05‏/10‏/2016

المبتسمون على حبال الموت



في ذلك اليوم المشهود اجتمع كل الناس ليمتعوا أنفسهم بمشاهد الموت. خرج الرجال والنساء والأطفال متجردين من همومهم ومخاوفهم، غير مبالين بمظاهرهم، حفاة، فارغي البطون، يحدوهم إلى ساحة الموت شعورٌ دفينٌ بالتجدُّد والخلود وحاجة إلى خوفٍ حقيقي ينسيهم أوهامهم. 

انتصب قاضي القرية بثبات ووزَّع وجهه بين الحشود وقال: يا أيها الناس، إن هؤلاء الثلاثة مجرمون بموجب دستورنا العادل والحكيم. فالأول يتبع دينا غير دين آبائنا وأجدادنا، والثاني لا يتبع دينا ولا يؤمن بإله، والثالث ما عرفنا له حقيقة، فلا هو بالمتدين ولا هو بالكافر. فوجب التخلُّص من أفكارهم الفاسدة وأرواحهم الملوَّثة. وكما تعارف الناس الذين هم منا ونحن منهم سيُشنقون بعد إتمام الطقوس المحترمة التي لا نفرط فيها.
وكانت عادة أهل هذه القرية أن يستمعوا إلى الكلمات الأخيرة التي يقولها المحكوم عليهم بالموت ثم يودعوهم قائلين بصوت واحد: الوداع واللعنة.. الوداع واللعنة. كنوع من الانتقام مع حفظ الجميل. 


بدأ القاضي بالمجرم الأول، فأشار إليه بأن يبدأ خطبته ويوجز، فقال مبتسما: ما عساكم آخذين مني؟ جسدي المتعب الفاني؟ خذوه هنيئا لكم، فإن روحي صاعدة إلى الحقيقة التي اخترت أن أعبدها، ولو كانت مختلفة كل الاختلاف عن الحقيقة التي ورثتموها. عودوا إلى دياركم أيها الرجال، وعدن إلى دياركن أيتها النساء، فإنني عائدٌ إلى ربي. 

وسُحِب الكرسي من تحت رجليه المرتعشتين، فهلل الجميع: الوداع واللعنة.. الوداع واللعنة. 

ثم أشار القاضي إلى المجرم الثاني، فقال مبتسما: ما بال أقوام يقتلون العقول التي تفكِّر عنهم؟ سحقا للجهل الذي أنتم فيه! لو تركتموني في مختبري وتجاربي وأبحاثي لما آذيت ذبابة ترفرف حول أجسادكم النتنة. 

وسُحِب الكرسي من تحت رجليه المرتعشتين، فهلل الجميع: الوداع واللعنة.. الوداع واللعنة. 

ثم أشار القاضي إلى المجرم الثالث، فقال مبتسما: إنني أنا الفنان، وهذه جريمتي. ما هو الموت الذي جئتم للتلذذ بصوته ورائحته؟ إنه لا شيء. هل تتصورون أن حبلكم هذا الذي يلتف حول رقبتي سيُلغيني؟ كلا. أنا آسفٌ عليكم، وآسف على صديقيَّ اللذين بردت أنفاسهما منذ لحظات، فكلكم لم تفهموا الموت كما فهمته. إن الحياة امتداد أيها الحمقى.. إنها امتداد واستمرارية. إنكم جميعا في مرحلة الوجود المادي، تأكلون وتنامون وتتكاثرون وتلعنون الموتى، فأين ستكونون بعد عام أو عامين أيها الشيوخ القذرون؟ وأين ستكُنَّ بعد عام أو عامين أيتها العجائز القذرات؟ وأين ستكونون بعد ستين أو سبعين سنة أيها الأطفال المساكين؟ في اللاشيء، ينتظركم دود المقابر وظلامها، تنتظركم لعنات الناس من بعدكم.
أما أنا، حتى لو كنت سبب جدلكم وأرقكم وآلام رؤوسكم، فإنني خالد فوقكم، معكم وبعدكم، في عقول شبابكم المتمردين وفي عقول أبناء شبابكم. إنني لا أخاف الموت الذي تخافون، فما هو إلا نهاية سيئة لقصة الرعب التي حُكيَت لكم. فأخبروني إن شئتم كيف يشعر الميت بموته؟ وكيف يتحسس آثار الطعنات على جسده؟ وكيف يبحث عن أطرافه المشوهة أو المسروقة؟ وكيف يسمع اللعنات والصلوات؟
ما الموت إلا نوم طويل، أخرج فيه كالحلم وأزعجكم بأفكاري، أكون حلم فتياتكم وقدوة صبيانكم، وأكون فيه صوت الناي في أغصان حقولكم، ووقع الرقص في ساحات أعراسكم، أخرجُ، أعيدُ تشكيل ذاتي، أتجدد، أنمو، أكبر كأسطورة، أستمر، أخلُد. فعودوا إلى دياركم إني معكم وبعدكم. 

