‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطري. إظهار كافة الرسائل

05‏/03‏/2016

الرسم بالبكتيريا



"طبعة يد"، ساشا ستورم
لعلنا جميعا سمعنا عن الرسم على أسقف الكنائس أو على الخشب أو على الماء. أو ربما تقبلنا أن يرسم نزار قباني "بالكلمات"... لكن هل يمكن أن نتصور "إنسانا" يرسم بالـ "بكتيريا"؟ 
بغض النظر عن الاختراق المُهين لأمة البكتيريا وتسخيرها لنزواتنا الجمالية، الرسم بالبكتيريا ممكن وما تلك الصورة في الأعلى إلا مجموعة البكتيريا على يد طفل في الثامنة نمت بذكاء على صحن بِتري.   
تأملوا تلك البقعة الكبيرة في أسفل اليمين، هذه الدائرة المخططة بعناية وصبر نتجت من نمو بكتيريا الباسيلّوس Bacillus التي قد تصيبنا بداء السُّل القاتل. وتلك الدوائر الحمراء والصفراء الزاهية هي الخمائر yeasts التي قد تزعجنا بالتهابات الفم والأعضاء التناسلية. والدوائر البيضاء الصغيرة، هل ستتوقعون أن البكتيريا التي تكوِّنها هي ذاتها التي تسبب التهابات الجلد والغشاء المخاطي وتنتج الصديد؟   
كيف حدث هذا؟
بعد أن عاد ابنها من اللعب خارج البيت، طلبت منه Tasha Sturm -تقنية مختبرات أحياء دقيقة، كلية كابريللو، كاليفورنيا- أن يضع يده المتسخة برفق على صحن بِتري الذي يحوي وسطا مغذيا لنمو البكتيريا يُدعى أجار ترِبتيكيس الصويا TSA ثم تركتها لعدة أيام قبل أن تصير لوحة فنية مدهشة وخلّاقة. 
يُستعمل الآجار طبيا كأدة تشخيصية للكشف عن أنواع البكتيريا المختلفة وإحصائها. لقد دخلتُ في سنوات دراستي الأولى معمل الميكروبيولوجي، وكنت أنظر إلى مستعمرات البكتيريا وأشعر بالغثيان، ثم أشمُّ رائحتها وأحفظها لأتذكرها في الختبار العملي. لم يخطر لي أبدا أن هذه الصحون كريهة الرائحة يمكن أن تغدو فنَّا فريدا يُعرف الآن بفن الأجار agar art.  
الإنسان ماهر جدا في صناعة الفن والبحث عن كل وسيلة ممكنة للتجريب ونقل الخبرات. ظاهرة كهذه تستحق الأسئلة والاندهاش. إنها تفصح عن غريزة فنية فينا وتساعدنا لنتنبأ بالمزيد من التطور المعرفي والجمالي. 
هناك لوحات عالمية لفنانين معروفين كإدوارد مونك وفان جوخ رُسمت بالبكتيريا، وهناك الكثير من اللوحات الجميلة مثل لوحة "الموجة الكبيرة" القديمة للفنان الياباني هوكوساي. الجدير بالذكر أن هذه اللوحات التي يرسمها غالبا علماء يسهرون الليل في مختبراتهم مثل عالمة الأحياء الدقيقة ماريا يوجينيا 
Maria Eugenia Inda تتميز بالاستحداث والتجديد كما تتميز بالتقليد البارع. ستعرفون ما أقصد عندما تنظرون إلى لوحة "سماء الستربتومايسس" أو لوحة "موسم الحصاد".
سيكون من الجميل في النهاية أن أستعرض لكم بعض اللوحات.

"الصرخة"، إدوارد مونك
"الموجة الكبيرة في كاناغاوا"، هوكوساي
سماء الستربتومايسس، ماريا يوجينيا

المصادر: 
www.boredpanda.com/microbe-art-petri-dish-agar-contest-van-gogh-starry-night
www.today.com/health/striking-photo-shows-all-bacteria-8-year-olds-hand-t25096

28‏/02‏/2016

البعث الفكري: مرثية غير حزينة



المصدر
كلهم حزينون لأنهم فقدوك يا عزيزي
إلا أنا هربت بعيدا
وحزنت لأنك فقدت وجودك الجميل.

ما يقول المزارعون عندما يهجرهم الغيث؟
ما يقول الخبازون عندما تذوي السنبلات؟
ما يقول التائهون عندما تموت الغايات؟
لكنني لا أنتظر عودتك من السماء أو من الأرض أو في صورة سراب
فأنت إنسان قابل للخلود في أي شيء، وأنا ذلك الأيُّ شيء.


كل الذين يرثون لا ينتظرون أحدا
إنهم يقصدون مواطن الخلود في حياة الموتى وينزحون إليها
قالت الخنساء: "وإن ذُكِر المجدُ أَلْفَيْتهُ، تأزَّرَ بالمجدِ ثم ارتدى"
فلم تعرف عثَّة الفناء سبيلا إلى "صخر" وهو يتَّزر بالمجد في أذهان العرب.

قبل قليل بكيت
ولم يكن أحد يشاهد وطأة اليأس عليّ

ثم كانت فكرة عميقة
ثم كانت هذه الفكرة أفكارا باسمة نابضة
فهل كنت في كل الحياة سوى أفكار تعبُرني؟
إذن أنت لم تمت قط
حتى في عالمك الجليل المعطر

أنت صرت فكرة دائمة الوقع والكينونة 
وأنا الكائن الذي يكونك.

حينما يرحل الأفراد
تنشد الجماعات القصائد
وتتذاكر طهرهم وكمالهم وخيرهم وتأثيرهم
هذه هي دورة الحياة التي كلها توقٌ إلى البقاء

وهذه هي لغة الحضارات والتماثيل والأغنيات. 

بعد الموت
يتبخر الجسد إلى جنِّيات
جنيات رشيقات يرعبهن البكاء وتحلو لهن الذكرى
يتصعَّدن في السماء بشبق
يرقصن على حافات الجدران
يولولن.. يضحكن.. يشتهين رائحة اللحم والقهوة
أما بعد موتك أنت
فلم يحدث شيء
إلا هذه الرعشة اللذيذة في يدي.

في صباح غامض
دخلت "بيثيا" الكاهنة الحكيمة إلى حرم "أبولو"
انتظرت طويلا 

كان "أبولو" مشغول البال بمصير الفنانين الذين يباركهم
ولما سمع خطوات "بيثيا" المتئدة
انتصب منصتا إليها وشكى لها وجع رأسه
ضربت "بيثيا" بعصاها بأدب
وأغمضت عينيها
صمت "أبولو" طويلا

ثم أضاء وجهه واتسعت عيناه ولمعتَا
الفنانون يموتون كما تفعل "بيثيا" الحكيمة دائما
واقفين مغمضين أعينهم
حيث لا تتحرك "دابة الأرض" ولا تأكل عصيَّهم
فلتطمئن يا حبيبي
لقد كنت تلهمني وها أنا أضرب بعصاي كما فعلت "بيثيا" في حضرة "أبولو". 


أعدك
لن أحترم الذين ينوحون حزنا على أنفسهم. 

20‏/01‏/2016

قصة قصيرة: café au lait


Guy Pène du Bois
يصرخ بهمس: "قربي كأسك من كأسي على الأقل". 
ترد بهدوء: "سينكسران يا عزيزي، إنهما وحشان.. لعنتان". 
الهواء من حولهما غير عطِر. سيرى الملاحظ الجيد ذبولهما، لكن ليس في السكون الموحش بل في الأكتاف الهابطة، فكأنهما مقيدا اليدين أو كأن رأسيهما فراغ. الضجيج الذي يحيي المقهى يميتهما. الطاولة ليست مرتاحة أبدا. 
اختار الرجل أن يغيِّب وجهه الآثم، واختارت الأنثى أن تُشهد الوجود على غضبها. 
 يا له من مشهد لزج ومُتعب. كيف جاءا معا بكل هذا الجفاء؟ يحزرُ قائلٌ: "خيانة". آخر: "حملٌ غير متوقع". آخر: "رتابة". 
أما هو فيقول وأنفاسه منكمشة: "هذا عذاب لا أحتمله. اسأليني. الفظي فكرة". يقول هذه الجمل القصيرة وعينه تتابع أنثى مستسلمة لذراعي رجل. 
تقول: "لا أفكار لدي. كم شهرا سحقَ فمي في غيابك؟ إنك لا تدري. لقد تغيرت". 
الرجل مسترخيا: "الناس يتغيرون".  
الأنثى: "لم أعد أفهمك. كنت أقول لك قبل أن تعرفني إنني لا أفهم كلامك. لكنني كنت أدرك جيدا ما يقوله جسدك، أحفظ حاجاتك وأتنازل كل يوم عن حاجاتي لأشبعك، ثم.. ثم أكتشف أنني أحاول إثارة رجل خامل". 
الرجل جادا: "أنا أعطيك ما أستطيع. أنا لست بطلا سينمائيا يضيع عمره في شراء الشوكولا لفاتنته. أنا أؤسس لعلاقتنا بيتا في الزمان". 
الأنثى لاهثة: "أوف! اخرس. لا تتحدث بهذه الطريقة التي تشعرني بالبلادة". 
الرجل: "لن أفعل. فهل ستخبرينني ببساطة لم صرت كثيرة الغضب ومضجرة؟". 
الأنثى: "جيد، أنا مضجرة. أنا أحترق.. أحترق وأنت تتثلج على سريرك وتفكر في مصيرنا بعد ألف عام. يبدو أنني معتوهة لأنني صبرت على برودك عاما كاملا". 
تستعيد قدرتها على الكلام: "قلت لك إنني بحاجة إلى غيرتك!". 
يرخي قبضة يده: "أظن أنني شرحت لك مئات المرات أن ما تريدينه أمر تافه وغبي. أنت تتعلقين بتراث انتهت الحاجة إليه. تجمعين قطع لوحة غير مفهومة. اسمعي يا حبيبتي، إن كنت تهوين مذاق الألم الذي يوقعه رجل بأنثى فأنا لست رجلك. وإلا فما هي الحاجة إلى الغيرة الآن في عصر القانون والشرطة وأوراق الزواج والأمراض الجنسية؟". 
الأنثى تصمت. 
الرجل: "تستطيعين أن تخرجي مع صديق في نزهة. لن أمنعك من تغيير بعض الروتين اليومي الكئيب معي. لأنني لن أعمل بهلوانا طول الأسبوع أحاول إرضاءك". يشرب بقية الشاي: "هذا ما لدي. أنا لست إنسانا بدائيا. لقد كان البدائي يغار لأنه لم يكتشف بعد اختبارات الحمل والتحليلات الجينية التي تؤكد أبوَّته أو تنفيها". 
الأنثى صارخة: "حقا؟ حقا؟ هل تصدق هذه الحماقات؟ ستقتلني". 
الرجل بهدوء: "هذه هي الحماقات التي تريح أعصابي. أخبريني، هل تلك الأنثى التي تخضع لقبلات ذلك الرجل صادقة اللذة والصراخ؟ كلا. إنها تاجرة جيدة وقد أفلحت تجارتها عندما وجدت مشتريا بدائيا. كلاهما يعيدان القصة نفسها منذ عشرات آلاف السنين. منذ خرجت الإناث عارضاتٍ أجسادهن للقاءات السريعة. منذ خرج الرجال يوزعون نطفهم ويتباهون بقبائلهم". 
الأنثى: "ولكن..".
يقاطعها بصرامة: "إننا الآن نعرف متى نبلع قرصا مانعا للحمل لنلبي بقايا هذا الشعور الخادع الذي لم يزل قويا لأنه أفلح دائما في إحياء النسل. ماذا لو لم يعد الجَدُّ يمشي وخلفه سبعون أو ثمانون من أحفاده؟ إنه يمشي وخلفه طفلان مرتَّبان ومكتبة". 
الأنثى: "أنت تهلوس". 
الرجل باسما: "وأنت أيضا. هيا لا تكوني معقدة. سأطلب لك قهوة بالحليب". 
الأنثى: "لا. سأعود للنوم. عملت اليوم كثيرا وسمعت منك ما يكفي ليقتلني حقا". 
الرجل ينادي النادلة: "سأسألك سؤالا من فضلك. هل سترفضين فرصة العيش ألف عام أو ألفين؟". 
النادلة بحياء ودهشة: "إذا كانت كلها في هذا المقهى، نعم سأرفض". 
الرجل منهزما: "جيد، قهوة بالحليب لهذه السيدة الحلوة". 
ويلتفت إلى الأنثى: "أنا أتعجب. الإناث يهربن من طول البقاء". 
الأنثى عابسة: "إنهن يهربن من المستحيل الذي تهذي به". 
الرجل يستنتج: "كلا. جميع أصدقائي الرجال قبلوا هذه الفرصة بلهفة. أنتنَّ تخفن من الخلود لأنكن ملتزمات جدا. هذه النادلة رفضت الفرصة بلا تفكير ربما لأنها توقعت أن تعيش ألفي عام في سن اليأس". 
الأنثى: "ربما.. أنا مللت". 
الرجل يلتفت إليها. يراقبها وهي تخرج مسرعة. 

