاب الطبيعي لدوره في تحسين اللياقة العامة، أي قدرتنا على البقاء والتكاثر.

* نظرية محاكاة التهديد [9] Threat simulation theory:
النظرية الرائدة في هذا المجال هي ما انتهى إليه الفيلسوف وعالم النفس الفنلدني Revonsuo وفريقه في دراسة عام 2000، حيث استعملوا مبدأ "التهديد التخيُّلي virtual threat" وخلصوا إلى أن هناك حالة من التهديد تنشأ فعلا أثناء الحلم وتساعدنا -عندما نتذكر سيناريوهات التهديد المختلفة التي حلمنا بها- على أن نكون مشغولين بمعالجة التهديدات في العالم الحقيقي؛ عالم اليقظة [4]. هذه النظرية تسمى (نظرية محاكاة التهديد Threat simulation theory).
نظرية محاكاة التهديد ترى ببساطة أن الأحلام تطورت لتكييفنا مع أخطار وتهديدات البيئة التي نعيش فيها [4].
كيف يحدث هذا؟ هناك أدلة عصبية تثبت أن المعلومات (التجارب) غير الحقيقية أو غير المتعلقة بأي تحفيز بيئي حديث تُعالَج في الدماغ بنفس الطريقة التي تُعالَج بها المعلومات الحقيقية التي نحصل عليها من البيئة المادية الحقيقية. لنبسط هذا سنفترض أن هناك شخصين، أحدهما يعزف على آلة العود والآخر يتخيل أنه يعزف على نفس الآلة، الفرق بين الشخصين هو أن دماغ الأول يُعالج معلومات حقيقية أُثيرت بواسطة مُثيرٍ حقيقي (العود، النوتات، الأنغام كلها موجودة حقا في البيئة المادية)، أما دماغ الثاني فيعالج معلومات محض مُتخيَّلة (لا يوجد عود، ولا نوتات، ولا أنغام في الواقع). لكن المُدهش أن دماغيْ الشخصين سيعالجان التجربتين بنفس الطريقة في الدماغ [4].

ما تفترضه نظرية محاكاة التهديد قريب من هذا. فعندما تستيقظ من حلم مُفزع، مستثارًا، متعرِّقا، تتنفس بسرعة، وتحس ضربات قلبك على صدرك، فهذا يؤكد لك أن دماغك عالج محتوى الحلم -الذي هو غير واقعي أساسا- كما يعالج التجارب المفزعة الواقعية. وهذا سيساعدك على الاستعداد لمواجهة تهديدات العالم الخارجي الحقيقي. وبحسب النظرية، لهذا تطورت الأحلام. 

والآن نستطيع أن نقول على سبيل الترفيه إننا عندما استرخينا ولم نعد في حياتنا المدنية نخشى أن نموت بسبب لدغة ثعبان طائش في الظلام، قررنا أن نبحث عن المعاني الفانتازية في أحلامنا، قررنا أن نعتقد أن رؤية المفتاح والقفل في المنام يمكن أن تُفسَّر بأنها كرؤية أعضاء الذكر والأنثى التناسلية [***].

هنا تقفز أسئلة: لماذا التهديد؟ لماذا ليس شيئا آخر؟ إذا كان التهديد حدثا مهما في حياة الأسلاف فما هي أهميته في حياتنا الخالية -نسبيا- مما كان يقلق أسلافنا؟

وللإجابة عليها يجب أن نعود إلى الوراء ملايين السنين، حيث كان الأسلاف يعيشون في بيئات تختلف كثيرا عن بيئتنا الحديثة. كان الأسلاف يواجهون أحداثا تهدد وجودهم باستمرار، فهم يفترِسون ويُفتَرسون، وكما هي حالُ من هذه حياته فإن عليه أن يكون متأهِّبا دائما لمواجهة التهديدات التي قد تنهي حياته. فالأسلاف الذين كانت لديهم القدرة على استرجاع سيناريوهات الخطر -التي شاهدوها في الحلم- ربما كانوا أكثر كفاءة في التعامل مع الأخطار في الحياة الواقعية، ومن ثم نقلوها إلى الذرية. وهكذا انتقلت هذه القدرة على مواجهة التهديدات من خلال سيناريوهات الأحلام المرعبة إلى الأجيال.

هذا بالضبط ما أثبتته الدراسات!
وإذا كان الأحلام تطورت لتجعلنا على أهبة الاستعداد دائما لمواجهة الأخطار التي تهدد بقاءنا، فيجب إذن أن ينعكس هذا في أحلامنا؛ أي يجب أن تكون أحلامنا مماثلة للحالات التي إذا استرجعناها في حياتنا الواقعية ستساعدنا على المزيد من اللياقة والتكيف. البيانات التي جمعها (Hall and Van de Castle (1966 من أكثر من 500 حلم أشارت إلى أن 80% من الأحلام كانت تحوي مشاعر سلبية. وكانت هذه الأحلام أقرب إلى رؤية حيوانات أو أجانب في حالات من التهديد. فنحن دائما نكون متحيِّزين إلى المحتويات السلبية للأحلام أكثر من المحتويات الإيجابية [10].

مزايا تطورية أخرى غير التعايش مع تهديدات البيئة؟
بعد نشر دراسة Revonsuo بخمس سنوات (2005) نشر أستاذ علم النفس المعرفي بجامعة ميشيغان Michael S. Franklin دراسة بعنوان "The Role of Dreams in the Evolution of the Human Mind" في مجلة علم النفس التطوري. تهدف هذه الدراسة إلى استعراض نظرية "محاكاة التهديد" وتمديدها [4].
فالأحلام في حسب فرانكلين لم تتطور لتهيئتنا لمواجهة التهديدات فحسب، بل هناك الكثير من وحدات التفكير المعرفي العُليا تأثرت بقوة بآلية الحلم، ومنها:

1- تحسين الأداء: أثبتت دراسات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET أن الأشخاص الذين تدربوا على مهمات معينة زادت نشاطاتهم العصبية المتعلقة بهذه المهمات أثناء مرحلة REM من النوم؛ أي المرحلة التي تحدث فيها الأحلام، والأخبار الجيدة أن أداءهم تحسَّن بعد الاستيقاظ [4].
2- معالجة المعلومات الاجتماعية: أيضا، أظهرت الدراسات الحديثة أن الجوانب المعرفية التي تركز على معالجة المعلومات الاجتماعية تُنشَّط بقوة أثناء مرحلة REM من النوم. وسندرك ما لهذا من أهمية في تطورنا إذا علمنا أن المعلومات والتفاعلات الاجتماعية المعقدة التي تُعالج في الجزء الاجتماعي من أدمغتنا لعبت دورا كبيرا في تطور القدرات العقلية لأدمغة الرئيسات primates. يمكن دعم هذا الاستنتاج بحقيقة أن نسبة كبيرة من الأحلام تميل إلى أن تكون أحلاما اجتماعية، وتشمل حالات اجتماعية مختلفة [4].
3- مهارات التفسير: الأحلام تعلمنا كيف نتعامل مع الحالات الواقعية التي نعيشها أثناء اليقظة، وأيضا تجعلنا نطور مهاراتنا في تفسير الأمور. وفي الحقيقة، تشير دراسات أحلام الأطفال إلى أنهم غالبا يرون أعضاء عائلاتهم وأصدقاءهم المقربين أكثر من البالغين، ومن المحتمل أن يكون هذا بسبب الحقيقة القائلة إن الأطفال بحاجة إلى ممارسة المهارات الشخصية أكثر من البالغين [4].
4- أطفالٌ يحلمون: من الواضح الأطفال في كل الحضارات يطورون قدراتهم العقلية في أوقات محددة ومتوقَّعة، مثلا عند سن تسعة أشهر يبدأ الأطفال بالتعامل مع الآخرين بوصفهم أشخاصا مميزين. هذه المهارات عند الأطفال تتأثر بالأحلام، ومن ثم فهذا سبب إضافي للتأكيد على الصفة التكيُّفية للحلم وللمزيد من الدعم لفرضيته التطورية. مرحلة REM من النوم تحدث أكثر عند الأطفال وتقل مع التقدم في السن. يدخل الأطفال في مرحلة REM في بداية النوم -بعكس البالغين الذين يبدأون بالدخول في مرحلة NREM أو مرحلة النوم التي لا تتميز بسرعة حركة العين- وفي الواقع يقضون قرابة ثماني ساعات في هذه المرحلة. وكما عرفنا سابقا عن المساواة بين معالجة المعلومات الحقيقية الحسية والمعلومات المتخيلة أثناء الحلم، فإن الأطفال الذين يعالجون خبراتهم اليومية في أحلامهم، حسب هذه الفرضية، سيتعلمون المزيد من المهارات التي لم تزل تتطور في أذهانهم [4].