وسُحِب الكرسي من تحت رجليه المرتعشتين، فنظر الناس إلى بعضهم، ثم هللوا: اللعنة، اللعنة، اللعنة. 


01‏/10‏/2016

دعوة لإعادة النظر إلى الحياة



الحياة بكل بساطة
البقاء، التكاثر. هاتان الكلمتان هما الأهم في قاموس الحياة. البقاء هو الاستمرارية التي ينجزها التكاثر. يحدث كل شيء في الطبيعة. بلا سبب وبلا غاية. لا معنى للحياة الشخصية. ومن ثم لا معنى للمتعة، اللذة، الحرية، الاستقلال... فكل هذه مجرد منتجات ثانوية للنمو الاستثنائي لقدراتنا المعرفية. الحبُّ هو وسيلةُ التكاثر لتحقيق البقاء. والبقاء ليس قوة أو إنجازا نُريدُه أو نحققه، بل هو، بكل بساطة، الذريَّة. لكن الذرية في ذاتها ليست غاية. فلا أحد يفهم لم عليهِ أن يحصل على أطفال. حتى صفاتنا التي تنتقل إلى الأجيال الأخرى لن تبقى صفاتنا. الصفة لا تدرك ذاتها.

الحياة بكل تعقيد
الحياة مفهوم شديد التعقيد. نستطيع أن نؤلف ونرسم ونغني ونهذي آلاف السنين في فلسفات الحياة. لكنها تبقى محصورة في شكلها الأكثر بدائية: أزواج وأطفال. كان البشر في القديم البعيد يمارسون حياتهم بفارقٍ بسيط عن الحيوانات الأخرى: الوعي. تكاثرت الأجيال مدفوعةً بسيكولوجيا الحب والخوف، ثم تضخَّم الوعي فجأة! فجأة بلا هدفٍ واضح. وبينما بقيت الكائنات الأخرى ترتع وتعاني في أبسط أشكال الحياة، صرنا نحن البشر أكثر تعقيدا بشكل غير معقول. أدمغتنا كبرت واستهلكت نسبة كبيرة من طاقتنا الحيوية، واتَّجهنا نحو نوع آخر من الحياة: الحضارة.
لقد كان لدينا، بلا شك، الاستعداد للتطور بسرعة نسبية واختراق الطبيعة. أدركنا رعشة الحب وجرَّدناه من طبيعته النفعية، فابتكرنا العشق والهُيام وسهر الليالي. وجرَّدنا الخوف من طبيعته الوقائية، وابتكرنا الشجاعة والحرية وكوَّنَّا التحالفات وهاجمنا الأعداء وأطلنا الحروب ودمَّرنا البيئة.