29‏/12‏/2015

عاكف: قصة قصيرة (2)





أيُّ قصة هذه؟ إنها مثل آلاف القصص.
سهرت متكئا على حافة النافذة، يحرك شعري نسيم غير بارد، أبادل صديقي بعض الأحاديث ثم أعود إلى نفسي متفكرا ومتعذبا.
ما الذي يجب أن أفعله؟ هل أحاول نسيانها؟ أم أتقرب إليها؟ وهب أنني تقربت إليها وأحببتها وأحبتني، فهل نبقى محرومين أم نتزوج؟ وهب أنني نسيتها، فهل سأنسى كل أنثى أعرفها؟ وهب أنني تزوجتها، فهل سأتزوج كل الإناث؟
فكرت فيما يمكن فعله، وكنت أشعر -وأنا في الطابق الرابع- بأنني مخير بين أن أسقط عليها فأهلك أو أبقى في مكاني ويبقى الحب حيا في كل جزء من أجزائي. ولكن حتى بقاء الحب حيا فيَّ لم يكن يعني لي أنه سيبقى حيا أبدا، إذ سأنتهي قريبا أو بعيدا وسينتهي معي. كنت أطمع في خلود لا ينتهي، في سفر لا ينقطع عبر الأجيال وعبر الثقافات، ولم يكن هذا بمستبعد من آلية تفكيري أنا الذي أقرأ فجرا آثار البابليين وأقرأ ظهرا فلسفة هيغل وروايات سارتر ومسرحيات غوته.
قال لي صديقي متحمسا (أنقل هذا الحوار من ذاكرة غير دقيقة!):
- لا سبيل إلى الخلود الذي تنشد، فإنما الدنيا عابرة، "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون".
فاعترضت:
- لكن هذا العبور ليس سريعا كما تظن، إن الآخرة لن تكون بعد قرن أو قرنين، وأنا بحاجة إلى استنفاذ كل الحياة الدنيا.. كلها.
- وما الذي يدفعك إلى هذا الطمع؟ ألا تحب أن تلقى الله؟
- سواء أحببت أو لم أحب سألقاه، هذا ما لا اختيار فيه، إنما الاختيار يا عزيزي في الفناء أو البقاء.
- سبحان الله، أأنت الذي تختار بين هذين؟
- نعم.
- ألن تموت بلا اختيار أيضا؟
- بلى.
- فكيف يكون لك الخيار بين البقاء والفناء؟
- بين البقاء والفناء، ليس بين الحياة والموت.
- كيف؟ قل لي.
- لا أدري. لكنني أؤمن بأن الخيبة الكبرى هي أن نموت عندما نموت. ألست تقرأ وترى آثار الأولين؟ انظر كيف يعيش كونفوشيوس بيننا منذ القرن الخامس قبل الميلاد، انظر إلى عرَق بناة الأهرام ومعاولهم، أيبدو أنهم ماتوا عندما ماتوا وتركوها بعدهم؟
- نعم ماتوا، اذكر لي اسم واحد منهم.
- لا يهم، وليست الأسماء هي دليل الحياة، بل الآثار.
- وهل ستشعر أنت بثناء الأجيال القادمة وهجاءهم بعد موتك؟
- لا يهم، فما لهذه الغاية يفني الإنسان عمره، إنما أبقى فيهم كما يبقى السابقون بيننا.
- أريد أن أعرف هل سيكون لديك إحساس لتدرك أنك بقيت أم فنيت؟
- قلت لا يهم، فهذا البقاء لا يعنيني، إنه سيل من الأفكار التي يمكن أن يتركها إنسان يعلم أنه سيموت.
- الأفكار والفنون؟
- الأفكار والفنون.

وحتى بعد نوم صديقي بقيت ساهرا أستعيد حديثنا. نعم، الأفكار والفنون، لقد كنت توًّا حائرا بين السقوط والموت أو العجز في الأعلى، لكن هذا الحديث أيقظني، أعطاني الفكرة التي كانت تنقصني على مدى إحدى وثلاثين سنة.
صباحا، طلعت أوائل الفجر على رجل غير الذي عرفته وعرفه صديقي، جديدا، يتحسس هوامش الساحة التي بدت بنفسجية شاحبة، ويعي أنه هو كل شيء. طردت من ذاكرتي كل قوانين الحياة وسخرت من خوف الناس القديم من الموت، فما هو هذا الموت الذي يوحي بالفزع كلما هاج ذكره؟ وشعرت بالامتنان لمحاجَّة صديقي، أعني بالتحديد سؤاله "وهل ستشعر أنت بثناء الأجيال القادمة وهجاءهم بعد موتك؟"، واهتديت من خلاله إلى أن الموت -ولتشعرْ بالصدمة- هو أعظم الأساطير التي عرفها البشر. إذ بما أن كل الذين يموتون لا يعون أنهم ميتون، فما هو الموت بعدئذ إلا أنه حزن الآخرين أو فرحهم؟ وبلغة صديقي "ثناء" الآخرين أو "هجاؤهم"؟ وإذا كان الإنسان وحده هو الذي يكترث لأحاسيسه ومشاعره، وإذا كانت أحاسيس الآخرين ومشاعرهم لا تغير شيئا في ذاتها، فإن حزن الآخرين وفرحهم هو أيضا أسطورة الأساطير، لأنه لن يكون وقتها -أي بعد موته- إلا عدما.  
كلَّمتُ صديقي ببعض هذا فتجمد وبدى غير مصدِّق أنني تغيرت كل هذا التغير في ساعة واحدة، و"بسبب عيني أنثى" كما قال متهكما.
لكنني يا صديق الفن لم أسعد بهذا التغير كما قد تستنتج، فلم يكن اختيارا بمقدار ما كان اضطرارا وضياعا، صحيح أنني لم أعد آبه بفكرة موتي وانتهائي قريبا أو بعيدا، لكنني أصبحت أنظر بعينين لا تعيشان لحظتهما وحدها بل ملايين اللحظات الآتية المحتملة، وأصبحت غير سعيد بهذه الحياة التي حلمت يوما أنها ستكون مشوارا جميلا.
ذهبنا صباحا إلى إحدى المكتبات، وكنت مشغول البال بها وبما ستؤول إليه أحوال أجسادنا.. في أي بلاد سيتعفن جسدي الأسمر هذا وإلى أي حد ستخبو شعلة الشباب فيها؟ من سيهتم لأمرها إذا سافرت أنا؟ ومن سيسعدها إذا لم أسعدها أنا الذي أحببتها؟ أما أحوال أرواحنا فلم تشغلني كثيرا، لأنني كنت قد عرفت كيف ستبقى حية ما حيي الناس.
في المكتبة، يمم صديقي شطر كتب الفقه والتاريخ كعادته، وبقيت أنا في الطابق الأسفل أقلب الدفاتر البيضاء.
والآن يحق لك أن تسألني عن تمام القصة...
عدت وحدي في عصر اليوم التالي، ووقفت قريبا منها، أحس بسخونة جسدها تحرق أعصابي، وأتعمق في عينيها فأجدهما قد مُلئتا عسلا جديدا. أعطيتها ثمن الحذاءين ثم ابتعدت عنها إلى هذا اليوم الشتوي الثقيل الذي أكتب فيه.

فهذه هي بداية صديقك الخمسيني التعيس الذي يرجو أنها لم تكن طويلة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. 