تنبُّؤات...
أحد تنبؤات هذه الفرضية هو أن مقاطعة الأطفال في مرحلة REM -تقريبا في ساعات النوم الأولى- سينتج عواقب سلبية على نموهم العقلي. أيضا، أحد الأمراض التي يمكن التحقق من هذه الفرضية من خلاله هو مرض التوحُّد [4] 
طفل مصاب بالتوحُّد autism (ويكيبيديا)
مرضى التوحد لديهم مشكلة مع "نظرية العقل TOM"، ومفهوم نظرية العقل هو أن يستطيع الشخص عزْوَ (أو نسبة) الحالات العقلية (الاعتقادات، النوايا، الرغبات، وجهات النظر...إلخ) إلى نفسه وإلى الآخرين وأن يفهم أن للآخرين حالات عقلية تختلف عن حالته العقلية الخاصة [11]. مرضى التوحد أيضا لديهم مشاكل مع النوم. وتتنبأ هذه الفرضية بأن سبب مشكلة مرضى التوحد مع نظرية العقل هو افتقارهم إلى مرحلة REM من النوم. هذا الافتقار إلى مرحلة REM من النوم يجعل مرضى التوحد غير قادرين على الحلم، ومن ثم لديهم مشاكل في التعامل مع العالم من حولهم [4].

ماذا عن الأحلام الحية lucid dreams؟
بعض الناس لديهم القدرة على إدراك الحلم أثناء النوم، أو بتعبير آخر، يستطيعون معرفة أحلامهم والتلاعب بها وهم نيام. يتردد الباحث في هذه الدراسة في وضع الأحلام الحية ضمن إطار بحثه النظري، ويضع هذا النوع من الأحلام تحت عنوان "استثناء"، لكنه يشرح أن حالة الحلم الحي هي حالة نادرة ويمكن اختبارها في المختبر، وأنها حالة تتميز بنوع من الإدراك العالي للمُحيط أثناء الحلم. وسبب هذا التردد هو احتمال أن الأحلام الحية هي نوع من اليقظة لا نوع من الحلم. ويظن أن الحلم الحي هو "منتج ثانوي" من تطوُّر الأحلام العادية، وأن الهدف منه هو تمكيننا من الحصول على مستوى أعلى من الإدراك لأماكننا والأشياء المحيطة بنا [4].



المراجع الأساسية:
[1] www.verywell.com
[2] Vedfelt, Ole (1999). The Dimensions of Dreams. Fromm. ISBN 0-88064-230-0.
[3] Hobson, J. Allan (2010). "REM sleep and dreaming: Towards a theory of protoconsciousness". Nature Reviews Neuroscience 10 (11): 803–13.
[4] evp.sagepub.com.full.pdf
[5] Miller, G., Information Processing Theory
[6] Antrobus, John (1993). "Characteristics of Dreams". Encyclopedia of Sleep and Dreaming.
[7] Evans, C. & Newman, E. (1964) Dreaming: An analogy from computers. New Scientist, 419, 577-579.
[8] Hartmann, E. (1995)Making connections in a safe place: Is dreaming psychotherapy? Dreaming, 5,213-228.
[9] http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/15766897
[10] Hall, C. and Van de Castle, R. (1966). The Content Analysis of Dreams. New York: Appleton-Century-Crofts.
[11] Premack, D. G.; Woodruff, G. (1978). "Does the chimpanzee have a theory of mind?". Behavioral and Brain Sciences 1 (4): 515–526.

المراجع الثانوية: 
[*] www.greekmyths-greekmythology.com
[**] تفسير الأحلام وتعطيرُه، ابن سيرين والنابلسي - تحقيق، سيِّد إبراهيم، دار الحديث. 
[***] تفسير الأحلام، سيغموند فرويد. 

06‏/06‏/2016

جدال حاد في مقهى: كم نسبة DNA التي نتشاركها مع أقاربنا؟


عائلة لاوكون، رسمها بيل سندرسون، 1990
بدأ الجدال في منتصف حديثٍ فوضوي عن كل شيء، ناقشنا بعض فرضيات علم النفس التطوري (فرضية الانتحار، الشيخوخة...) وفجأة لوَّح لنا سؤال مثير: كم نسبة الحمض النووي DNA التي نتشاركها مع إخوتنا؟ كنت قد قرأت الإجابة في أحد الكتب لكنني نسيتها، فأجبت بأننا نتشارك الربع 25%، لكن أحد الأصدقاء قال إننا نتشارك 100% وهذا لأننا أخذنا 100% من الوالدين (النصف من الأب والنصف من الأم) وإخواننا أخذوا نفس النسبة! وقال أحدهم إننا نتشارك النصف 50%. انتهى النقاش بعد أن خضناه لساعتين من المساء الساخن، ولم نعرف النسبة الحقيقية. 

جمعت هذه المقالة من عدة مواقع متخصصة في علم الجينات، يجب أن تعلموا أن المقالات التي نقلت منها هذه المعلومات لم تكن تنتهي بأية مراجع، لذا فهذا هو كلام المتخصصين الذين أجابوا على أسئلة من هذا النوع، وقد يحتوي بعض الأخطاء أو التخمينات. 

مع الشمبانزي والدودة الحلقية؟ 
دراسات العلماء الطويلة للحمض النووي دائما تذكرنا بأننا لسنا وحيدين في هذا العالم، هناك أشخاص نظنهم "آخرين" لكنهم يشابهوننا كثيرا أو قليلا. بعض النسب والأرقام التي تقرأها هنا ليست لمجرد التسلية، بل من شأنها أن تجعلك تدرك كم أنت منتمٍ إلى الوجود الذي حولك.
 لعلك تعلم أننا نتشارك مع الشمبانزي الكثير من حمضنا النووي، لكنك ربما لم تفهم المعنى الدقيق لهذه المشاركة. أنت تشارك الشمبانزي (98%) وسمكة الزيبرا (85%) وذبابة الفاكهة (36%) والدودة الحلقية (21%) ونبات الخردل (15%) والبكتيريا (7%) بعض جيناتك، بل الكثير منها! وقد تسأل: كيف أكون أنا والشمبانزي متشاركين في قرابة 98% من معلوماتنا الوراثية بينما نتشارك أنا وأمي فقط 50%؟ [1]
الجينات التي تتشاركها مع الشمبانزي (ومع أي كائن من غير نوعك) هي مجرد تسلسلات الحمض النووي DNA القابلة للترتيب بطرق عشوائية واحتمالات لا نهائية تقريبا، بينما ما تتشاركه مع أمك هو الجينات نفسها، أي -في حالة الأمهات- أنت تملك تقريبا نصف الجينات التي تملكها أمك. لكنك بالطبع لا تملك 98% من الجينات نفسها التي يملكها أحد أفراد نوع الشمبانزي. 
هذه علاقتك بالشمبانزي، فما هي علاقتك بي أنا رمزي؟ 
نحن نتشارك حوالي 99.5% من جيناتنا مع كل شخص على كوكب الأرض تقريبا. لكن هذا فيما يتعلق بتركيبة الحمض النووي وشيفراته، أما فيما يتعلق بالتسلسل المشترك المتماثل الذي نتشاركه مع أقاربنا فتختلف النسب من 100% بين التوائم المتطابقة إلى 0.78% في صلات القرابة من الدرجة السابعة (الجد السابع مثلا) [الجدول رقم 3].

بعض الإثارة! [2] 
1- يمكن لجميع الناس الآن أن يتعقبوا أسلافهم إلى الشخص رقم 10000 من أقاربهم الذين عاشوا منذ 175000 سنة مضت.
2- الأشخاص الذين يربطك بهم سَلَف مشترك قريب (بضعة أجيال) يتشاركون معك أكثر من 99.5% من جيناتهم معك.
3- كلما كان لشخص أكثر قربا كانت نسبة الجينات المشتركة بينكما أكثر، والعكس صحيح. 