الخلود.. الانقراض
لا تعرف الحيتان معنى الحب، لكنها تملك الهرمونات التي تؤدي وظيفة التكاثر. لم تنقرض الحيتان. أما نحن البشر فهوينا في دوَّامة غامضة اسمها الوعي، وتهنا تيها حقيقيا قد آن الأوان لإعادة النظرإليه. إننا نبتعد يوما بعد يوم عن البساطة متجهين إلى التعقيد. نتوقف عن التفكير في العائلة والمجتمع ونفكر في أنفسنا وفي أشياء أخرى أقل أهمية. بل في أشياء غير ممكنة كالخلود أو عبور بوابات الزمن (غير ممكنة على الأقل في الوقت الحالي). فهل هذا هو الوقت الأنسب للاعتراف بقلة أهمية الوجود الذاتي؟ وإعادة الأولوية إلى الوجود الجمعي الكائن في الذرية والمجتمع؟

الأفكار بدلا من الأطفال؟
لا فائدة حيوية من الغرق في التفكير، وعشر سنوات لتأليف رواية أقل بكثير من عشر دقائق للمعاشرة. الأمران سيَّان في العبثية والغموض. لكن هناك مقدِّمات نفسية وجسدية للثاني أكثر من الأول. أي نحن ندرك ونشعر بالفائدة المباشرة من المعاشرة: اللذة، الفائدة طويلة المدى: الذرية. لكن من ذا الذي يعلم ما هي فائدة كتابة رواية في عشر سنوات؟ ربما تكون الأفكار شكلا آخر للذرية؟!

أمراضٌ حضارية، انتحارٌ حضاري
نظرةٌ سريعة إلى قائمة الأمراض العشرة الأولى المسببة للوفاة عالميا تكفي لإقناعنا بإعادة النظر إلى معنى الحياة الذي أنتجته الحضارة. أمراض القلب والأوعية الدموية، أمراض الجهاز التنفسي، السُّكري... الانتحار.
إنهاءُ الحياة هو نتيجة منطقية لعدم القدرة على فهمها أو موازنتها. في 2013، ذكر 8.3 مليون شخص بالغ حول العالم أنهم فكَّروا في الانتحار السنة الماضية (2012). من هؤلاء، مليون شخص حاولوا الانتحار فعلا، وبين كل 25 محاولة انتحار تنجح واحدة! لم الانتحار؟ مع أن الانتحار يتعارض مع المعنى الجوهري للحياة وهو البقاء الشخصي بما يكفي للوصول إلى سن التكاثر وإنجاب الذرية ورعايتها حتى تصل إلى سن التكاثر، ينتحر الناس عندما يعجزون عن مواصلة الحياة، أي عندما تكون الحياة عبئا في ظلال الاكتئاب والإديولوجيا والفقر. ولن أتكلم عن القتل والحروب هنا.
ما أقصده هو أننا نملك من الوعي ما يتعدَّى متطلبات الحياة بمراحل. هذا الوعي الحديثُ نسبيا لم يتحصّل بعدُ على الركائز السيكولوجية والفسيولوجية الكافية. نحن نثرثر هنا وهناك ونبتعد أكثر وأكثر عن جوهر الحياة. لدينا في أدمغتنا مراكز للمكافأة. تنشط هذه المراكز عندما نتمكن من إيجاد شريكٍ مناسب أو عندما نحصل على مولود لطيف. وتنشط أيضا عندما ننهي ورقة علمية في فيزياء الكم. لكن شعورنا بالراحة في المقابل لا يعني أننا نسيرُ في الاتجاه الصحيح من الطبيعة، فالحصول على مولود أهم بكثير من معرفة أشكال الكوارك!

لم أقصد التنظير ضد العلوم والمعارف في هذا المقال. كل ما قصدته هو الدعوة إلى نظرة تحليلية شاملة للحياة ككل. فقد يكون ثقل الوعي هو سبب انعدام توازننا. وقد نستطيع إذا ما عدنا إلى أساسيات الحياة أن نقلل نسب الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية التي تغلغلت فينا بعدما تركنا الطبيعة إلى الصناعة.


22‏/08‏/2016

يوميّات آنسة حلوة


توت رغد الشهي

* امتلك "سراج" أخيرًا جرأة الإفصاح عن اسمها. صار يضع صورًا خليعة أيضًا ويرسل لها عبر "حالته الشخصيّة" ألفاظًا جنسيّةً واضحة. سراج يبلغ من العمر 15 عامًا لكنه رجل في نهاية الأمر، أليس كذلك؟ وقد قالت أمي ذات مرة وهي تحدق في أختي: "قدّمي للرجل ما هو أكثر متعة من الجنس".