28‏/12‏/2015

عاكف: قصة قصيرة (1)





سألتَني يا صديقي عن حالي، إنني لست بخير، شكرا لك على حرصك واهتمامك، لكنني -ولتعذرني- لا أذكر أنني كنت بخير منذ أكثر من ثلاثين سنة. لعلك الآن تبتسم وتتوقع أن تقرأ شطحة من شطحاتي عندما يشتد علي برد الليل، بيد أني لا قول إلا الحق، ولك وحدك أقوله لأنك بعيد جدا.
جملة اعتراضية: أشكر أيضا هذا البريد الأمين الذي يوصل رسائلي إليك كما هي بعد أن أكتبها مباشرة، وأرجو أن تعثر على رسالتي هذه وتقرأها في أقرب وقت، وأن تكتمها.. أسألك بشرف صداقة الفن التي تجمعنا.
أنت تبدأ رسائلك دائما بالسؤال عن حالي، فعن أي حال تسأل؟ إن أحوالي كثيرة كما تعلم، فهل سؤالك عن حال عملي؟ إنه مستمر باستمرار ضرورة العيش، أعود كل مساء من الجامعة، وأعرض وجهي على المرآة، ولن يصعب عليك أن تتنبأ بما آلت إليه ملامحي من الذبول والصُّفرة. ألمس شعري فترتعش يداي فوق كومة من الشعر الأبيض الهش المبعثر. أحاول الكلام لأسمع صوتي فلا أسمع إلا عويل رجل جاوز الخمسين ولم يعد قادرا على تغيير أفكاره ومبادئه كما كان فيما مضى من الأيام.
أم تسألني عن حال صحتي؟ فإن صحتي جيدة لا يعيبها إلا بعض الأرق وانعدام شهوة الأكل. وليس هذا بالمقلق، فالحمد لله على الصحة.
أم تسألني عن حال قراءاتي وجولاتي الفنية؟ وهذا ما لن تحتاج إلى معرفته مني فقد أوشكت على إنهاء مجموعة من المجلدات حشوتها لك كتبا وصورا من رحلتي الأخيرة إلى بحيرة (ويندرمير) العجائبية، ستجد كل ما تحب معرفته عن حالي مع الفن.
أم تسألني كما يفعل الناس في هذه الأيام عن كل أحوالي مرة واحدة؟
أرجو أن تحدد في رسائلك الآتية بإذن الله ما تود السؤال عنه من أحوالي.
والآن سأروي لك كيف لا أكون بخير بعد كل هذا...
عندما كنت أراسلك للمرة الأولى -هل تذكر؟- قبل تسع سنوات، كان قد مضى على ذلك اليوم اثنان وعشرون عاما. أعني اليوم الذي لم أكن فيه غير طالب دراسات عليا يتنقل بين السعودية وبريطانيا ولا يعرف أكثر من هذا. كنت عاديا برغم الكتب التي قرأتها والأسفار التي قطعتها. ولم أكن أدري ما الكتابة وما الفن. كنت إذا حلمت تصورتُني أشغل كرسيا في جامعة محترمة وأدرس تلامذة مهندمين متفتحين طرائق البحث العلمي، أو تخيلت أن لي بيتا صغيرا هادئا يلهو فيه أطفال نظيفون أسمع ضجيجهم بينما أقرأ كتبي وأدون تعليقاتي راضيا بهذه الحياة مشوارا جميلا لا ينتهي، وإذا انتهى فيَّ فلن ينتهي في أطفالي وأطفالهم من بعدهم، أو بالغت في الحلم واستدعيت إلى البال رائحة الأنثى التي سأعشقها، فألقي عليها عشرات الأشباه من سمراوات الصحراء الصارمات اللائي يحترفن الشوق والصبر، ومن شقراوات الأفلام المائسات سريعات الاستجابة، ومن كل لون وطعم، مدفوعا بغريزة الحب وشهوة البقاء، وكنت بعد كل حلم أدرك حقيقة وحدتي وأستوحش الوجود ثم أعود إلى القراءة.
ولما كنت وقتها في السعودية، قررت أن أزور مسجد رسول الله كما أحب أن أفعل دائما، فاصطحبت أحد الأصدقاء وسافرنا إلى المدينة في أيام قيظ ولم نكن ننوي البقاء أكثر من يومين.
بعد أداء صلاة العصر في اليوم الأول، خرجنا من المسجد قاصدين الفندق، ولمَّا يجف ماء الوضوء في أذرعنا ووجوهنا، وأرواحنا جذلى بما غمرها من نسيم العهد الأول وخطى أبي القاسم عليه الصلاة والسلام وله الحب. استقبلت الساحة البيضاء، ماشيا بوقار إلى جانب صديقي، أتلو بعض الأوراد اليومية وأتأمل خشوع الخارجين والداخلين، وسحنات الباعة المتجولين والواقفين والقاعدين، لكنني ما إن تقدمت بضعة أمتار حتى استوقفتني حذَّاءةٌ تحصي المارَّة بملل وتحرك عينيها تجذبهم إليها بغير نداء.
طلب مني صديقي أن أتورَّع وأغض بصري، لكن لعمري أي نصح كان يجدي ساعتها وأنا قد صرت في عداد الصرعى؟!
توقفت كمن احتار أي طريق يسلك، أو كمن نسي كيف يمشي، وأعدت النظر إليها فما رأيت إلا أنثى حلوة -أحلى من أي حلو- تفترش الأرض بالقرب من أمها العجوز المُقعدة وترتب أزواج الأحذية بيدين كأنهما قطعتان من رخام أبيض معروقٍ بخطوط خُضْر.
عجِب صديقي من تنسُّكي وتقواي داخل المسجد ثم من طيشي وفسوقي خارجه. كان يمسك بيدي قائلا إنني قد تجاوزت "النظرة الأولى" بألف نظرة محرمة. فلم يكن يلمس إلا جلمدا تنخر فيه حشرات الموت، ولم يكن يخاطب إلا رجلا آخر غير الذي عرفه.
كنت يا صديقي ساعتها مخطوفًا من الزمن، ولا أتحرج الآن إن وصفت لك طائرين أبيضين خرجا من عينين سوداوين لامعتين وهربا بي بعيدا، حيث خلاخل الذهب تجلجل في سوقِ المدنيات الأمويات، و"ابن صيَّاد"* يحرك أوتاره ويتغنى بأبيات من شعر البعد والفراق.
دنوت منها، لا أنوي شراء حذاء جديد، بل أن أجرب كل بضاعتها لأبقى قريبا منها ما شاء الله. دنوت ودنا مع صديقي ظانًّا أنه بكلامه يستطيع أن يثنيني عما أنا مقبل عليه. وضعت يدي على حذاء وسألتها عن ثمنه، فأجابت، ثم وضعته على آخر وآخر وآخر.. أسأل وتجيب كأنني لا أسألها إلا عن لوعة الغرام التي تذيب عظامي، وكأنها لا تجيب إلا عن سوء حالها وقلة حيلتها.
عينان لذيذتان كأنهما كأسان زجاجيان مُلئا عسلا مصفَّى، ورموش مقوسة إلى الأعلى تهبط وتعلو بخفَر، ومن فُرجة البرقع لمع بياض أنفها وما تحت عينيها، وأنا ينبض بين أضلاعي قلب كأن به تنِّينا ثائرا يمجُّ ناره في وجه كل من يعترضه.
كان الناس يتحلقون حولهما ويشترون ثم يبتعدون، إلا أنا فكنت قد جثوت على ركبتيَّ وانفردت بها أسائلها عن ثمن هذا وهذا، وقد أجرؤ على سؤالها عن طريق الوصول إلى ما خطر ببالي من الأمكنة، فتارة تصف لي الطريق إلى البقيع، وتارة تعتذر عن جهلها بالطريق إلى مكتبة من المكتبات أو سوق من الأسواق، وسأحدِّثك -ولا حرج- عن ابتسامتها الناعمة عندما كانت تحتار في اختيار الكلمات، فأرى فمها يتحرك كأنه شمس تخترق الغيم، وأرى عينيها تنكمشان ثم تتفتحان بما فيهما من الحياة والنجاة.
كان نوع بضاعتها لا يقتضي أن أطيل في الاختيار أكثر مما فعلت، وظل صديقي يهددني بالمغادرة ويحذرني من نزغ الشيطان، ويا حَبَّ ويا عِشْقَذا الشيطان الذي يجمع بيني وبينها، لكن ما كان أهون عذاب الحريق عندي وأنا أتعذب بالإقصاء عن روعة روحها وحنان يديها اللتين تتحركان على أزواج الأحذية كفراشتين خالدتين تحومان حول نور أبدي.
لما طال جلوسي قبالتها وأحسست منها تحرجا تناولت حذاءين لي ولصديقي وأعطيتها ثمنهما، فتكلمت لحظة مع أمها ثم عادت إلينا طالبة أوراقا نقدية من فئة أقل من الخمسمائة. أدخل صديقي يده في جيبه فمنعته وقلت لها: "ليس معنا إلا هذه الورقة، لا بأس". ومن الجيد أنني لم أقل لها: "خذيها" فتشعر بأننا نتصدق عليها فتغضب. ساعتها يا صديقي في الفن لم يكن يهمني رضى إنسان يتنفس من رئتين إلاها. نهضتْ وقصدت بائعا مجاورا لهما تطلب منه فك ذلك المبلغ الذي ربما لم تكن تصل إليه مبيعاتهما في شهر.
مشت فازداد التنين الذي في قلبي شراسة وتدميرا لمبادئي وأفكاري، وبقي صديقي يغمض عينيه هاربا من جحيم الفتنة. وقد هُيِّء لي أنني لست الوحيد الذي أخذه جمالها وسحرها، لكنني فضلت ألا أعتقد بهذا لأن الحسرة كانت ستقتلني. كنت أنظر إليها تحمل ورقتي بين أصابعها وتسأل الباعة حتى عادت آسفة وقالت: "إذا كنت بحاجة إلى الحذاءين فخذهما وعد غدا"، ولن أطيل وصف فرحتي بهذا الموعد يا صديقي، بل ربما سأكتفي بوصفه موعدا لم يهمني أن أموت بعده.
خرجنا من بياض الساحة، وشمس الأصيل تنثر فوق رؤوسنا وعلى وجوهنا شعاعا ساخنا يتعرق منه الجبين. لن أنسى موعظة صديقي الطويلة وصمتي، وكنت أردد في بالي "هذا فراق بيني وبينك" لكنني لا أُسمعه ما أقول. كانت نافذة غرفتنا تشرف مباشرة على بوابة المسجد، ففتحتها ورحت أتابع حركاتها متى وقفت ومتى قعدت حتى أظلَّنا ظل المساء فلم أعد أراها. 


* ابن صيّاد: من أشهر المغنين في زمن الدولة الأموية. 