قبل أن تبدأ... [2,3,4]
سنجدد معلوماتنا عن علم الوراثة حتى لا يصعب علينا فهم المعلومات الكثيرة فيما بعد.
1- الحمض النووي منزوع الأوكسيجين DNA هو الجزيء الذي يتألف منه الجينوم genome -  الجينوم هو جميع المعلومات الجينية (الوراثية) للكائن الحي.
2- الجينات هي الشفرات الوراثية لصناعة البروتين.
3- البروتين هو وحدة بناء الأنسجة ووظائفها.
4- الحمض النووي مكون من سلسلة طويلة جدا من الحروف أو القواعد النيتروجينية (سايتوسين C، جوانين G، أدينين A، ثايمين T). كل واحد منا لديه قرابة 6 مليون حرفا مرتبة بترتيب مختلف؛ وهذا ما يجعلنا فريدين.
5- الكروموسومات ببساطة هي قطع كبيرة من DNA تقع في نواة الخلية.
6- الإنسان لديه 23 زوجا من الكروموسومات (46 كروموسوم). نصفها يحصل عليه من الأب والنصف الآخر من الأم. لكن هذه الكروموسومات لا تنتقل كما هي من الوالدين إلى الإبن، بل يحمل الإبن مزيجا من كل زوج منها. لذا فإن زوج الكرومسومات الذي تحصل عليه من أبويك (واحد من الأب + واحد من الأم) يختلف تماما عن الكروموسومات الأصلية لهما.
7- قبل أن تنقسم أزواج الكروموسومات في البويضة والحيوان المنوي تحدث عملية إعادة بناء recombination لجزيء DNA. أثناء عملية إعادة البناء تتوزع جزيئات الحمض النووي بين الكروموسمات المتصلة في كل زوج. يحدث هذا لإنتاج تركيبة فريدة (غير مشابهة لجزيئات الأبوين) من الجينات. 
8- الكروموسومات تضم معظم حمضنا النووي، ما عدا الحمض النووي الميتوكونديري mitochondrial DNA الذي هو خيط صغير من الحمض النووي المفصول عن الكروموسومات الـ 23 التي نرثها من كلا الأبوين، ويوجد في أجسام صغيرة داخل خلايانا تسمى (الميتوكوندريا) المسؤولة عن تكسير السكر (الطاقة). نحن نرث الحمض النووري الميتوكونديري من أمهاتنا فقط.
9- الأوتوسومات Autosomes هي كل الكروموسومات باستثناء الكروموسوم X والكروموسوم Y (كروموسومات جنسية).
10- هذان الكروموسومان يعملان بطريقة تختلف عن الأوتوسومات. المرأة لديها زوج من كروموسوم X يُمزَج shuffled أثناء تكوين البويضة. أما الرجل فلديه كروموسوم X واحد وكروموسوم آخر صغير (Y). كروموسوم Y يحوي فقط القليل من الجينات التي لا تُمزج أثناء تكوين الحيوان المنوي. 
11- أحد الجينات على كروموسوم Y هو الذي سيحدد أن يكون المولود ذكرا. كروموسوم X أيضا لا يُمزَج عند الرجل؛ لأنه لا يملك إلا كروموسوم X وحيدا. المرأة تمرر كروموسوم X إلى جميع الأبناء، بينما يمرر الرجل كروموسوم X إلى بناته وكروموسوم Y إلى أولاده.
12- يملك الإنسان ما بين 25000 إلى 100000 جينا، والإجماع الآن على أن عدد جيناتنا يبلغ قرابة 30000.

الجدول رقم 1، أقارب الدرجة الأولى
إلى أي درجة نحن أقرباء؟ [2,3,4,5] 
لو أنني وأصدقائي ألقينا نظرة على الجدول في الأعلى وعرفنا أن الإخوان يتشاركون 50% لأنهينا النقاش وقضينا الساعتين في مكان آخر أقل حرارة! لكن هذه لم تكن مشكلتنا، لقد كنا بحاجة إلى تفسير علمي، كنا بحاجة إلى فهم الآلية التي وُزِّعت بها هذه النسب، فهل تحتاجون أنتم؟ 

التوائم المتطابقة (100%):
التوأمان المتطابقان يتشاركان نفس البويضة ونفس الحيوان المنوي (نفس الزيجوت)، إذن يتشاركان 100% من الجينات الموروثة من الوالدين. لكن هذا لا يعني أنهما نفس الشخص، فهناك عوامل أخرى تجعل كل واحد منهما فريدا، هذه العوامل تسمى epigenetics أي التي لا تتعلق بالجينات (مثل: البيئة).

التوائم غير المتطابقة (أكثر أو أقل من 50%):  
التوأمان غير المتطابقين يختلفان عن المتطابقين، فبرغم أنهما توأمان، إلا أنهما جاءا من بويضتين (لا من بويضة واحدة) لُقِّحتا بحيوانين منويين (لا بحيوان منوي واحد)؛ لذا فهما لا يختلفان عن بقية الأشقاء الذين يتشاركون 50% من معلوماتهم الجينية.

الإخوان الأشقاء (أكثر أو أقل من 50%)، لماذا؟
في حالة الإخوان يختلف الأمر. نحن نتشارك مع إخواننا الأشقاء 50% من جيناتنا، ولكن ليس بنفس الطريقة التي نتشارك بها مع والدينا. 
أخوك أو أختك ورث 23 كروموسوم من كلا الأبوين، لكن بسبب توزيع الحمض النووي تختلف هذه الكروموسومات عن التي لديك. لذا أنت في المتوسط تشارك أخاك أو أختك 50% من جيناتك. 
أنت لديك نسختين من معظم جيناتك، هذا معناه أن أبويك سينقلان إليك نسخة من هاتين النسختين، وكذا سينقلان إلى شقيقك أو شقيقتك.
تصور أن جينات والديك هي عبارة عن عُملة معدنية coin، وأن وجهيْ العملة -الرأس والذيل- هما نسختا الجين الذي سينقلانه إليك وإلى أشقائك.
فرصة حصولك على إحدى النسختين -رأس أو ذيل- هي محض صدفة عشوائية، كما يحصل عندما ترمي العملة المعدنية؛ قد تحصل على رأس أو ذيل.
وبما أننا نملك قرابة 25000 جين في حمضنا النووي، فإن فرصة حصولنا على أيِّ النسختين يشبه فرصة حصولنا على الرأس أو الذيل إذا قمنا برمي العُملة المعدنية 25000 مرة. وإذا قمنا بهذا، فمن المحتمل جدا أن نحصل على 50% رؤوس و50% أذيال! إذن أنت وأشقاؤك تتشاركون قرابة 50% الجينات؛ أي هناك احتمال النصف أن تحصلوا على نفس النسخة من الجين وهناك احتمال النصف أيضا أن تحصلوا على نسخ مختلفة.  
قد لا تحصلون على 12500 بالضبط. قد تحصل أنت على 12600 رأسا و12400 ذيلا، ويحصل شقيقك على 12550 ذيلا و12450 رأسا.. وهكذا. لكنكما تقتربان جدا من النصف.

الجدول رقم 2، أقارب الدرجة الثانية
الإخوان غير الأشقاء -من أب أو من أم- (أكثر أو أقل من25%)، لماذا؟
هناك تداخُل بنسبة 50% بين الحمض النووي الذي ترثه أنت وأخوك غير الشقيق من أبيكما (أو أمكما). إذن أنتما تتشاركان نصف الـ 50% التي ترثانها من الأب، أي 25%. 

في حالة الأجداد والأعمام (والعمات) والأخوال (والخالات)، نحن نتشارك معهم 25% من جيناتنا أيضا. إذا أردت أن تعرف كيف يحدث هذا، فأنت تملك الكثير من المعلومات. لاحظ أن أباك يشارك أباه (جدك) بنصف جيناته (50%)، وأنت تشارك أباك في النصف أيضا، إذن فأنت تشارك جدك في نصف النصف، أي 25%.

أما عن العمومة والخؤولة، فإذا كان أبوك يشارك إخوته (أو أمك تشارك إخوتها) في النصف، فأنت تشارك أعمامك وأخوالك في نصف النصف، أي أيضا 25%.
وبالتأكيد، إذا كنت أنت تتشارك مع أعمامك وأخوالك 25% من جيناتك، فأنت تتشارك النصف مع أبناء إخوتك وأبناء أخواتك (أي من أنت عم لهم أو خال لهم).