* قال لي عزيز: "آنسة، شلت كل الحب وحطّيتو عندك" ثم قدّم لي رسالة مليئة بالقلوب. أليس هذا أثرًا ممتازًا يمكن أن تتركه آنسة في قلب طفل رقيق مثل عزيز؟

* يقول لي خالد "آنسة سعاد". خالد طفل عنيد وساديّ ولديه شخصية قوية جدا. ذكيّ ومناور، لكنه أُعجبَ حقًّا بفكرة اللوح السحريّ الذي ابتكرناه معاً حيث أفصحت لي أخته إيمان عبر "الواتس" عن تعلّقه بهذه الفكرة وكيف أنه استيقظ عصرًا وهو مصرّ على الذهاب عند "الآنسة نور" لرسم بطة صغيرة على اللوح السحري. الأمر الذي أعانه في المرة السابقة على التصالح مع اللون الأصفر  بعد أن كان يواجه صعوبة في تذكره. لم يختر خالد موزة ولا شمسًا ولا ضفيرة شريكته في الدّرس. اختار بطّة كتلك التي تضعها له أمه في حوض الاستحمام. شكرًا يا خالد لأنك تحبّني وتعرف اسمي.

* تنتظر سلمى مفاضلة القبول الجامعي وبينما تنتظر ترسمُ لوحات مدهشة حقا وتقوم بالتقاط بعض الصور المميزة. تحلم بأن تصير مهندسة معمارية، وتربّي أظافرها لتمسك سيجارة وتدخّن "جكرًا" بصديقها السخيف الذي يقول لها "هذا معيب". سوف تكتشف أن هذه المجاكرة غير مهمة مع مرور الوقت، ولن تصير سلمى مهندسة حسب توقعاتي وهذا يحزنني جدا، لكنها ستظلّ فنانة إلى الأبد.

* يفكّر أسامة في السّفر إلى ألمانيا بعد عدم تمكّنه من نيل شهادته الإعدادية، ويقول لرغدا: "بحبك يا مجنونة كيف ما كنت تكوني" ثم يقول لي: "أنا صغير جدا وهي تطالبني بخاتم أبو ألماسة. هل تعرفين كم يبلغ سعره؟" لا أظن أن أسامة يودّ أن يبتاع شيئًا بقدر رغبته في ابتياع درّاجة نارية جبليّة وابتكار فريق لقيادة هذا النوع من الدراجات في الشوارع. وعلى رغدا أن تفهم هذا جيّدا.

* رغد، الطالبة التي تحضر لي التوت في موسمه كتبت لي رسالة سيّئة جدا من الناحية اللغوية لكنها أوصلت لي كمية هائلة من المشاعر التي جعلت يومي أفضل. أنا زهرة في الحقل؟ أوه! شكرًا يا رغد. شكرا جزيلًا.

* تأقلم مصعب مع رحيل من يحبّ نحو حضن آخر أكثر ثراء. ولأنه ضعيف بما يكفي "استعمل" فتاة أخرى لإتمام المهمة ورسب في كلّ مقررات الجامعة.



على الهامش: قابلة للتجديد؟



النميمة تطوُّريًّا: حيث لا توجد نميمة لا يوجد مجتمع!


ملخَّص: يرى عالم الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوري روبن دونبار (Robin Dunbar) في دراسة نُشرت عام 2004 بعنوان “النميمة  من منظور تطوُّري” أن النميمة gossip (بالمعنى الأوسع للكلمة وهو، حسب قاموس أوكسفورد، تبادل الأحاديث حول الأشخاص الآخرين.) كانت حاسمة لقدرتنا كبشر على تطوير جماعات اجتماعية كبيرة، ويعود السبب إلى أننا نستعمل اللغة غالبا لتبادل المعلومات الاجتماعية، خصوصًا للمحافظة على التواصل مع الأفراد الآخرين وللإعلان عن ميزاتنا ومساوئ أعدائنا. للنميمة أيضا، كجزء من اللغة المتبادلة يوميا، وظائف أخرى كتتبُّع المتطفِّلين (مشكلة الرُّكَّاب بالمجَّان) وخداع الآخرين. يُنهي دونبار الدراسة باستعراض الأسس المعرفية التي نحتاجها لممارسة النميمة، ومن أهمها نظرية العقل.