13‏/12‏/2015

خلدون (قصة قصيرة)



المصدر: berlin-artparasites
قطع عناقهما مبتسما وهو يقول: "مبارك عليكما، أرى أنكما خالدين بلا شك". وأردف: "آسف على الإزعاج". طأطأ رأسه مبتعدا ولم يتلفَّت. توقف، وأخذ يدوِّن في جهازه اللوحي، وكما توقع، شمَّ رائحة إنسان بدائي متعرق الجبين، قال الرجل: "نحن لم نقصد الإساءة، ونرجوا ألا تؤذينا"، وكان يبحث بعينيه عن شرطي. فقال: "لا تخافا مني". لكن الرجل لم يطمئن، ولحقت به الأنثى قائلة: "نحن سائحان، ما شأنك معنا؟". جال بعينيه البارزتين في وجهها الأبيض المحمر الذي يعكره بعض النمش، ثم قال بخشوع الكهنة: "لم أؤذكما إذ نجيتكما من الموت"، حينها التصقت الأنثى بالرجل وأحاطته بيديها، واصلَ: "أنتما لن تموتا أبدا"، وقاطعه أربعيني سمين مرَّ بالقرب: "أهلا يا سيد خلدون"، فهز رأسه.

ابتسم، رفع رجليه عن الأرض، نظرا بخوف إلى حشرة تائهة تعرج، رفع رأسه إليهما حزينا: "لم تتضرر، إصابة في الساق اليمنى، نجت من القتل الخطأ الذي ينهي حياة الآلاف كل يوم". سخرا منه وهمَّا بمغادرة المكان لولا نداؤه الصارخ. توقفا مذعورين، فقد ظنا أنه يوجه إلى جمجمتيهما مسدسا أو يضع إبهامه على رأس قنبلة. لكنه كان يمد يمينه قائلا بلطف: "هذا كل شيء".
تناول الرجل الجهاز اللوحي بحذر، قرأ: " لا بد أن يعلما أنهما لن يموتا..."، نظر إليه مندهشا، ثم أرخى ذراعه على كتفي الأنثى، وكانت الأنثى قد حركت يديها على الشاشة وعادت إلى أول سطر.

"إلى الأجيال القادمة، بعد قرابة عشرة آلاف سنة من الآن، نحن الآن في العام الهستيري 2016، وقد مضت أربعة قرون كاملة على بناء الجامع الأزرق. اسمي خلدون، والبعض ينعتني بخلدون العربي. أعيش في هذا الممر البارد بين المسجد والمتحف. قد لا يكون هذا الممر الجميل موجودا في زمنكم، قد لا تكون اسطنبول نفسها موجودة إلا في كتبكم، لكنني أؤكد لكم أنني لست بصدد كتابة أسطورة. أعيش هنا منذ عشر سنوات. لا أزيد على تتبع الناس والتفكير فيهم. إنني مقتنع بأن الحياة أقصر من أن نعيشها موزَّعين بين الأعمال الكثيرة. لذا فأنا أنام وآكل وأشرب النبيذ الأحمر الرقيق وأكتب. هذا يكفي. إنها مقدمتي المفضَّلة.

رأيتها تلتقط الصور، كانت أنثى يصعب تقدير عمرها، تعقص شعرها الأسود إلى الوراء ويتدلى من رقبتها شال سكَّري. اقتربتُ منها. قلت لها: "لا تظنيني مجنونا، إنني أريد أن أجعلك خالدة"، فقالت وكانت روحها اللغوية حلوة: "من أنت؟ أنا أحب المجانين". قلت: "أنا رجل شرقي". أغلقت عدسة الكاميرا متوجِّهة إليَّ باهتمام، واستطردت قليلا: "أهلا بك، أنا أيضا شرقية جئت من إيران، أنا حقا أريد أن أنال الخلود بأية طريقة". فرِحت عندما سمعتها تقول هذا ضاحكة وسألتها عن الطريقة التي تريد أن تخلد بها، قلت لها: "تخيلي أنك أميرة عابثة من أميرات ألف ليلة، ولديك خادم نحَّات بارع، وسألك أن تختاري شكلا تسافرين فيه عبر العصور، هل ستضحكين؟ أم ستبكين؟ هل سترتدين أحب فساتينك؟ أم ستتعرين؟ اختيارك هو الذي سيمليه الخادم البارع بلغة الرُّخام على كتب التاريخ وقلوب الناس القادمين". تأمَّلت وجهي برهبة، وقالت بلا تردد: "اقترب يا رجل الشرق المقدَّس.. سأخلد معك". وشبكت يسارها في يميني، ومشينا حتى اقتربنا من بوابة الجامع، اتجهنا يمينا، صامتين، ثم توقفنا عند جذع ضخم. سألتها: "هنا؟ أمام شواهد القبور؟" فلم تتكلم، وطوَّقتني بذراعيها الساخنتين، فتلذذت وكاد الجهاز اللوحي يتفتت بين أصابعي، وقلت لها متأوِّهًا: "يا حبيبتي.. يا شمسي.."، وقالت لي: "يا حبيبي.. يا لذيذي.. رائحتك موت.. أنا أشتهي الموت على شعر صدرك.. على رئتيك". وبقيت متمسكة بي وأنا في حالة بين الوعي وغياب الوعي، ساعة تبكي وساعة تغني بلغة لا أفهمها، ووجهها كان محمرًّا كأنه كدمة، وبينما هي تتسلقني وتشد ذراعيها حول رأسي، وجدتني أختنق وأعض شالها بأسناني، وهي تلهث وتلحس الجذع الجامد ورائي... ولا أدري كيف ارتخت وذبلت ثم تهاوت منتعشة وحرَّك النسيم فستانها المزهَّر عن فخذين كأنهما غيوم الصباح.
لمَّا هدأت أنفاسنا قالت بسعادة وكانت شفتاها تنزفان: "هكذا أريد أن أخلد، يرتعش جسدانا في أجساد ذريتنا بلا انتهاء"، والتقطت عشرات الصور لوجهي قائلة: "هذا وجهك الذي أحب أيها الشرقي، ملامح ملطخة بالخوف لأنها تدرك لذة الخلود وتخشى الضياع. لا تخف يا حبيبي، سأربِّيه على حب النساء". وانتبهتُ فإذ بتراب القبور يملأ أعصابي، وصوت الأذان يطردني إلى الجحيم.
الآن، ربما ينعم ولدنا في عامه التاسع، أو ربما تقاسي ابنتنا في مجتمع لا يحترم المرأة. منذ ذلك اليوم لم أدخل المسجد، ولم أجرؤ على الاقتراب منه، كأنما لُعنت ونزعت مني الروح. وكلما هممت بالعودة إلى بلادي، رسخت قدماي في عشب هذه الأرض القديمة. فقررت ألا أفارق هذا المكان، أستقبل سائحي الصيف وأحفظ رائحة عرقهم، وأستقبل سائحي الشتاء وأعرف ماذا يريدون. أنام أينما أحببت، وإذا بليت ملابسي أرسلت ذلك الرجل السمين ليشتري لي من البازار ما يشاء، فيوما يجلب لي قميصا مغربيا أبيض بقلنسوة، ويوما يختار جينزا وتيشيرتا دافئين سرعان ما أستبدلهما.
أيها البشر المتكبرون الموجودون بعد عشرة آلاف أو مائة ألف سنة، ثم عاهدت نفسي على تدوين كل مشهد حب تراه عيناي؛ لأنني آمنت بأن جسدي سيهلك وأن ذريتي هالكة لا محالة. فأنا إذن خالد في قصص العناق والدفء، أصوِّر لكم الأزواج المتعانقة المتأوِّهة همسًا، وأمنحهم ليلي ونهاري. وإنني منذ عرفت هذا المكان لم أعدم يوما مثيرا، فبشر هذا القرن لا يكلُّون من القبل والأنفاس، يتصافحون بشفاههم أكثر مما يتصافحون بأيديهم، يتعانقون خارجين من المسجد، ويتعانقون عائدين من المتحف.
أرى الآن رجلا طويلا أشقر الشعر صغير العينين يضمُّ أنثى، أظنهما يتحرجان مما يفعلان، إنهما ليسا صادقين، أكاد أجزم. ييمم هو شطر المتحف وتيمم هي شطر المسجد، آهٍ لو يعلمان أي حب ولد في هذا المكان! إنني لم أعد أستثار لرؤية هذه المشاهد، شأني كسائر الناس في بداية هذا القرن، نشتري بالأموال الكثيرة ما يشعل النار في جليدنا، ونطعن أعصابنا بالمسامير لتزورنا رعشة الجنس ثم تغادر بسرعة. أراهما ينشدَّان بقلق حول بعضهما، أسنانهما تتحرك كأحجار الرحى، يوشوشها بوعود الوفاء والالتزام، وتستجيب له وتحلم. أراهما حائرين لا يعرفان كيف يصلان إليكم. أراهما مسكينين يتنفسان الجراثيم ويكشطان الأرض بنعالهما الأنيقة. أراهما يتدفق الماء قريبا منهما ثم يخبو، فهو يشبه الدم الذي يملأ جسديهما فيحمرَّان ثم ينسحب فيبدوان شاحبين كشبحين. لا بد أن يعلما أنهما لن يموتا...".

رفعا رأسيهما، رأى فمين مضطربين ينفتحان ثم ينغلقان، ناوله الرجل الجهاز بصمتٍ متوتِّر، ودنت منه الأنثى ولعنته؛ لأنها ظنت أنه رجل من الجحيم.