المعروف أن أبناء العمومة يتشاركون 12.5%، وذلك لأننا نشارك أعمامنا في 25%،  وأبناء أعمامنا يشاركون آباءهم (أعمامنا) في 50%، إذن نحن نتشارك مع أبناء أعمامنا في نصف ما نتشاركه مع أعمامنا، أي 12.5%. لكن هناك حالة خاصة، وهي أبناء العمومة المزدوجة double-cousins وهم الذين جاؤوا من أخوين شقيقين تزوجا أختين شقيقتين. أي يكون ابن العم في نفس الوقت ابن الخالة، وهنا تتضاعف نسبة المشاركة إلى 25%؛ ومن السهل فهم هذا التضاعف. فإذا كنت تشارك ابن عمك في 12.5% فأنت في نفس الوقت تشارك ابن خالتك في نفس النسبة كما ذكرتُ، ومجموع هذه المشاركات يصل إلى 25%.

آخر من يمكن أن تشاركهم رُبع معلوماتك الوراثية هم أبناء عمومتك في حالة التوائم المتطابقة. يحدث هذا عندما تتزوج أنت وتوأمك المُطابِق توأمين متطابقين، وهنا يتشارك ابن عمك 50% من جينات أبيك -بعكس الأبناء في حالة الإخوان الأشقاء غير التوائم الذين يتشاركون مع الأعمام فقط في 25% كما تقدم- وإذا كنت أنت تشارك عمك في النصف، إذن فأنت تشارك ابن عمك في هذه الحالة في الربع.

الجدول رقم 3، أقارب الدرجة الثالثة
أعمام الأبوين great uncles وأخوال الأبوين great aunts وأبناء أبناء الإخوان grandnephews وبنات أبناء الإخوان grandnieces (أقل أو أكثر من 12.5%):
ماذا عن أعمام أبيك أو أمك، أتوقع أنك تستطيع التخمين، فالأمر سهل، إن أباك يشارك أعمامه في 25%، وأنت تشارك أباك في النصف، فكم يساوي نصف الربع؟ الثمن، أي 12.5%. وكذا الحال مع أخوال الأبوين.
لكن إذا كان لأختك بنت وأنجبت بنتا أخرى، فمن تكون أنت بالنسبة لها؟ إنك عمُّ أمِّها. إذن فكم تشاركك من جيناتها؟ من كلمة "عم" نستنتج نسبة 25%، ومن كلمة "أمِّها" نستنتج 50%، إذن عدنا إلى نصف الربع الذي يساوي الثمن 12.5%. وكذا الحال مع أبناء أبناء الإخوان.

هناك بعض الحالات التي تشارك فيها الآخرين 12.5% من جيناتك، وهي أنصاف الأعمام half-uncles وأنصاف الأخوال  half-aunts الذين هم أعمامنا وأخوالنا ولكنهم ليسوا إخوان آبائنا الأشقاء، أي هم الأشخاص الذين يشاركون آباءنا في 25% وليس في النصفكما تقدم في الإخوان غير الأشقاء، إذن فنحن نشاركهم في نصف الربع 12.5%. وكذا الذين أنت نصفُ عمٍّ لهم، أي أبناء إخوانك غير الأشقاء، فأنت لا تشاركهم 25% كما هو الحال في أبناء إخوانك الأشقاء، بل بالثمن 12.5%.

الأقارب من الدرجات بعد السابعة (الثامنة، التاسعة...) يتشاركون معنا القليل جدا من عدد الجينات، أي أقل من 0.78%. هناك فرصة قليلة جدا (أقل من 50%) في أن نتشارك أوتوسوما واحدا مع الجد الرابع عشر، أو مع أحدهم بعد مرور 15 قرنا. هذا لا يعني أننا لا ننتمي إليهم بالنسب، بل أننا معلوماتنا الجينية لا تحمل منهم إلا بعض الفرص.  


المراجع:
[1] www.quora.com
[2] genetics.thetech.org 
[3] freepages.genealogy.rootsweb.ancestry.com (الجداول منسوخة من هذا الموقع) 
[4] humanorigins.si.edu
[5] learn.genetics.utah.edu

04‏/06‏/2016

نظرية الحركات الإيقاعية: هل كان الانتخاب الطبيعي ثملا عندما طور الموسيقى والرقص؟


جينيفر جراي وباتريك سوايزي يرقصان على جذع شجرة، من فيلم dirty dancing
"تبدأ حياتنا بتهويدة،
 تنضج على وقع موسيقى الزفاف،
 ثم تنتهي بالموسيقى الجنائزية" Tianyan Wang, 2015

هل كان الانتخاب الطبيعي ثمِلا عندما طوَّر الموسيقى والرقص؟ نحن نؤمن بأنه حكيم ويبحث دائما عن مصلحتنا الوجودية، فهل أصاب حينما انتخب الرقص والموسيقى - هذه الأشياء الدنيوية الفانية؟ إذا كانت الموسيقى تكيُّفا، فما هي المشاكل التطورية التي واجهها الإنسان والحيوانات الأخرى بعذوبة الموسيقى وحرارة الرقص؟

"الموسيقى موجودة دائما في تاريخ وثقافات الإنسان، ولديها القدرة على استحثاث المكافآت rewards وإثارة العواطف emotions الإيجابية والسلبية"، "والموسيقى لا تكون وحدها أبدا، بل تكون مصحوبة بالرقص والحركات المتناغمة الأخرى، ليس في الإنسان وحده، بل حتى في الحيوانات الأخرى". "وإلى جانب الرقص، تتشارك الموسيقى الكثير من الصفات والدوائر العصبية neural circuits مع الكلام". لكن برغم هذا يبقى وجود الموسيقى مُلغِزا وسرُّ نشوئها محيِّرا. "منذ داروين (1871)، الكثير من العلماء اعتقدوا أن موسيقى الإنسان يجب أن تكون تكيُّفا adaptation" أي يجب أن يكون الإنسان واجه بعض المشكلات التطورية التي تطورت الموسيقى لحلها. دراسات التوائم وعَمَهِ الموسيقى الفِطري congenital amusia (عدم القدرة على ملاحظة، تذكُّر، إدراك الموسيقى منذ الولادة) أكدت أن للقدرات الموسيقية أسسًا وراثية. لكن السؤال هنا "ما هي الضغوط التطورية المسؤولة عن نشوء الموسيقى والمشاعر الموسيقية؟".

هناك العديد من النظريات التي أجابت على هذا السؤال:
1- نظرية الانتخاب الجنسي sexual selection لداروين (1871): الموسيقى والرقص تطورا لفوائدهما في اجتذاب القرناء الجنسيين.
2- نظرية اتصال الأم بالطفل mother-baby connection لديسيناياكي (2000): احتياج الطفل إلى الاتصال بأمه يمكن أن يؤدي إلى تفاعُل مبني على الموسيقى [1].
3- نظرية التماسك الاجتماعي لبراون (2000) [1]. 

لكن في دراسة مثيرة (2015) [2] يقدِّم  Tianyan Wangمن جامعة تسينغ-هوا الصينية فرضية أخرى لتفسير نشوء الموسيقى والرقص والكلام من منظور أحيائي اجتماعي. وفقًا لتأثير دوبلر (نسبة إلى الرياضي الفيزيائي النمساوي كريستيان دوبلر: هو تغيُّر التردد أو الطول الموجي بالنسبة لمُستمِعٍ يتحرك نحو مصدر الصوت أو بعيدا عنه) [3] يرى Tianyan Wang أن الموسيقى والرقص يشكلان نوعا واحدا من الحركات (الحركات الإيقاعية rhythmic movements). ثم يفترض أن نظام المكافأة والشعور المتعلِّقين بالحركات الإيقاعية RRRE)) الذي يدفعنا للبحث عن الموسيقى والأحداث الإيقاعية نشأ لتكييف المتعضِّيات -الكائنات- مع بيئاتهم الداخلية والخارجية. ويرى أن نظام RRRE يستدعي نوعا آخر من المكافآت والمشاعر المتعلقة بالمجتمع تُدعى (SRRE).