رابط المقال كاملا: 
real-sciences.com/?p=8387

15‏/08‏/2016

إلى كنزى



عزيزتي كِنْزَى،

عدتُ قبل ساعتين من رياضتي المسائية. نزعتُ ملابسي وتلذّذتُ بحمام ساخن ثم حلقتُ ذقني الخشنة وخدشتُ طرف فمي. صار عندي الآن جهنّم صغيرة تنتظر جنّة قبلتك. أكلتُ بعدها بيضًا مسلوقًا باردًا وشربتُ ما تبقّى من كوب القهوة الصباحي. وها أنا أدخّن سيجارتي وأنفثُ أنفاسها/ أنفاسي على عصفوري الملون معتقدًا أنني أقدم له معروفًا ينسيه موت شريكته بالأمس. أتساءل: هل للعصافير ذاكرة يا كنزى؟ ثم أشعر بدناءتي المتمثلة في قفص نحاسيّ أنيق. أعدك أنني سأطلق سراحه غدًا حتّى يقابل مصير طيرانه ويموت راضيًا عن وجوده.

أفتح النافذة التي تدلّيت منها ذات مرة بعد أن رأيتٍني أقبل إحداهنّ في زقاق خلفي. كان أمرًا لطيفًا جدا أن تنتحري من أجل رجل أحمق مثلي لكنني ما طقتُ عقدة الذنب المتمثّلة في دفع أنثى رقيقة إلى الموت بهذه الطريقة السخيفة لذلك أمسكت خصرك بإحكام ودفعتُ بك نحو الداخل. حين وقعتِ على الأرض انفرشَ شعركِ وبدا وجهكِ مُحمرًّا وغاضبًا وتعيسًا. قلت لي أنك تكرهين شفتيّ، وعقلي المتخلف وساديّتي. ثم أخفيت ملامحك ورحت تنتحبين على نحو لا يصدّق حتّى خفتُ على أتفاسك وكدتُ أجزم أنك تنتحرين بطريقة أخرى. وما إن وضعتُ ذراعيّ حولك لأخلّصك حتّى انهالت عليّ يداك الواهيتان بالضرب. كنت تدقين صدري دون أن تعرفي أن أبوابه مشرّعة لك، وتصرخين في وجهي دون أن تدركي تمزّقي أيضًا. هدأت بعد ساعة وخرجت راكضة من الباب تاركة خلفك بللًا على قميصي، في روحي، في ازدرائي لذاتي، في مرارة القبلة اللعنة. تاركة هذه النافذة المفتوحة المُوحِشة.

التقينا بعد أسبوع ورقصنا على أغنية صاخبة. أذكر أنك كنت حلوة بطريقة لا تطاق بحيث شربت معي القهوة بعد انتهاء السهرة وقلت لي: "يا صديقي"

أحتاج إليك يا كنزى بشكل يتنافى مع حريتي، وأبتغيك بإمكانياتي التي تكاد تكون معدومة، فقد تركتك تتسربين مثلما ينسلّ ضوء من تحت بابي كلّ مساء ويمشي في الممر تجاه غرفة أخرى. لم أفعل شيئا لأحافظ عليك. وها أنا الطفل المهم الذي يصفق له الجميع يفتقد ذراعك المليء بالزغب الأشقر ويرتجي كوبًا آخر من القهوة حتى يُصلح ما كان. وهاهي "نجاة" تذكرني بك وهي تكرر "بسيطة جدا". أقلبُ على وجهي من الضحك وأسترجعك وأنت تزكّين أسنانك وتصرين موافقة على ما تقوله. بينما تشبهين في الحقيقة فستانًا مرصوصًا بالأحجار الملونة. يرهق أكتاف فتاة صغيرة.