09‏/12‏/2015

عوروبَّا (قصة قصيرة)


حقوق النشر: zgr_pro
 لم يكن بُعدا الزمان والمكان حاضرين في ذهنه عندما أرخى قبضته عن ذراع مقعده متنازلا عنه لشيخٍ ينحني بالقرب منه، ولأكون صادقا فحتى اسمه لم يكن حاضرا. كل ما يمكنكم التنبؤ به لو كنتم تنظرون إليه هو أنه سيكون آخر من يصرخ على السائق الذي يتوقف كل عشرة أمتار لراكب جديد برغم امتلاء الباص.
وقف خلف جسد فتاة، وثبت أنفه في شعرها مستثارا برائحة الشامبو الممتزجة بزيت فروة الرأس وولوَل على نساء بلده كما يفعل العرب دائما عندما يكونون في الخارج، إلا أنه لم يقل لها كما تتخيلون "كيف الحال؟" بلغة تركية سليمة.
وبينما هو ينتصب متوجِّسًا، توقف الباص، فنزلت يدان ودخلت يدٌ واحدة. فسَّر هو الأمر بهذه الطريقة: "يدٌ ناعمة تقترب متمسِّكة بالعمود الحديدي في الأعلى.. لا بل هي يد أنثوية تتسلق نحوي". لو رأيتموه وهو يمسِّح صدأ العمود براحة يده ليلمس يدها، أو لو نفذتم من جمجمته لتروا كم تتحرَّق أعصابه لركوب كل المشاة في شوارع أنطاكيا هذا الباص بالتحديد، لعرفتم أنه في تلك اللحظة فقط اكتسب زمانا وصار له مكان بين الرُّكاب وانطباعات.
في العشرين عاما ونيف التي عاشها في بلاده لم يستطع يوما أن ينظر إلى عيني امرأة أجنبية إلا صدفة، هذا الفعل الرومانسي الذي سمع عنه كثيرا لم يكن إلا أضغاث أحلام. ولكنه لما أفلتَ من أول نظرة، علقت بعينيه الحاجة إلى نظرات أخرى، كأنما كانت عيناه مشدودتين إلى عينيها بخيوط لزجة.
صاح في أبعد دهليز من عالمه الباطن: "الحمرة والزُرقة والتورُّد، هذا هو النعيم، يحيط بكل هذا شعرٌ بلون عنب الشاردونية". تزوَّد من النظرات وعاد يصيح: "إنها لا ترفض نظراتي.. لا تهددني بإبلاغ الشرطة، هل تراه طال بي الطريق حتى نمت؟". ثم نأى بوجهه لئلا يضايقها. وكلما توقف الباص ونزلت يدان، تضرَّع إليها في السر ألا تحرمه من اليد الوحيدة التي لمسها عامدا وتلذذ بإثمها.
كان يرهف سمعه ليحصي أنفاسها. بين شفتها العليا وأرنبة أنفها توسعت بعض المسامات وأفرزت حبَّات ندًى فما كان أشهاها إلى جسده وروحه، والشال العسلي الذي يطوف مراتٍ حول جيدها ما كان أحوجه إلى أن يلفَّه بقسوة حول رأسه ويغطي به وجهه ليشنق ألَمه. وبينما هو في غمرة اشتهائه، لمسته تلك الفتاة وناولته ليرتين ليسلمها إلى السائق.
أراد أن يقتحم هدوءها، ولكنه كطفلٍ هم بأن يمد يده إلى محفظة أبيه شعر بغصَّةٍ في الحلق وتراجع، فار في دمه بعدها جحيم من الحقد فأحرق جنات الهُيام التي نبتت بينه وبينها. بقي غيرَ مستقر، وشعر بإهمالها إذ لم تلبِّ نداء قلبه وتلصق صدرها بصدره. "أليس هذا حقي؟ أليست تشتهي أن تضمني؟ سأريها.. الجبانة" قال لنفسه. وما هو أن مدت يدها -التي كانت في حوزته- إلى السائق حتى أشار إليها بوجهه مع بضع كلمات إنجليزية مرتبكة فهمت منها أنه دفع ثمن التذكرة عنها.
التفت بعض القاعدين العابسين، وتعجَّبت هي قائلة: "شكرا"، ثم تأملت سُمرته ففُتنت بها. الأتراك لن يدفعوا عنها مهما أعجبوا بها، ولا الأوربيون الآخرون يبدؤون حياتهم معها بثمن تذكرة. أعادت النظر إليه مبتسمة، فبادلها الابتسام... ثم توقَّف الباص.
نزل معها مزهوًّا، متضخما، ليس لديه أدنى ريب في نجاح خططه، ولما سألته: "هل تسكن هنا؟" كانت هي الدخيلة وهو المسؤول والمنتظَر، فأجابها: "لا". لكنه بسرعةٍ رقَّ وانسابت الكلمات بلطف من فمه وهو يشرح لها أنه لا يعرف لم نزل، ثم أنهى كلامه باقتراح التمشِّي معه قليلا.
ترددت ثم غمرتها موجة ضحك متقطع وأنفاس مضطربة: "واو! هذا لطيف، لكنني متعجِّلة.. لكنن.. أوه، دعنا نتمشَّ قليلا". فرح هو لكنه فضَّل أن يبدو معتدلا، كطالب جبان بُشِّر بنجاحه المؤكد ففضَّل الابتسام وعدم المبالاة، أو كخليفة أموي "أتته الخلافةُ منقادة" فبكى.
ولما سألته عن بلده، تحركت عيناه، وطأطأ رأسه مجيبا: "بلدي الآن هذا الشارع"، وكان يتجنب أكثر ما يتجنب أن يوحي إليها بأنه يستطيع الكلام بالعربية؛ لأن العربية في رأيه ليست فيها مرادفات لكلمات مثل "واو! هذا لطيف، لكنني متعجِّلة.. لكنن.. أوه، دعنا نتمشَّ قليلا". 
بقي مأخوذا بفكرة وجوده جنبا إلى جنب مع أنثى، ارتعش جسده جذلا وخوفا، وأحس بالعظمة تنفخ صدره، ولم يدرِ لم انسلخ من جغرافيته وفضَّل الشارع المتثلج في ليلة من ليالي كانون على الصحراء الدافئة الآمنة والثمرات. فتَّش عن مقهى، لكن الوقت كان متأخرا وأبواب المقاهي الموصدة لا ترحم جسده المرتجف، ثم اقترح عليها أن يخرجا من الشارع الرئيسي إلى الشوارع الأضيق والأقل نورا. ارتعشا متماسكين ملتصقين بالجدران الخشنة الممتدة رجوعا. 
كانا يحدثها عن رحلته إلى "لواء إسكندرون"، ويصف لها كيف كان يطلب في كل مقهى مشروبا ليستمتع بـ "الأغاني التركية والأبيض المتوسط، ثم أمطرت، فدخنت بكثرة تحت أوراق النخل وفوق العشب النظيف، افترشتُ العشب وفكرت بصمت وأنا أدخن، لا أخفيك، إن الكثير من الكتب التي قرأتها تؤثر في تفكيري العملي... ذهبت بعدها إلى عرصوص...". سألته باندهاش: "عرصووووص؟!"، فأجاب: "نعم، كنت عائدا إلى حيث أسكن، لكن المطر ألجأني إلى الباصات المتجهة يمينا فركبت".
لم تستطع تصديقه أو تكذيبه، لكنها كانت مفتونة به، وهو بدوره لم يجد بُدا من الثرثرة إن صدقا وإن كذبا ليبقى ممسكا بيدها. لقد كان مثل أي إنسان يتكلم، وفي منتصف الكلام أدركته نشوة التفاصيل.. وما كان أرخص الوقت وأهون التعب في حضرة "الحمرة والزرقة والتورُّد".
"يمينا.. يمينا، سألت الراكب المجاوِر عن الوجهة فقال بملل إنها عرصوص، توقعتها طرسوس السورية، لكنني توقعت فحسب، ولم أهتم إن كانت عرصوص أو طرسوس ما دمت بعيدا عن المطر.. هل ترين؟ إنني لم أزل بملابسي التي سبحت ودخنت وتبللت فيها، إن رائحتي الآن ماء، نعم.. فلتضحكي، إنك أول أنثى في العالم تمشي مع رجل لم يغتسل جيدا، هل تدرين إلى أين انتهى بي اليمين؟". قالت: "أنت غريب! إلى أين؟"، فاستوقفها قائلا: "إلى منزل عجوز محدودبة الظهر لم تعرف الضحك منذ قرابة ألف سنة.. كان بيتها مليئا بعناقيد العنب الحقيقية".
توقفا تحت عمود إضاءة، حيث الشارع خاوٍ إلا من بعض المارة اللامبالين، أدرك بالفطرة أن نظرتها تلك كانت تعني الاستحسان، وأن أنفاسها القريبة كانت تهمهم بدعوته إليها. استعاد ملايين المشاهد التي ضم فيها رجل أنثى إلى صدره بدون أن تحاصره الشرطة، وأحاطها بذراعيه أولا كما يسلم الرجل على أخته في يوم العيد، ثم طوَّقها كما ينبغي، أو كما تصوَّر أنه ينبغي.
أحست بتلذذه بالعناق مع أنها لم تقصد أن تمارس معه نوعا من جنس الملامسة في الشارع، كانت تعبر عن صداقتها، ولكنه اعتقد أنها تقبل صِداقها ليرتين في ليلة شتاء بلا شهود. حاولت أن تنفلت منه، لكنه التصق بها وهذى: "كلما ضعت وجدت عناقيد عنب.. كلما ضعت وجدت عناقيد عنب".
أرخى ضمَّته عندما مر بالقرب منهما رجل، ثم عاود تطويقها طاعنا رقبتها "الدبقة" بأنفه، ومتمسكا بفكرة الثرثرة: "هذا الكتاب الذي كنت تقرئينه، اسمه "رقيقٌ هو الليل"؟ قرأته، نهايته لم تقنعني، لكن الراوي أتقن الدخول إلى موضوعه.. الشخصيات مثيرة بلا استثناء، أظن الكاتب بالغ قليلا في وصف البطل وأظهره إلى المشهد متأخرا.."، وبدون أن يسمح لها بمناقشته، راح يشد يمينه حول خصلات شعرها ويستطرد: "أنا أحبك.. أنا أعبدك.. أنا أريدك"، لكنها دفعته بقوة، وقالت له وهي تمسح ريقه من وجهها: "أرجوك، ما هذا؟".
اصفرَّ وجهه، وكان يلهث، حاول أن يهدئها، شعر بالنقص، أوحت إليه بأنه منفيٌّ إلى خارجها، توقع أنه لم يعجبها، لكنها قطعت الشك بيقين اعترافها: "اسمع يا عزيزي، لم أقصد أن.. أعني لقد انفعلتَ بشكل مخيف، هل أنت بحاجة إلى النوم؟ أعني فلتعذرني، غدا عندي عمل، أراك لاحقا".
هزَّ رأسه، بقي يرمقها وجسده يبرد كلما ابتعدت، ثم أدخل يده في جيبه يتحسس الليرات المعدنية مخاطبا نفسه: "لقد كان من حقي".



04‏/12‏/2015

دعوة لعدم الفهم




إنها لذة العصيان يا رفاق، هل تصدقون؟
شعور بالاسترخاء، يتبعه تحليق منتشٍ، ثم هبوط ملائكي ناعم.
تركيز معمَّق في المرئي والمسموع.. وحتى الملموس.
لا تحدثوني عما أفهم،
إن دمي يحمل كل ساعة جبلا من السكر يحترق كله داخل جمجمتي
وإنني أفهم كيف تعمل أداة التكييف، ولِمَ أغمض عيني عندما أنام
فلا تحدثوني عما أفهم.
بل حدثوني عما لا أفهم،
لكي أكون جديدا.. طفلا.. فضوليا.. وعنيدا!
اتركوا لي نافذة أتشمم منها ريح الاغتراب
أنا متوطِّن في كل ذرة غبار، فرُحماكم.. رُحماكم.