ما هي علاقة الموسيقى والرقص ببقائنا؟ 
كما عرفنا، الموسيقى والرقص ينشطان نظام (RRRE) الذي بدوره يؤدي إلى تنشيط وظائف بيولوجية مثل الانتخاب الجنسي، ووظائف اجتماعية مثل تقوية علاقة الأم والطفل، ويعزز التماسك الاجتماعي. وهنا تغدو هذه الوظائف التي اعتُقِد أنها هي الضغوط التطورية التي جعلتنا نبحث ونستمتع بالموسيقى، تغدو هذه الوظائف ضغوطا ثانوية للضغط الأولي البيولوجي الذي هو نظام RRRE المسؤول عن نشوء الموسيقى كتكيُّف مع الحركات والأحداث الإيقاعية الداخلية والخارجية.
الحركات الإيقاعية موجودة بكثرة في البيئات المختلفة (الماء، الهواء، الأشجار) وتنتج بسبب قوى الطبيعة (الرياح، المد والجزر) أو بفعل الحيوانات؛ لذا تكيَّفت الكائنات المائية aquatic والبرية arboreal مع هذه الإيقاعات لمعايشة البيئات المرنة التي تحيط بها. الحيتان المفترسة وأُسود البحر مثلا طوَّرت حركات سباحة مميزة للتوافق مع بيئة المحيطات المتقلِّبة. من هنا يكون إدراك وإنتاج الحركات الإيقاعية وأيضا التناغم مع الإيقاعات الخارجية والداخلية بالغ الأهمية لبقاء الكائن المتعضي وتكاثُره؛ لهذا السبب طورنا نظام المكافأة RRRE من أسلافنا المائيين والبريين.

سبب بيولوجي أولي؟
هذا يعني أن الموسيقى تطورت لمواجهة ضغوط تطورية مهمة لبقائنا. وفي الواقع، تذكر دراسة حديثة (Sescousse et al., 2013) أن المكافآت المتحصلة من الأحداث الإيقاعية هي مكافآت أولية، أي كتلك المتحصلة من الطعام والجنس. بل إن تناغم الكائن المتعضِّي مع الأحداث الإيقاعية يمكن أن يكون أكثر أهمية لبقائنا من الطعام والجنس!
إذن ببساطة، نحن نستمتع بالموسيقى ونتراقص معها لأننا نبحث عن إرضاء أنفسنا وإشباع مشاعرنا، ما نبحث عنه يوفِّره لنا نظام تطور منذ القِدم لدى أسلافنا السابحين ومتسلقي الأشجار؛ وهؤلاء الأسلاف أصلا طوَّروا هذا النظام (RRRE) ليتغلبوا على تقلبات البيئة الإيقاعية (المتكررة) مثل حركات المد والجزر وهبوب الرياح.

هذه الدراسة معقدة ومتعددة الأهداف، فهي تبحث عن أصول الموسيقى والرقص والكلام معا، ولكنها على كل حال تنوِّرنا بافتراضٍ جديد يمكن أن يكون هو الضغط التطوري الذي أدى إلى تطويرنا هذا الشغف بالموسيقى والحركات الإيقاعية المصاحبة لها.

شكرا عزيزتي الطبيعة، تسقط التُّهمة! 
الخلاصة هي أن الانتخاب الطبيعي لم يكن ثملا، بل عاقلا جدا وحكيما كما نعرفه، إذ جمع بين الضرورة البقائية (التواؤم مع البيئة المتقلبة) والفوائد التكاثرية (الانتخاب الجنسي وعلاقة الأم بالطفل) ولمَّ شمل المجتمع في النهاية.


المراجع: 
[1] ir.lib.uwo.ca/cgi/viewcontent.cgi?article=1069&context=lme
[2] www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4332322

01‏/06‏/2016

زهراء



تزيحُ خصلات شعرها عن وجهها. هكذا يبدأ الصباحُ غالبًا، وتشرق الشمسُ أكثر عندما تفتحُ عينيها. أول ما يواجهها هو السقفُ الذي أكلت الرطوبة جزءًا لا يستهان منه، وهي تحب أن تحدق فيه قبل أن تقوم بأي حركة. ترتّب أحقادها وتتساءل ماذا يوجد وراءه. إنها تدركُ جيّدًا أنه "ياسر". جارهم السكران الذي يضربُ زوجته كل يومٍ ويحبّ الموسيقى. لن يمضي وقتٌ طويلٌ حتّى يبدأ بإزعاجه -كما يقول والدها- على نقيض ما تعتقدُ طبعًا، فقد كانت ترى أن الموسيقى هي حسنتهُ الحاليةُ الوحيدة. الشاهد اليتيمُ الذي ظلّ على عبقريته القديمة، فقد كان ياسر محاسبًا ماهرًا جدًّا يقدر على حلّ المعادلات الرياضية بخفّة قطةِ تمرُّ من تحت سيارة. يدهشُ الجميع حين يبدأ بالكلام فقد كان مثقّفًا، ثريًّا بالنظريات العلمية، وله رأيه الخاص في بدايات العالم ومجيئنا -نحن المخلوقات المزعجة- إليه. في أحد الأيام -منذ سنة تقريبًا- عاد ياسر من الشركة التي كان يعمل بها وأغلق باب غرفته. ظلّ وحيدًا لأسبوع ثم بدأ بأن يكون سواه. حينها لطمت زوجته وجهها وقالت: "لم يعد ياسر من الشركة في ذلك اليوم المشؤوم"، ولا أحد يعرف ما الذي حدث بالضبط. كانت "زهراء" متأقلمة مع جنون العباقرة ولم يكن جارهم المحاسب الموسيقيّ السكّير أول نموذج تراه لحماقة الوطن. ظلت تحدّقُ في السقف لخمسة عشرة دقيقة ثم قررت النهوض. في الطريق إلى المغسلة التقت بأمها التي كانت تبتسمُ ببساطة. لمّا عبرت بقربها قالت: "صباح الخير"، فاستمرت والدتها بالابتسام دون أن تتكلم.


فوق المغسلة مرآةٌ غبّشها الوقت ولم يستعد زجاجها لمعانه التام رغم كل النظافة التي تحرص عليها زهراء. يتبيّن وجهها طريقه الشفاف. لها بشرةٌ قمحيّة و"عينان خام" كما كان يقول لها رؤوف منذ سنين. شعرها مكنسةٌ مصنوعة من أوراق الخريف الناضح بخرابه الجميل، وكان لها غمازة واضحة في ذقنها الصغير تعطيها مسحة من الابتسامة الإجبارية. وهكذا كانت تبتسمُ عند المرآة في تمام الساعة السابعة كل صباح، ثم تنصرفُ لأداء واجباتها العادية متلخّصة في الترتيب والتنظيف والطبخ والغسيل. كل البيت كان يقوم على كتفيها. من بابه إلى محرابه. وكان والدها رجلًا قاسيًا وبلا عاطفة. انتهت رسالته السامية حين أنجب ثلاثة أولاد ورماهم نحو الحياة، وبهذا شارك في الجيل الجديد ولا يستطيع أحد أن يغيّب اسمه من بين المنجزين الذين تناسلوا على نحو جيد. لم تكن زهراء تحمل له أي عاطفة في المقابل مع أنها كانت تتمنى لو أنها تشعر أن لها سندًا أو صديقًا يتذكرها بقطعة شوكولا أو يحدثها بشيء غير الطلبات اليومية المجهدة.