12‏/08‏/2016

إلى مارلين







عزيزتي مارلين،

شتمتُ مدير العمل أخيرًا. قلتُ له أنه استغلاليٌّ بكرشٍ مليءٍ بالقذارة، ثمّ هجتُ ومجتُ أمامه مثل ثور بري وانهالت يداي على مكتبه الفخم قائلًا بمنتهى التوحّش: "أنا مستقيل". كان عليك أن ترَيْ وجهه. أشبه بسمكةٍ نافقة. فتحتُ الباب وخرجت رجلًا حرًّا بلا عمل. جبتُ شوارع المدينة وزرتُ المتحف الفنيّ حيث وجدتُ لوحات مدهشة حقًّا وأحببتُ أن أتحسّس قميصك المزهّر أمام إحداها. اشتريتُ بعد ذلك كعكًا وكوبًا من القهوة الداكنة. جلستُ على مقعد خشبي جانب امرأة لا يبدو أنها انتبهت لي أصلا. في الثلاثين كما أعتقد. من النساء اللواتي يعتّقهن العمر ويكسبهنّ اكتنازًا مغريًا. لها شعرٌ أشبه بالذرة قبل أن تخلع ثيابها وتُسلَق. تنغمسُ في قراءة كتاب باللغة الإنجليزية أعتقد أنه "موتُ بائعٍ متجول" الذي يحكي عن تكاليف الحياة الباهظة والعبودية المادية الفظيعة. تذكرين؟ حين أتممتِ قراءته قبل فترة قلت لي إنه جلب لك الاكتئاب لدرجة أنك وددتِ أن تعيدي كلّ الأشياء التي حصلت عليها بالتقسيط وتنتحري. أوه يا مارلي! مرت صورتك في بالي وأنا أحدّق في الصفحة المفتوحة حتّى وثب قلبي تجاه عينيك اللوزيتين وتقتُ إلى تمزيق وجهك قُبلًا محمومة مختلطة بالقهوة ودبق السكر. تعرفين، قُبلًا متسخة مشردة من طفل لا يملك أن ينظّف شفاهه أبدًا. لكنّ المرأة اللعينة قلبت الصفحة أخيرًا ولا أقول أن هذا قد أخفى صورتك لكنه جعلك تختبئين من أفكاري الشيطانية.

قلتُ في نفسي وأنا أنظر نحو أشجار الحديقة المرتّبة على نحو مقلق أنني سأستقلّ أول قطار وأذهب لألقاك. تذكرتُ أنك مسافرة الآن وربّما تشربين الشاي المثلّج مع أحد الزبائن في مقهى منمّق وتمسحين فمك بمنديل أبيض، وتتفقّدين فستانك بين اللحظة والأخرى. إنك لا تكفّين عن ممارسة الحركات الطفولية الحمقاء التي تعجب كل الرجال. لا تكلّفك الحركات شيئًا ولا تتطلب منك تعمّدًا وهذا ما يجعلها مثيرة بشدة. وإنني الآن، ولأسباب غير مفهومة أشعر بالغيرة المطلقة وأودّ أن أضربك بشدّة حتّى تبكين، ثم أغازل عينيك المائجتين بالملوحة وأضربك مجددا. وأخرج لأسكر وحيدًا وأنا أستمع إلى أغنيات كئيبة. وحين أعود أفضل أن أتكور في جسدك البحري مثل دلفين ذكي جدا وأن أتواصل معك بالغناء فقط. فوحدك تعرفين أنني نزق وأحمق ومريض.
خبّئيني يا مارلين من بؤسي. امسحي على رأسي مرتين وقبّلي بطني الفارغ ثم أطلعيني على أكثر أحلامك سخافة واضربي على قلبي حتّى ينفجر. تعالي نغتسلْ بدمائي ونضيع. سيصيرُ بياضك كرزًا ولن أجوع مرة أخرى بعد أن آكلك.