دعوني أدخل قاعة أوبرا
اتركوني وحيدا واسهروا في أي مكان
دعوني أكن دخيلا، ومنفعلا، ومبهما، وحريصا
دعوني أحصِ أنفاس السيدات الشقراوات
وأنحت في الذاكرة أشد الوجوه تشنجا وحماسا
دعوني أفسِّر ما أسمع كما أشتهي
دعوني أوجِّه الكلمات إلى من أحب
دعوني أحتسِ طبقة "السوبرانو" كاملة وأصفق في النهاية لحواسِّي وحدها
ثم افعلوا بحواسكم ما تشاؤون.

أوهٍ، ما أقسى فهم الأشياء
فهو يجعلني قطا كسولا وعابسا
لكن ما أقول لكم؟
إنني هكذا، وأنتم كذلك.
نفهم لئلا نسأل مرة أخرى
ونحفظ لئلا نضيع
وهذا هو دأبنا.

لكنني حينما أستمع الأوبرا
يدغدغ روحي شعور بالتفرُّد، والنشاط
تُبعث أنفي من مرقدها.. تغوص في عمق الرائحة
تنمو أصابعي.. تتحسس دفء مقدسا لا تعرفونه
يقف شعر ذراعيَّ إجلالا للحظة عظيمة
وأفسر كل الكلمات، الحركات، التنهيدات، الانحناءات.. أفسر كل شيء كما أشتهي
أعود إلى الفضول الأول
الذي سيجعلني أتقدمكم بخطوة إلى جنة العصيان.

أنا ذكي وسريع التلقي مثل سلك كهرباء عارٍ
وبإمكاني أن أتعلم الإيطالية في شهر واحد
وبإمكاني أن أشرح لكم بعدها ما يقال بالضبط
لكن، من يقول إن هذه هي اللذة؟
كلا.. كلا...
اللذة شيء آخر
وهي عندي ليست كما عندكم
فأنتم الفهَّامون، وأنتم المفسِّرون
أما أنا.. فيكفيني التلذذ المجرَّد.. انظروا إلي عندما أبكي
هل تذرفون دمعة واحدة؟
هذا لأن جماجمكم مشغولة كمدينة

جبل السُّكر سيذوب في فمي
ما أحلاه ذائبا في فمي.. وفي عينيّ وفي رئتيّ
فلتصوِّت أيها الخصيُّ ولتقل ما تشاء
فإنني لن أردد وراءك كما يفعلون
سأخلقك، وسأخلق كلماتك ومعانيك، وسأخلق فعل الغناء فيك
وسأتلذذ.


30‏/11‏/2015

قصة قصيرة: قرَف



اللوحة لـ Victor Rodriguez

كانت أمها عندما تتباهى بها تصفها بالجميلة المطيعة، ولكنها كانت مطيعة فحسب، فوجهها الصافي والموسيقيُّ الذي يشع منه لون القمح لم يعجب رجال القرية الذين كانوا يفضِّلون وجوها بيضاء.
تعلمت منذ الطفولة كيف تلوذ بالعزلة والصمت عندما يرتفع صوت والدها، وتعلمت كيف تناوله أظافرها راضيةً عندما يصرُّ على تقليمها بأسنانه القذرة صارخا: "هذه مقاعد للشيطان يا بلهاء"، ثم تنظر إلى أصابعها وقد بقيت آثار الطلاء شاهدة على نقصها. لم يملك أحد في البيت مهما كان أن يدافع عنها ويعترض على ما يفعله الأب العصبيّ. 
حاولت أن تحتمل الضربات النفسية والجسدية التي كانت تذوقها كل يوم بصمت، فهي على الأقل تحيطها بهالة من الأعذار إن اندسَّت تحت غطائها ونامت لساعات طويلة. 
لم تكن اجتماعية، ولم يُشع عنها أنها خرجت من البيت إلا إلى المدرسة، حيث كانت تغلِّف جسدها بالعباءة النظامية وتترك أعصابها تشتعل وهي تتمسَّك بيد صديقتها المقربة.
وصديقتها المقربة هي واحدة من الطالبات المنعَّمات، أبوها لا يعرف عنها شيئا، وأمها لا تملك أن تأمرها أو تنهاها، فهي حُرَّة إلى درجة الملل، وقد جاءت إلى مدرسة القرية من المدينة، بعد أن تذوقت حلاوة التفلُّت وطعم الرجال. 
صارتا صديقتين مقربتين، وبالرغم من صعوبة التواصل في جو المدرسة، كانت كل واحدة منهما تكتفي من الأخرى بمصافحة بطيئة.
وعندما تعود إلى البيت، كانت تؤدي واجباتها، تلمع المرايا، وتغسل الثياب، وتحضر كأس الماء إلى غرفة إخوتها الرجال، ثم تنهدُّ متأوِّهة، لا يسليها إلا طيف صديقتها، فتستحضر وجهها الذي يشبه رخاما أبيض تنتشر عليه عروق بلون القرمز، ولا تطلب أكثر من هذه اللحظة. لاحظت أمها هذه الطمأنينة على وجهها وبدأت تشك في أمرها! 
وبعد الخروج من مدرسة الثانوية، كان الحرم الجامعي أوسع بكثير من نافذة الحرية الضيقة في البيت، فاستطاعت أن تلمس معصم صديقتها، فعضدها، فكتفها، ثم انتهت إلى عناقها عناقَ من يطلب الحياة بعد الموت، ولم تكن القبلة لزجة ومقرفة كما كانت تتصور، بل بالعكس، دافئة تشبه تبادل الأسرار الكبيرة. ولأنها كانت شديدة الحياء لم تكن تعي شيئا مما يحدث عندما تلتقي بصديقتها... ولولا لذة الأمن والشعور بالذات لما صدقت شيئا مما تصفه لها. 
كانت تستيقظ صباحا، وتملي على شفتيها تورُّد الصحو، ثم تورايهما بالبُرقع، وتستمع إلى صراخ والدها حتى ينتهي عند باب الجامعة، ثم تدخل باحثة عنها... تعود كل يوم بفم مرتاح، يجري فيه دم جديد وترتعش فيه سعادة.
لكن هذه الأوعية الدموية التي تفتّحت، انغلقت إلى الأبد. فما أكثر الرجال الذين تقدموا لخطبتها عندما اقترب تخرُّجها وصارت أنثى جميلة ومطيعة ومتعلمة.
وافق والدها على زواجها من أكثرهم مالا وأوسعهم بيتا وأقربهم إلى طبعه ورؤيته للحياة، ولم تملك أن ترفض. عرفت أن حياتها انتهت بهذه البداية، ولم يبق إلا أن تصلِّي على روحها للمرة الأخيرة معها...
بحثت عنها في كل الأمكنة، بحثت في كل الصور، في كل الذاكرة، ولما لم تجد لها أثرا غير زمجرة الرغبة في صدرها استسلمت لصوت الحياة الجديدة الغامضة، وخرجت من نفسها بلا رجعة، وأسلمت جسدها لشياطين زوجها. 

23‏/10‏/2015

إنسان وفراش نوم


by Johnny Morant
قبل أن نغمِّض عيوننا وننام، نعيش لحظة تنسكب فيها كل الصور الممكنة في شعورنا، تطمئننا الجدران الراسخة إلى أننا لن نفضح إذا خرجنا عن "المألوف" و"اللازم"، فنقدم على صنع الخيالات المريحة لأعصابنا -نحن لن ننام طبعا بأعصاب مشلولة من كثرة المبادئ- ونضع أجسادنا في مكانها الملائم: لوحة فنية، سرير أنثى/ذكر، طائرة، قاعة سينما. حتى لو أنفقنا معظم اليوم في رفض وتبشيع هذه الإمكانات.
تعقيد الإنسان يشرع له التبرير. فهو المبرِّر، وهو الذي يفعل ما يشاء ويقنع نفسه بضرورته.
إذا شئنا أن نخلع أسمال المجتمع، ونحقق وجودنا الفريد، سوف نلتزم بأمر واحد حتمي: كل الأفعال ممكنة، عندنا وعند غيرنا. كل فعل في الوجود مبرَّر، وهو لا يمكن أن يكون فعلا إلا بعد أن يكون تبريرا.
الإنسان يبدأ حياته الفكرية بحقيقة مظلمة: إنني موجود، ولم يأخذ أحد رأيي في أن أكون موجودا أو لا. ولو بدت هذه الكلمات متناقضة، فإن الإنسان هو هذا المتناقض أبدا. يؤمن أولا بأنه موجود بلا مقدمات، ثم يمارس وجوده. التبرير هو تعبير الإنسان عن حرمانه من تبرير وجوده!
في مجتمع إنساني خاضع لقانون الفعل والجزاء، سيصير كل فعل إما مقبولا أو مرفوضا، والذي سيحدد هذا القبول أو هذا الرفض هو واحد من هذا المجتمع؛ أي هو إنسان. وفي سلسلة غير بسيطة من الفعل والعقاب سيستنتج المجتمع أن هذا الفعل مرفوض، سواء أكان "غير أخلاقي" أو "مؤلما" أو "نشازا"، وسيكون العكس صحيحا.
الوحل "الزائف" الذي نعيش فيه نهارنا وليلنا ينمحي في لحظات قليلة في اليوم، ساعة قبل النوم واحدة منها، إذ نكتشف أننا (ننزع ثيابنا القديمة). احفظوا هذا التشبيه جيدا. 

من السهل تبرير الأفعال "المألوفة": سأسبح اليوم أمام الناس. فمن ذا الذي سينهاك عن السباحة -هذا الفعل المقبول- ولو كان كارها؟ لكن من الصعب تبرير الأفعال "غير المألوفة": سأسبح اليوم عاريا. لأن سلسلة من التناقضات انتهت برفض هذا الإمكان.
في غرفتك، قبل أن تنام، ربما لن تجد حرجا في النوم بلا ملابس، ستبرر نومك عاريا بأن لا أحد يراك. هذا يشير إلى أنك "الآن" صرت موجودا "حقيقيا".
ماذا عن وجودك بين الناس؟ إنه زائف؛ لأنك ببساطة لن تملك كل اختياراتك.

في دم الإنسان، تسبح المبررات.
أي فعل ممكن.
وأي تبرير ممكن.
سأقتل طفلا لأبقى قويا.
سأتجنب الأقوى لأنني خائف.
سأغني لأرتاح.
سأصلي لأرتاح.
سأكفر لأرتاح.
سأنتقم لأرتاح.
وحتى الموت،
سأموت لأرتاح.