كانت تبحث عن الحرية. لكنها لم تكن تعرف أن تحدد لها ملامح واضحة فقد كانت مفكرة دقيقة جدّا وملعونة للدرجة التي أنبت لها تفكيرها كل العوائق الكبيرة والاختلاطات التي يواجهها العالم من حولها. ولم تستطع أن تفهم لم وفي مكان آخر هناك امرأة تشبهها تعيش حياة أفضل منذ أن ولدت؟ "من أنا؟" ضاعت زهراء في ضباب هذا السؤال طويلًا. وكانت تدرك أنها في رحلة مضنية لإيجاد وجودها وإثباته. "حسنًا" قالت بتركيز وبدأت تكتب:
"أنا زهراء قادر الحاج حسن. عمري ثلاثون عامًا. كان عندي تجربة حبٍّ فاشلة لكن هذا يعني أنني أحببت. أعمل في التدريس. أوه! لقد تفاعلتُ مع أشخاص رائعين وشهدت على نطقهم لأول جملة صحيحة باللغة الفرنسية، ولم أكف يومًا عن سؤالهم عن أحلامهم. إنني أتساءل هل أصبح عزيز رسّامًا الآن؟ وهل سافرت غادة خارج هذا البلد حتى تنال حريتها كما كانت تقول؟ وهل صار أسامة خبّازًا؟
إنني موهوبة أيضًا في تنسيق الطعام. هل طبق السلطة الذي أقدمه -على أقل تقدير- يكون عاديًّا؟ أقسم ببشرتي الشفافة أن أخي يلتهمه ويقول لي متلمّضًا: "زهراء، هذا سعادة". بإمكاني أن أرقص ببراعة على أغنيات فيروز الكئيبة التي تندر فيها الموسيقى الشقية، وعلى جملة أم كلثوم البليغة جدا التي تختصر تمردي حين تقول: "عايزنا نرجع زيّ زمان؟" يزمّ جسدي نفسه مستفزًّا الهواء والمخلوقات اللطيفة، ثم يقهقه بصوت مدوٍّ: "ئول للزمان إرجع يا زمان!". حتّى أن صديقتي قالت لي أن أنتقل لإنشاء مدرستي الخاصة بالرقص وأن أخلص الناس من حركاتهم البليدة.
لديّ الكثير من المظلات الملونة التي تموج حول وجهي وبإمكاني أن أغير طقس المدينة من خلال قميصي البحري كما يمكنني أن أقرأ بسرعة بالغة، وأصطبغ بلون الورق حتى لو كان الكترونيًّا. في الأسبوع الماضي تتبعت أثر قطة سوداء في العتمة، وتغلبتُ على خوفي فيما يخصّ دناءة عينيها ولغتها المفاجئة، فنظرتُ إليها مباشرة حين ماج ضوء سيارة عابرة ثم ضربتُ الأرض برجليّ حتى طردتها من البقعة التي أردتُ أن أقف عليها، كما ذهبت إلى المقهى الذي في نهاية الشارع مع صديقتي التي أعتبرها "تحويشة عمري" أليس عظيمًا أن يمتلك الإنسان منا صديقًا حقيقيًّا لهذه الدرجة؟ كان المقهى يبدو غائرًا في بشرة الحياة مثل ندبة. تتراوح أضواؤه بين درجتي الأبيض والبرتقالي، وتنبعث منه رائحة الشاي والفاكهه، ويسمع صياح رجال متحمسين لكرة تحف على العشب لكنها لا تكمل طريقها تجاه الهدف.
هل أكون الكرة؟ كان النادل الذي كان يحدق بي شابًّا طويلًا يرتدي قميصّا تفاحيًّا وبنطالًا كحليّا ويحيط معصمه بساعة ضخمة على نحو مبالغ فيه، وكمعظم الرجال الذي التقيت بهم هذا الأسبوع فقد كان يستحم بالعطر ولا بدّ أن أشير إلى أن العطر كان فاشلًا جدا وأنني قررت في لحظة حماس أدبي أن أكوره في روايتي القريبة التي سأجمع فيها كل الرجال التافهين وعلى رأسهم أبي وعمي بلال وبائع الخضرة، صاحب الدهون السمكية المتراكمة في عقله.
إنني إذن موجودة. أسمع أنفاسي وأمتلك هذه اللحظة التي أكتب فيها وأجد الوقت رغم أمومتي المفروضة علي حتى أشذب شعري وأضع الكحل وأقهر الحشرات التي تخرج من رأسي. إنني لا أقل أهمية عن أي فنان يصفّق له الآخرون. أنا كل الآخرين وإنني أصفق لنفسي، وأعينها كل يوم على القيام لأمنح هذا الوطن فتاة حلوة تساهم في إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن.
أنا زهراء التي أرعى عصفوريّ دوري وأحرص على إطعامهما كل صباح. أضع الياسمين في شعر أمي حتّى لا تشقى وأسلّم على كل الأصدقاء الذين يختلفون عني ولا أبيع معتقداتي لأحد ولا أسول استعارتها أيضًا، وأعطر قميص أخي قبل أن يلتقي بحبيبته. ألا تعرفون؟ إنني أمنحها الرائحة الأبدية التي تدفعها إلى سماع دقات قلبه فأخي لا يعرف كيف يقول لها ذلك. وهي تبتسمُ مطولا وهي تتنفس منه.
أجزم أنني لن أشيخ ولن أشك في وجودي مرة أخرى، ولن أسمح لجمالي أن يصير لعنة كما حدث لجارنا المسكين. إنني أمنحكم عبقريتي كيفما أشاء. ووحدي أقرر متى أرفع يدي لأريكم الغبار الكوني العالق تحت إبطي".

30‏/05‏/2016

لوردي




كان كلّ ما في "لوردي" بسيطًا باستثناء اسمها الذي اعتبرهُ أستاذ اللغة العربية شيئًا خارجًا عن مألوف شخصيّتها، ولا يليق بتلعثمها حين تلقي قصيدةً ولا برداءة خطّها وهي ترسمُ الياء في نهاية كلمة "علي". كانت قليلة الأصدقاء. تصاحبها "سلمى" المصابة بفرط الفلسفة، و "علياء" التي كان همّها الوحيد أن ترسم خطوطًا غير مفهومة وتسمّيها لوحات فنيّة، ثم تسخرُ من بيكاسو ودافنشي، وهي تمضغُ اللّبان بالنعناع وتصنعُ منه بالونًا كبيرًا جدًّا. كانت لوردي تتخيّلُ أن البالون يمكن ألا ينفجر بل يأخذ بالاتّساع فقط حتّى يصير وطنًا لها، تجلسُ داخلهُ وتمدّ رجليها، ثمّ تشاهدُ غباشةَ العالم الخارجي. لكنّ صوت انتهائه وارتطامه بشفاه علياء الغليظة كان يوقِفُ مجرى خيالها ويعيدها نحو الواقع، ويلفتُ انتباهها أن لها ظلّا على الأرض يميلُ معها ويعكسُ شكل جسدها المكتنز الذي لم تكتشف بعد، فقد قالت لها أمها أن الجسد هو الجزءُ القذرُ منّا، لكنّ الروح هي الأهم وعليها تغذيتها بالصمت الطويل، والتأمل، وعدم التدخل في مشاكل العالم وبالتالي عدم التفكير في حلّها وبالتالي انعدامٌ نسبيٌّ للوجود. كانت لوردي تنتفضُ عندما تتذكر هذه المواعظ التي استمرت والدتها بتكرارها على طاولة الفطور كلّ يوم. وكانت تتساءل في كهفها العميق عن إمكانية أن يكون هذا سخيفًا جدًّا وتافهًا، وأرادت بكلّ عمق أن يكون لها صديقً وفيٌّ -غير "دبّها الأحمر" الكبير الذي يغنّي ذات الأغنية منذ خمسة سنوات- تحكي له عن الرعب الذي يرافقها، وكيف أنها تخاف من نفسها لكنها تريد أن تقرأها رغم كل شيء، وتريد أن تدرك شجاعتها المخبّأة وتكون قادرة على مناقشة صديقتها في القضايا الفلسفية برأي يخصها وحدها، والخربشة أيضًا، إذ لطالما شعرت لوردي برغبتها في رسم امرأة عارية مزهوة بجسدها. وكانت تتساءل: "هل تستطيع امرأة متّسخة الروح أن تزهو بجسدها؟" كانت ترى أن التصالح مع الجسد يحتاج إلى قوة روحية عظمى، وهذا ما حاول الأستاذ حسين "الخرفان"-كما يسمّيه الطلاب- أن يقوله يوم الأربعاء الفائت.