ألا ترين كيف تموج أوراق الشجرة؟ إنها تبعث بي رغبة عميقة في التأمل والرسم وتضعني على حافة العالم. فأنا حر بشكل لا يُطاق.

سأعود إلى المنزل بينما تستمر المرأة في انغماسها الواعي وتستمرين أنت بالتنقل أمامي مثل فراشة شقيّة. سآخذ حماما معتدلًا وأتلحّف بمنشفتي الصفراء التي أهديتيني إياها في عيد ميلادي الماضي دون أن تشاركيني دفئها.

03‏/08‏/2016

مطر





مطرٌ مطر.
الموسيقى الهشّة تسكن أذني وصرير السّرير الحديديّ يصيرُ أكثر وضوحًا والرواية اللعينة التي بدأتُ بها لا تنتهي. هنا، الفستان المليء برائحة النبيذ يستوطن فراغ الأرض ويعوي. كانت له أنثاه قبل قليل، لكنه الآن وحيدٌ ومظلم.
مطرٌ مطر.
وأروقة المعبد الذي صلّينا فيه صلاتنا الأولى قد هُدمت. هل تشعر بالحزن مثلي لأن ليس هناك ظلًا كبيرًا نرمي عليه أصابعنا المتعبَة؟ وهل يؤذيكَ كما يؤذيني ظهور الحقيقة بهذا الشّكل المُفجِع، وانتهاء كوب العصير، وخراب موسم الزيتون وموت جارتنا إثر سكتة قلبيّة وقد كان بإمكانها أن تموت إثر انفجار عظيم لو أنها رافقتني هذا الصباح؟
مطرٌ مطر.
يولّي الرقص وجهه نحو الطرف الآخر وينام مثلَ أي رجلٍ بليد لا يقدّر توهّج الشعر ونعومة القطن واستحالة الفحم إلى جمرٍ برتقاليّ عجيب. يصيرُ الليل مسرحًا هزليًّا وينتظر الجميع وصول القطار. يبنيه بعض الجالسين من الحجر الذي تساقط على رؤوسهم عقبَ آخر غارة جويّة وينتظرون كالحمقى أن يتحرّك فعلًا. بينما يصدّق الآخرون قصّة فيروز عن "المحطّة" ويرفضون أن يصدّقوا أنّ المحطّة لا تعدو كونها "حقل بطاطا" وأنّ بإمكانهم إذا استثمروها أن يشتروا بثمنها قطارًا حقيقيًّا ويعبروا. أنا؟ أحرّك المكعّبات الملونة وأصنع منها صندوقًا مثقوبًا من كلّ الجوانب لأنني لا أطيقُ منزلًا من دون نوافذ ولا أستطيعُ تقبّل السّجن الذي يشيّده لي الآخرون.
مطرٌ مطر.
يا أيها المرميّ مثل سجادة في سوق الأشياء المستعلمة من يشتريك؟ إنك رغم كلّ شيء تبدو أقلّ من طموحاتهم وعليك في كلّ الأحوال ومن أجل نفسك أولا أن تفتت هذا النسيج الغبيّ الذي أنت عليه وتصنع من خيوطك الملونة شيئًا آخر أكثر خفّة. طائرة ورق مثلا. فقد كان خطأ يا عزيزي أن نربط الأشياء الضخمة بالأهمية دوما.
مطرٌ مطر.
وقد اختبأت العصافير في شعري. بنيتُ خيمة فسيحة على كتفي ولجأت إليها. أنا المشرّدة على حدود نفسي. الراغبة في السّفر إليك أبدًا.