لكن هل جرب ميت راحة موته؟!


03‏/10‏/2015

طفلة الله



تصوير Camila Carlow

تقرصني حشرة الموت
تبول على جفني وهي في طريقها الطويل
لا تقدر الآن على قتلي
لكنها تعيد إلي ذكرى رائحة النهاية
ملامحي خائفة.. نابضة
ورأسي المشحون يتوسد الباب الخشبي
ويبرز انتفاخ فوق عيني
فأفقد روعة وجودي

أرتطم بالباب في هدوء غير مريح
أتحسس تيار الكهرباء كأي جدار
ثم أهتز.. ثم أنشدُّ للأعلى
تضخ الحياة في جسدي دفء فكرة
فأعلق سماعتي الطبية على رقبتي
وأنتعل أطراف أصابعي

في الطريق إليها
طفلة الله، الطريق إليها شهي
بيد أنني تعثرت بهمِّ الوصول
ما هذا الصهيل الذي يرتفع من مفاصلي؟
لا أريد إزعاج زهورها
قذفتني الفكرة إلى غرفة مظلمة
تنام فيها طفلتي.. طفلة الله

وعندما حرك البرد شعر ذراعي
علوت أصابعي المطقطِقةَ
وذرعت صراط اللهفة حتى اقتربت
عانقتني قوة الحياة في وجهها الهارب من النوم
وفي ساقها التي غطيتها بحنان

ما أحياني وأنا أريح أذني على رئتها
أنصتُ إلى هسيس الياسمين
تعرف أعصابي هذا الصوت
صوت ولادة طاهر
ترتله نايات متشعبة داخل رئتيها
ويبجله نبض الله
لقد كان أشبه بقطرات ماء تتنزل بجمال

نسيت تلك الحشرة تماما
إنني أعترف
ستنفجرون ساخرين:
ستبول على أنفك هذه المرة!
لكنني لن أسمعكم
فملامحي تخشع إلى النسيم
الذي يئن بسعادة في صدر طفلة الله
بعد نومها متعَبة

30‏/09‏/2015

فوبيا "السوريين"


- يردد العالم شعار "Refugees are humans". هذا الشعار المريب ليس مفاجأة. إنه يبرز أمامنا كصدمة. يصفعنا. يسخر منا. والعجيب أن ترجمته إلى العربية أمر شاق!

بدأت أرصد ملامح هذا النوع من الخوف غير المبرر phobia عندما قررت السفر إلى تركيا قبل عدة أشهر. معظم الذين سألتهم عن السياحة صيفا في تركيا لم تطمئنهم الفكرة. قبل أعوام كانت تركيا هي المكان الأول الذي قد يفكر الخليجي بزيارته قاصدا الهدوء والجمال والتاريخ. لكنها هذا العام ارتبطت بكلمة "داعش"، هذه الكلمة التي تشبه في توسعها ودلالاتها كلمة "ميكروب".
اتفق الجميع على تحذيري من زيارة تركيا في هذه الأيام خصوصا، واختلفت مبرراتهم من حرارة الطقس، إلى غلاء الأسعار، أو وجود أماكن أخرى أنسب. لكنني صادفت عددا ليس قليلا يكثر من كلمات مثل "سوريا" أو "سوريين".

إن فوبيا "السرقة" أو "الخداع" هي ما يقلق المسافرين إلى بلد جديد لأول مرة. هذا طبيعي وضروري لأخذ الحيطة ومضاعفة التركيز. وفي كل بلدان العالم بلا استثناء معدلات سرقة مرتفعة، وجماعات لا تحصى من المهاجرين من كل مكان. لكننا في الفترة الأخيرة، نتيجة لما نسمع ونقرأ عن معاناة أهالي سوريا وهجرتهم، ألَّفنا وحشا أسطوريا هو "اللاجئ أو المهاجر السوري". هذا الإنسان الشريد غير المرحَّب به في كثير من الدول.

قال لي البعض: تجنب الذهاب إلى الأماكن القريبة من الحدود السورية (مثل أنطاكيا)، وأربكني البعض ناهيا عن بدء أية محادثات مع أشخاص سوريين يعرضون رغبتهم في تقديم خدمة من أي نوع، وادعى آخرون أن أي حديث حول الوضع الأمني في سوريا قد يعرضني للخطر بوصفي "من السعودية".
ربما سوء ثقافتي السياسية غيَّب عني بعض الحقائق التي بات الجميع يعرفها ويتحدث بها. لكنني لم أتقبل هذه الوصمة التي ارتبطت بالسوريين، سواء أكانوا سائحين، أم مهاجرين "غير شرعيين".

ولتأكيد صفاء نيتي، سافرت إلى تركيا، واخترت الإقامة ثلاثة أيام بالقرب من الحدود السورية: أنطاكيا، حربية، لواء إسكندرون، عرسوس. وكما توقعت، لم يسرقني أحد. أعترف بأنني واجهت بعض المضايقات من الأتراك، إلا أن السوريين الذين لقيتهم في اسطنبول أو الجنوب التركي لم يكونوا "مسعورين!".

في الطريق إلى عرسوس (منطقة هادئة مطلة على الأبيض المتوسط)، التقيت بأحد السوريين الذي ركب بالقرب من زوجته، وتحدثت معه طويلا إلى أن وصلنا. لا أخفيكم أنني كنت ألتفت إلى صديقي بين الوقت والآخر وأسأله بصمت عن موثوقية هذا الرجل الكريم الذي عرض علينا استضافتنا في منزله. غريزتي كانت تنفرني من الوثوق بعرض كهذا بغض النظر عن بلد صاحبه. لكن حديثنا الطويل حول جمال اللاذقية، وحلب، والذكريات، لم يعرضني لخطر الإصابة بمرض خطير.

وطيلة مدة إقامتي بالقرب من نسمات وآلام وأفراح سوريا، كانت الأفكار السخيفة التي سافرت بها تربك حركتي قليلا، إلا أنني لم أشعر بأي موقف تجنُّبي تجاه السوريين. لا الرجل الطيب في المطار الذي أعطاني بطاقة أعماله وتوسل إلي بأن أتصل به وقت الحاجة، ولا المضيف في الفندق الذي حرص على سؤالي بعد كل جولة عن انطباعاتي، ولا النادل "الحبَّاب" الذي أكرمنا، واتفق معنا على أن نعدَّ وجودنا في هذا المكان زيارة حقيقية إلى سوريا.

للجميع الحق في التوجس من أي غريب في أي مكان، لكن هذه الهتافات التي تخيف قاصدي تركيا واليونان وألمانيا والسويد من خطر وجود السوريين هي نوع من النفي النفسي لهؤلاء الباحثين عن الحياة والسلام. والأولى مساعدتهم ومؤانستهم لا بأسلوب الممتن المتفضِّل، بل بقرب الإنسان من أخيه الإنسان.




28‏/09‏/2015

مصاب بوسواس الوقت



للفنان السوريالي البولندي Jacek Yerka

أولا، أنا فارغ ولا مهمة في انتظاري، ولست في انتظار مهمة.

نصف جسدي قاعد، ونصفه الآخر مستلق.
وكلنا نفكر في أمر مثير ومخجل.
إنه خواؤنا.
عندما أوسوس، وأطيل النظر إلى ساعتي الداخلية، أحقد على الآخرين.
خمسَ دقائق ستستمر مكالمة تافهة مع صديق تافه،
دقيقةً ستسرق رسالة سريعة إلى صديقة مملة،
هذا التحديق الطويل في لون الجدار سيستهلك عشر ثوان..
وقتي يضيع، أيها التافهون.. أيها السارقون.

ثانيا، أنا فارغ ولا مهمة في انتظاري، ولست في انتظار مهمة.

أرتاح على مؤخرتي، وتتصالب ساقاي أمامي متفكرتين.
أبحث في كتاب كبير عن كلمة "جنس"،
أقرأ في قائمة أفلام "الفلسفة"،
أتجمد عندما يظهر إعلان بطيء،
أخرج من كل حالاتي الشعورية.. أصير جدارا بمعدل نبض معتدل بين الستين والمائة.
وما إن يمس أحدكم وقتي، سألسعه؛ لأنني صرت عقربا.

ثالثا، أنا فارغ ولا مهمة في انتظاري، وأنا بصدد الكتابة عن فراغي.

جذعي يشكل زاوية قائمة مع فخذي اليمنى، أما رجلي اليسرى فتشكل ضلعين يلتصقان بفخذي اليمنى ليشكلا مثلثا.
أتسكع بين مفرداتي العجائز،
شبق الوقت يهرول في دمي.
لحظة رومانسية ممزقة، يتبعها إحساس بالحماقة.
أعرف أنني فارغ.
لكن فراغ الآخرين أبشع من فراغي.
سأدفع هذا المساء دفعا غير لطيف.
لعله يتحرك.
فأتخلص من عفن الكتابة.

27‏/09‏/2015

كلمات جبران خليل السبع




ذات يوم، طلب جبران خليل جبران إلى صديقته المقربة بربارة يونج أن تخبره عن سبع كلمات لا يمكن أن تتخلى عنها أو تنساها إذا تخلت عن باقي الكلمات. اختارت بربارة بتردد: الله، الحب، الجمال، الأرض. ثم لم تجد الثلاث كلمات المتبقية، فطلبت من جبران أن يساعدها. فأجابها: "لقد نسيتِ أهم كلمتين، ودونهما تبدو الكلمات الأخرى واهيةً كليلة. إن أهم كلمتين عليك أن تحتفظي بهما هما: أنت وأنا. ولسنا بعدهما في حاجة إلى كُلَيمات أخرى". (مقدمة كتاب "النبي"، ترجمة الدكتور ثروت عكاشة).
ما هي كلمات جبران السبع؟
إن طلب جبران يبدو مربكا للمرة الأولى، فصلتنا باللغة أمتن وأعمق من اختصارها في كلمات سبع، لكن إذا كان علينا أن نختار سبع كلمات بالتحديد، فما ستكون؟
بعد إغماض العينين وإلقاء نظرة سريعة على مستودع الكلمات في وعينا، سنجد صعوبة في التحديد، وربما إذا اخترنا عددا محددا من الكلمات ستكون غير كافية، أو بلغة جبران "واهية كليلة". قد يختار أحدكم: الله، امرأة، قلم، ورقة، أرض، لابتوب، إنترنت. وقد يختار آخر: كتاب، زهرة، سفر، كاميرا، سيارة، أم، طفل. إلا أن لا أحد سيقدر على الجزم بأن كلماته السبع هي كل اللغة، أو على الأقل هي الكلمات الأهم في كل اللغة.