تسكنُ لوردي في حيًّ متوسط الرفاهية، فيه "دكان" كبيرة جدا تتلخص فيها كلّ مفاهيم الحرب اللعينة من غلاء الأسعار وانعدام الشفقة والمعلبات التي تجبر على شرائها. في الحيّ بضع سيارات لامعة يغلبُ عليها اللون "الرماديّ الفاتح" الذي كان يساعدها على التأكد من شكلها جيئة وذهابًا من المدرسة. وقفت لوردي أمام سيّارة "العم محمود" الأكثر فخامة. كانت مكتنزة على نحوٍ مغرٍ، شعرها بنيٌّ قد طُبخ للتوّ فسالت منه رائحة الشوكولا المدهشة. ممسّدٌ نحو الخلف تشعّ منه شموسٌ ضغيرةٌ ومشاكسة. لها بشرة بيضاء لا تخلو من التورّد وما يميّزها هي "الشامةُ" التي تعلو فمها المخلوق بتأنٍ تامٍ وملفت.
"قشطة يا قشطة" قاطع شابٌّ تأملها، ومن دون أن تفكر قالت له: "تضرب بشكلك" وكأنها تعني: "أنا حلوة جدا، أحلى منكم جميعًا، أحلى من كل خرابكم اللعين".
ثم مررت يدها على السيارة وقالت: "أبو محمود بنئ دايمًا إنو ما معو مصاري. نخر راس أبي وهوّ بنئ. إي وحياة هالشجرة إنو سيارتو لحالها حقها بلاوي. لك أنا بئدر إشتري فيها كومة كتب وإعمل بالبائي طيارات ورق وساعتها أبو محمود بينجلط طبعًا".

تدخلُ لوردي المنزل. تخلع حذاءها وجوربها الذي يكون غالبًا مخططًا بعدة ألوان. تسلم على والدها المتسمر أمام الأخبار ثم تتبع رائحة الأكل. "محااااااشي؟" تصرخ لوردي ببهجة، وحين تمدّ يدها نحو الوعاء تتلقى ضربة خفيفة. تصعد مسرعة نحو غرفتها. تبدل ملابسها. تغسل وجهها ويديها ثم تنزل. على المنضدة الخشبية المستديرة تبدأ بالتهام طعامها المفضل. دائمًا تكون أول من ينتهي. تبدأ بعدها بفتح أحاديثها البسيطة وتستخدم يد والدها كملهمٍ أساسي. أحيانًا تخترعُ أحداثًا وهمية لتنال ضحكته، وحين تنجح تمعنُ في الاختراع أكثر حتّى يقهقه. تشعرُ عندها بالانتصار الصغير الذي يعطي لوجودها معنى مقدسًّا، ويجعلها جذابةً بما يكفي لتغطّي على أصوات القصف البعيدة، ويجعل قامتها أكثر ارتفاعًا من "الدولار" اللعين. هكذا تقضي لوردي أيامها. أحيانًا تحاول أن تقول شيئًا مهمًا للمرأة الصغيرة، أو أن تحصل على فرصة للغناء لكنها تعجز دومًا عن إيجاد الأغنية الملائمة لذلك كانت تكتفي بالاستماع لدبها الوفي، وتصفق له بحرارة.

اليوم هو الأول من أيار والشتاء قد حلّ من جديد.  البلاد تحتفل -رغم كل شيء- بعيد العمال. لوردي  تتذمر دومًا من الاحتفالات والعطل وتضع نفسها ندًّا إذ تقول: "لماذا لا يحتفل أحد بيوم للطالبات؟ لماذا لا تحصل البلاد على عطلة في يوم ميلادي؟". قررت خالتها أن تصطحبها ليقوموا بإحضار صديقة نازحة كانت قد تركت بيتها بسبب الأوضاع الصعبة. فرحت لوردي جدا وفكرت أن بإمكانها أن تحصل على نافذة متحركة، وأن تحظى بالهواء الكافي لتستجلب أحلامها وقدرتها الخارقة. في تمام الساعة التاسعة كانتا تقفان على باب "كراج الحافلات". اندهشت جدًّا بالناس الذين يعافرون الحياة رغم اليأس، ويختارون لأسباب متعددة أن يتوجهوا نحو متابعة مشاغلهم رغم الثقب الواضح في ظهورهم. تقول وهي تستند على كتف خالتها: "كثافة سكانية ملفتة، لم ترد في كتاب الجغرافيا" تضحكُ بصوت مرتفع، تستمرّ بالضحك حتّى..
بوووم
تفر العصافير القريبة ويهتزّ سرير فتاة في الطابق الخامس من هول الانفجار. يسيطر الضباب الكثيف والصراخ. وهناك قريبًا جدًّا تركض لوردي. إلى أين تأخذها قدماها؟ وما هو الطريق الذي يجب أن تسلكه؟ حاملة عبء وطنها على كتفها ورامية ثقل الدماء فوق كفّها الأيمن وقابضة على سمكة حيّة بيدها اليسرى. أما قلبها فهو لوحة مليئة بالألوان التي يعبث فيها الخوف ثم يفر منها صوت داخلي يقول: "أنت قوية. أنت جبل. أنت حلوة جدا والحلوات لا يمتن هكذا. ليس عن طريق الخطأ، ولا قبل أن يرسمن رجلًا أسمر يدخن سيجارته العاشرة ويلعب الغمّيضة مع ذاكرته".يستحيل الخوف إلى قطعة هشّة من القطن ويطير حتى يصير شيئًا مجهولًا لا يعرف عنه إلا اختفاؤه بين ضفائر الفتيات اللواتي كنّ يصرخن أيضًا. من يمنحنا الحياة؟ كانت خطواتها تتساءل وكلما لهثت أكثر تأكدت أنها الآن مسؤولة عن منح الحياة لنفسها ومن الخطأ أن تتوقف عن الركض. فالتوقف الآن يعني الموت، انهيار القمة التي عمرتها واستنبتت منها مطرًا وبحرًا وقاربًا. كان يعني التخلي عن شجرة الزيتون في حديقة بيتهم الأول وعن مذاق القبلة الأولى وعن الذراع الرطبة التي ستعلق عليها خيوط الفجر وبدايات العالم وتحارب بها الأسئلة الكثيرة والحزن الذي لا يهدأ. أخيرًا تنال لوردي ما تمنته دائما وهي الآن بعد أن جلست على رصيف آمن تشعر أن روحها هي مجموعة من الدبابيس التي ثقبت عقدة الجسد حتى طار وتهشم. وسوف تعرف لاحقًا أنها فقدت خالتها وصديقة كانت موجودة في نفس المكان.

24‏/05‏/2016

أنا وريتّا وتبًّا للبندقية





أنا راقصةٌ مبتدئةٌ وهذه الموسيقى تشرحُ كيف أخطو بارتباك. كيف أتعثّرُ بالفراغ، بوهمِ أن تكون هنا. ملاصقًا للعرق النابت على جبهتي. هذه الموسيقى تلخّصُ استعدادي للصراخ. كيفَ أنني زرّرتُ فستان "الجينز" المنقّط وكيف ارتديتُ الصّندلَ المقصّب، وكيف رفعتُ شعري كي لا تناله العصافير المتوحشة التي تخرجُ من حنجرتي وكي لا ينزل على وجهي ويمنعني من رؤية كل هذا الدمار الذي سأرقص فوقه وأدفنه تحت قدميّ دون صلاةٍ ودون رحمة. هذه الموسيقى تنقرُ على كلّ حقائبي المقفلة التي جهّزتها للسفر مرات عديدة ثم اكتشفتُ ألا أحد كان لاستقبالي وألا أحد كان مستعدًّا ليأخذني "بقلبه وأصابعه وكفّيه". تفتح الموسيقى الحقائب فتنزلُ أحلامي وتتمشى، وتفيضُ بعض الديدان أيضًا وتصطفّ على السرير.