02‏/08‏/2016

عندما يصير لون شعرنا أبيض



إلى هداية،

أكتب إليكِ هذه الرسالة وأنشرها. أعلم أنني بنشرها قد أزعجك، فقد ترين أن حميمية الرسالة ستضيع في عوالم أخرى غير عالمنا. لكنني أنشرها لأنني أكسبها قيمة أكبر من لذة الحميمية.
قلتُ اليوم لأمي: "إنني لو عشتُ عمري كله في غرفة مظلمة لما احتجتُ إلى غير الماء والطعام لئلا أموت". فجأة قلتُ عبارتي الغريبة التي آذت مشاعرها. شعرتُ بالارتياح عندما انتهيت، وكأنني فرغت من قراءة ذاتي كاملة. لكنني احتجتُ إلى تعقيب، فقلت: "أنا ممتلئ، أنا أملأ نفسي بنفسي". فبدت على وجهها علامات الارتياح الممتزج بالارتياب.
تذكَّرتُ حديثنا منذ أيام. عمَّ كنا نتحدث يا حبيبتي؟ نعم، عن اللقاء. كنتِ تتمنين أن نلتقي قريبا. أدركت أنني المسؤول عن كل تلك الحواجز التي اعترضت يديك في طريقهما إليَّ. كنت مغرورا عندما تصوَّرتُ أنك آتية، وأنني وِجهتك. لم أضع أمنيتي إلى جانب أمنيتك فرحتُ أتفنن في المواساة قائلا: "سنلتقي قبل أن نموت، إذا عشتِ إلى السبعين فسوف نلتقي، سنلتقي حتى بعد مئات الأعوام". ضحكتِ حينها وأكَّدتِ لي صحة كلامي.
تحدثنا عن الحرب، ضغطنا كتب التاريخ كلها في دقيقتين وتوصلنا إلى أن ما تبقى من أعمارنا الافتراضية يمنحنا بعض الأمل في انتهاء الحرب، ثم لقائنا. "أنا لا أريدكِ في زينة شبابك على أية حال، أريدك حتى لو كنتِ عجوزا" قلتُ لمعابثةِ وجهك الذي أظنُّ أنه انكمش حينها. فقلتِ، وشعرتُ بأنك أصدق مني: "ستكونُ أروعَ في نهاية العمر". وانقطعَ الاتصال!

لويتُ في مكاني مرارا، نظرتُ إلى القاع وكنتُ في مكان شاهق. النظرُ إلى الأسفل أكسبني شجاعة انتظارك. وكم كنتُ بارعًا في المواساة حين قلتُ مرة أخرى: "لن تستمر هذه الحرب إلا ما يكفي لتغيير لون شعرنا، ما رأيك أن نلتقي عندما يصير لون شعرنا أبيض". ضحِكْتِ يا حلوة الضحكة، وأحسستُ اهتزاز نهديك.
لكننا لن نعوِّل على أجسادنا أكثر، صحيح؟ نحن كاتبان يا زوجة الروح. نحن لبلابتانِ راسختان في الوجود. نكتب على أجسادنا الجميلة حياتنا ثم نتساقط. نكون بعد السقوط الظاهري أعمقَ معنى وأشد تأثيرا. قد يكتب على جذعينا عاشقان بعد آلاف السنين، أو قد يحيلنا نحَّاتٌ ماهرٌ إلى تمثالين أبديين، أو قد نصيرُ أبوابا ونوافذ يعبُرها الناس ليصيروا لبلابات، وينتصر جمال الأرواح على جمال الأجساد. نحن قويَّان يا زوجة الروح، أو كما يقول كازانتزاكيس: "دمنا مرجانٌ أحمر، ونحن نبني جزيرة فوق الهاوية."

فاضحكي.. لينمو الياسمين من جديد حول غمَّازتيك. أنا من سيجعل ضحكتك أشهى من ضحكات كل الإناث. سأكوِّرها بين يدي وسأنفخ فيها بقوة رئتيَّ الشَّابتين لتصيرشيئا يعيد خلق نفسه من جديد كل مرة. وكذا ستفعلين أنتِ بضحكاتي ودموعي وعَرَقي وشعري المتساقط وأظافري، اتفقنا؟

أنهي الرسالة شاعرا بالنشوة. بقيت هذه السطور تطعنني يوما كاملا. والآن أنشرها لأنصِّب نفسي معلما للآخرين، لأعلمهم كيف يحبون وجودهم إلى الأبد.



يتم التشغيل بواسطة Blogger.