أمدّ يدي ويمسك بها صوته إذ يقول: "بين ريتّا وعيوني بندقيّة". تكسرني هذه الشفافيّة المفرطة فأنحني وأصلّي لإله في العيون العسليّة لأنني أعرفُ ريتّا جيّدا وأعرف شجرة الزيتون التي نالت تحتها أول قبلةٍ، وأحمل صورة ذراعه الممشوقة المغطّاة بضفيرة قمحيّة.  أموجُ مثل بحرنا الصيفي حين يقول: "وأنا أذكرُ ريتَا مثلما يذكرُ عصفورٌ غديره"، ثمّ تصيرُ الأجنحةُ حطامًا. يغضبُ البحر أكثر. يصيرُ زبدهُ واضحًا مثل ازدحام الفانيليا فوق قطعة كعك.
هكذا إذًا؟ تتحركُ عيناي بسرعة. بخفة من يفكرُ بمخرجٍ وهو يرى الموجة الضخمة تقتربُ منه. برجاء العالق في منطقتين من الموت حاملًا بذرة الحياة الوحيدة وهو يتحمل مسؤولية استمرار نسل الأسماك والأشجار. هكذا إذًا؟ كلّ ما بيننا. "مليون عصفور وصورة؟"، كلّ "المواعيد الكثيرة"؟ تذهبُ دخانًا حين " تطلق نارًا عليها بندقية؟" وتنفجر موجةٌ على صخرة عنيدة. تتشظّى ويتطايرُ دمها الأبيض عاليًا. يصيرُ ذراتٍ خفيفة ومنعشة يتلقّفها وجهي بكل اشتياق ويحس بطعمها المالح.
المجد، كلّ المجد للدماء المالحة التي لا تنسى ولا يستطيعُ الطغاة ابتلاعها أو التحكم بخلودها. المجد، كل المجد لجسد ريتّا المرسوم باللهفة على كلّ الحدود الملغّمة. المعجون بكل هذه الأسلاك الشائكة دون أن يتجرّح. المجد، كل المجد "لعرس جسدها المقيم في دمه"، لهذا الضياع الذي اختصر الوصول "بسنتين". المجدُ للعهد المعتّق بالنبيذ الذي يحكي قصة الاحتراق بين شفتين أطبقتا على العالم بقبلة. القبلةُ تجعل من رقصي أكثر ألمًا. يفرّ من معصمي غرابٌ صغيرٌ ويقطرُ النحاس من رأسي مشكّلًا طريقًا أملسًا كنتُ قد هيأته لتتزحلق عليه وتضحك. هل تدرك ما معنى أن أشذّب أدغال عقلي المتعب لألتقيك فوق سطح هذه النعومة المعتّقة؟ إنك لا تعرف، ولا تدرك دورتي البطيئة على هذه الموسيقى التي تتبع العهد. ولا ترى بهجة بساطته وكم أن من الجميل أن "نولد مرتين".

"آآآه ريتّا" تصرخُ أصابعي في الهواء. تصيرُ حبالًا منتصبةً وقابلةً للكسر، ويتحرك رأسي جيئةً وذهابًا بفضول من يريد أن يرى ماذا يوجد خلف الضباب الكثيف. يصيرُ جسدي رهن التساؤلات العبثية ويتحول إلى علامة استفهام زرقاء مستنكرة: "سوى إغماءتين وغيوم عسليّة؟" حقا؟ آه ريتّا، هذا أصغر من أن يفرقنا. أصغر بكثير. لا يساوي في عمر شوقنا شيئًا، ولا يهم حتى عصفور الدوري الذي يقفز من يدي الغيمة إلى قلبكِ السماء.

يتحرر جسدي أخيرًا. تسترد أصابعي ليونتها. يفتح لون فستاني حتى يصير أزرقا شفافا. ألفّ مرتين وأقف على رؤوس حنيني. ثم أتركُ شعري. يلفّ معي مشدّدا: "كان يا مكان" فتردّ كل الأشياء من حوله: "ماذا كان؟". يضربُ خصلاته مثل الأطفال: "قمري هاجر في الصبح وحيدًا في الغيوم العسلية" وضحكُ وهو يدري أن "قمره" دائم الوجود في أصابع الشوكولا التي تركها على أوراق قصائده، وأن المدينة التي "تكنّس المغنين" لا تستطيع أن توقفهم عن النموّ في مكان آخر. العالم واسعٌ جدا، ألا ترى؟ وبإمكان ريتّا أن تحيا أينما تريد وهي اختارت أن تحيا فيك وتمسك بذراعك مجددا أمام البندقية. البندقيّة ليست "بينكما" إنها وهم يا عزيزي. ليس أكثر!

يلوي خصري عدة مرات ثم أبتسم. تصفّق لي الديدان الصغيرة وتتحول إلى قطار.

في لحظاتٍ عاطفيّةٍ متفرقة (3)






*صاح عزيز: "تعالي" ورفرف بيديه. من يومها وأنا أحبّ العصافير وعندما يموتُ عصفورٌ أحزن بشدّة لأنّ العالم يكون قد فقد حينها رجلًا حقيقيًّا.

*يستفيقُ العالمُ كلّ يومٍ على الكثير من المصائب. لقد تصالحتُ مع الانفجارات والسّيول والانهيارات الثلجيّة والجرائم الساديّة لكنني لم أعتد على غياب ابتسامتك بعد.

*تحيطُ بي غابةٌ بنيّةٌ داكنة. أنا القهوة والشوكولا والوحلُ الذي يخلّفهُ المطر. أنا التّمر الذي يغمّسهُ الأطفال بالحليب، وأنا الخشبُ المطليّ للتو ليصير كرسيّ قراءةٍ أو جسرًا جديدًا.أنا معطفٌ من الرّمل الذي يختار غروره ودفئه وأنا كستناءُ الشتاء المدللة التي تطيبُ كلّما احترقت. أنا البنيّ عندما يختلطُ بجوع الألوان فيصيرُ عالمًا وبدايات.

*بنيتَ لي بيتًا صغيرًا بنوافذ حمراء، واعتنيتَ بأصُص الورد والممر الخلفي، ووضعتَ في الصالة لوحةً لعريشة عنبٍ في أسفلها جرة نحاسيّة، ثمّ قلتَ لي: "أكسرُ رجلكِ إن دخلتٍ. آه كم أحبّك حين لا تأتين".

*كلّ "المثقّفين" الذين أعرفهم يحبّون "Frida" الفريدة، و "Van Gogh" الأب الروحي للسماءِ المتاهة، ويمجدون "محمود درويش" ويلعنون "نزار قباني"، ويستخدمون أسماء أنهار غريبة ومدن نائية. ويصورون عقربًا راقصًا بهاتف الجوال، ويضيفون رغبتهم العميقة في إنجاز فيلم قصير، ونيل قسط كافٍ للرسم وتحليل الأفلام وتعلّم اللغة اليابانية. أما أنا فأحبّ فقط طائر "الفلامنجو" وأرى أن فساتيني لوحات عظيمة جدًّا وملهمة.

* منذ أن عرفتُ أن هناك انفجارًا عظيمًا وأنا أعاتبُ السماء. طال عتبي جدًّا حتّى صرتُ نجمة.

*ليس عاديًّا أبدًا أن ينشأ الإنسانُ في بيتٍ فيه شجرة غاردينيا وياسمين وأصيص فلٍّ مزدحمٍ، وعريشةُ عنبٍ وزهر فتنةٍ وبعض الأعشاب التي تداوي الخوف والكثير من التراب المتعطّش للمزيد. ليس عاديًّا أبدًا. إنّ في هذا لعنةً وجمالًا يؤذي صاحبهُ أولًا، فالعالمُ خارج هذه الحديقة مزروع بالشوك. وسيكون شاقًّا جدًّا على زهرة غاردينيا حسّاسة أن تنمو في أي مكان.

*لن نتقاسم الكعكَ مرةً أخرى، ولن نتعارك بالموسيقى. لن يكون لنا مقهى مشتركًا وأصدقاء مشتركين، ولن أحكي لك كيفَ حرقتُ أصابعي وأنا أقلي السمك أو كيفَ تزحلقتُ في الممر وأنا أنظف الأرض بالماء والصابون، ولن أطلعك على فكرتي الجهنمية بتغيير العالم عن طريق الألوان والفساتين. لن ألوي ذراع حنيني أو أضحي بزهرة من المخمل من أجل انتظاركَ مرة أخرى.

*وجهكَ مثل الجراد. طويلٌ جدًّا وكثيف، ويؤمن بفاعليّة الغزوات الجماعية. لكنّ له مبيدًا ناجعًا وهو الرقص. كلما رقصتُ أكثر، كلما التهمك الحريق وأنهاك. إنني أدفنكَ بكلّ ما أوتيتُ من ميلان، وأواريك في حنايا خصري ثمّ أشدّ ما تبقّى منك بذراعيّ وأجعلك تغرق في الجزء الأيمن من رقبتي. تغرقُ تمامًا.

*أيّار المسكين الذي يأتي كلّ سنةٍ بمصيبة. يلصقون به اسم الغراب ثم يضيفونه إلى قائمة الأشياء التي تجلبُ النّحس. لا عليك يا أيار! سأحبك أنا، فإنني أفهم ما معنى أن يعيّركَ الآخرون لأنك فقدتَ ابتسامتكَ إثر حادث أليم.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.