فكَّرت بربارة بعد أن أخبرها جبران بكلماته السبع، فوجدت فيها كل شيء يتعلق بالحياة، والموت، والخلود. فهل قصد جبران كلمات تحوي كل معاني الوجود؟ أم كلمات تؤدي كل وظائف التواصل؟ أما كل معاني الوجود فهي حقا مختصرة في الكلمات الثلاث: حياة، موت، خلود. ولو تأملتم معي قليلا، لاخترتم الكلمات الثلاث هذه أو كلمات قريبة منها. فما هو الوجود غير حياة، يتخللها سعي جاد ومتعِب للخلود، ثم موت؟
وأما الكلمات السبع التي تؤدي كل وظائف التواصل فمن العسير تحديدها. لكن إذا أعطانا جبران من الوقت أكثر مما أعطى بربارة، سنتمكن من تحديد كل أشكال التواصل التي نعرفها.
أولا، تواصلنا مع بعضنا (أنا، أنت). ثانيا، تواصلنا مع موجِدنا (الله). ثالثا، تواصلنا مع أنفسنا (الشعور). رابعا، تواصلنا مع الجماد (الإحساس). خامسا، تواصلنا مع المكان (المكان). سادسا، تواصلنا مع الزمان (الزمان). سابعا، تواصلنا مع حاجاتنا (أريد).
وهذه هي كلماتنا (أشكال التواصل) التي لن نتخلى عنها إذا تخلينا عن آلاف الكلمات التي نحتفظ بها.

كانت كلمات جبران هي: أنا، أنت، خذ، الله، الحب، الجمال، الأرض. ولئن شئنا مقارنتها بكلماتنا، سنلمس بعض التوافق. إلا أن (الحب) شعور من مشاعر كثيرة نتحدث بها إلى أنفسنا أو إلى الآخرين، كالجوع والخوف والفرح. و(الجمال) صفة من صفات كثيرة نصف بها إدركنا للأشياء. لا يخفى على أحد من قراء جبران أن الحب والجمال يسودان دائما في كتبه ورسائله ولوحاته. فربما اختار هاتين الصفتين لإيمانه بجوهريتهما في النفس البشرية، وغائيتهما في الحياة.

الكلمات السبع هي تمرين، أو لعبة ستكشف لنا عن ارتباطنا باللغة والأشياء، وستقوي علاقتنا بما نختار وما نقول، وتعزز من تفردنا واختلافنا عن غيرنا. كثرة الكلمات هي ضرورة وجودية للتعامل مع كثرة الموجودات. أما عندما يطلب منا أحدهم اختيار عدد محدود جدا من الكلمات، فسنتجه إلى مبادئ التواصل الذي هو غايتنا من الكلام، وتحديد أنماطه، ومن ثم اختيار الكلمات الأنسب.
هذا ما فعلته أنا، وبطريقة ما فعله جبران خليل... فما هي كلماتكم السبع؟

23‏/09‏/2015

انطباعات عن اسطنبول (3)





إحدى النيات التي دخلت اسطنبول محتفظا بها هي زيارة مسجد يختزل العمارة الإسلامية العثمانية. اسطنبول من أول المدن التي قد تفكرون في زيارتها إذا كنتم مثلي عشاقا للمساجد القديمة.
مسجد السلطان أحمد كان هو الوجهة المناسبة بعد نصف يوم شاعري في الجزيرة الكبرى. إنه واحد من المساجد التي بقيت مساجد خالصة إلى اليوم، الكثير من المباني الجميلة حولت إلى كنائس أو مساجد. حين وقفت قبالة تمثال الأسد، برزت في ذهني ثلاث مآذن عالية شعرت بدفئها يحيط بي. منذ 400 عام تبرز من هذا المسجد ست مآذن شامخة. لمستها بأصابعي من مكاني وتأملت مع صديقي طول المدة بيننا وبينها.
إنني واحد من كثيرين تخيفهم الذكرى، يضطربون ولا يهدؤون عندما يدخلون مكانا يعون تاريخه، يتصورون في لحظات وجوها تخرج من الغربة الأبدية، تتحرك ملامحها بحياة، وتسيل نظراتها على القاع. وفي حالتي، كانت وجوها عثمانية تعلوها عمائم طويلة، وترتسم فيها شوارب كثة.




فجأة، تزدحم الفراغات بأنفاس النظارة، ويصفق هنا وهناك رجال ونساء لا عهد لكم بهم، يولدون لأجل اكتمال المشهد، وتُعرض مسرحية لأول مرة في البال. استوقفتنا هذه المدرجات المرتبة التي تشبه مسرحا يونانيا قرأنا عنه لكننا لم نره قط. في مثل هذه المساحات من العالم يجد الإنسان فرصة لتلوين اللوحات التي تتكدس في ذاكرته وتنتظر بعض الوضوح.
وددت لو أقعد في بضعة سنتيميترات على هذه الصفوف الخشبيىة، وأشاهد راقصة باليه تركية، أو أغرق في متابعة طرف ثوب أحد الصوفيين الذين يؤدون رقصة في حلقة ذكر على الطريقة المولوية.
لهذا السبب أيضا نسافر؛ لنملأ الفراغ الذي تتركه تجاربنا الحسية ساعة العجز، ولنحتفظ بفراغات أخرى نملؤها في مكان ما.. نحن نسافر لنكتفي، لئلا نعود إلى مكان مرتين، ولئلا نشعر بعجزنا الحسي. 




ألوذ بالتفكر كلما اقتربنا وازداد عدد الزوار المفترشين الساحة الكبيرة حول المسجد. يلتقط صديقي صورا كثيرة ويراجعها قبل الاحتفاظ بها. أرسل أنا عيني، وأكبِّر كل قطاع من الأرض يمكن أن أحصل فيه على لذة خيالية، أرى شخوص قصة جديدة تمر بسرعة وتختفي.
عبور الأبواب دخولا هي أمنية قديمة، إنها هي التي تغرينا بالوقوف عند كل باب نمر به. نحن بشر بدائيون يتوقعون غنيمة أو فرصة اقتران خلف كل باب. الأبواب دائما تجمد أعيننا، وتختبر قدرتنا على التوقع، وتخبئ لذة ما. لعل عشقنا للأبواب هو عشقنا للملابس.. إنه حنين إلى العري والوضوح!
إن مجرد ارتياح القدمين على قطع كبيرة من الرخام لم يهتم الذين رصُّوها بإبقائها متوازية، يوقظ نسيما حلوا وعتيقا في الروح. أتوقف ممسكا بالكاميرا، ألتقط صورا لكل شيء، وأحيانا أكتشف وعيني تنظر من خلال العدسة هذه الكثرة من القبب الصغيرة التي تكبر علوًّا حتى تتحد بالقبة الكبرى. هذا التدرج في الجحم يعطيني انطباعا عن مراحل الصلاة الإسلامية التي تسعى دائما إلى التوحُّد في حركة واحدة، أو رفع إصبع واحد، أو النظر إلى وجهة واحدة.
في هذه الساحة الجليلة تتداخل الموجات الصوتية التي يطلقها القادمون من كل مكان. تسمعون ما يشبه هديل الحمام. رجال ونساء يتكلمون كثيرا. أفترض أن معظم كلامهم وصفي، مفعم بألفاظ التعجب، ومحشو بتساؤلات كثيرة مشتتة.
ثمة لحظة يمكن وصفها بالمقدسة. إنها لحظة الوقوف وخلع النعلين عند باب المسجد. ترون جموعا من رجال الأمن ينادون بالإنجليزية بلطف: لا كاميرات، لا ملابس غير لائقة. وينتقون بدقة الذين يمكنهم الدخول والذين سينتظرون متسائلين، معترضين بصمت.




عند عبور الباب خروجا، لا يسع المحتار والخاشع إلا أن يأوي إلى رحمة الماء. نافورات أنيقة تمد الجو باللطف، وتهدي الوجوه القريبة قبلا من الرذاذ فتجذبها إليها. لاحظ صديقي أن النوافير تعمل وتتوقف بانتظام، فراح يحسب الوقت وينتظر لحظة انفجار الماء لالتقاطه. ولاحضت أنا أن الحوض الرخامي محاط كله بمستطيلات تضم رسومات ملفتة. هي بطريقة ما عبارة عن تصوير للحياة اليومية في الدولة العثمانية. شاب يحمل على رأسه خبزا، مبان قديمة، أولاد يصطادون السمك، فتيات... والذي سيدهشكم أنه كلها مرسومة بقطع صغيرة  مربعة من السيراميك. للأسف، لم أنقل الصور إلى الكمبيوتر، ولعلي سأفعل لاحقا.


16‏/09‏/2015

انطباعات عن اسطنبول (2)



إلى جزر الأميرات
الجزيرة هي المكان الذي يفضله القادمون من الصحراء، بل هي في الواقع مكان مفضل لدى الجميع، إنها وطن تحتفظ به الذاكرة منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، وبكل بساطة تسهل ملاحظة بقعة من الخضرة يطوِّقها الماء، ويسهل التعلق بها. نفيت نفسي إلى الجزيرة الكبرى Büyükada بين تسع جزر تتراصُّ في بحر مرمرة. إنها منفى غير المستقرين، والباحثين عن الهدوء، الهاربين من الضجيج المدني. 
خططت لزيارة جزر الأميرات بعد الوصول مباشرة، لكنني أخطأت حين نويت زيارة أكثر من جزيرة، ثم التوقف في منطقة كاديكوي Kadıköy للسير بطمأنينة في شارع بغداد، وتناول عشاء آسيوي. استهلكت منا الجزيرة الكبرى كل الوقت، ولأن فينا غريزة قديمة أستطيع تسميتها "تفضيل الاستقرار" لم نفضِّل الانتقال إلى جزيرة أخرى عندما سمعنا صوت الباخرة وهي تغادر. أو لقد "خفنا" من كون الجزيرة القادمة سيئة الحال بما يكفي لإفساد المتعة التي منحتنا إياها مظاهر الجزيرة التي نحن فيها. 
خرجنا من الوجه الأوروبي لهذه المدينة الملهمة، متهيِّبين من التجربة الأولى، نستنشق هواء البسفور الذي هو مزيج من المآذن الرخامية العالية والمقاهي المتواضعة المنبسطة بحرية على ميناء كاباتاش، وأنفاس الناس المندفعين بلهفة نحو الصيف. 
وشيئا فشيئا، تابعت أفكاري وهي تتخذ شكلا آخر كلما بدت اسطنبول الأوروبية تصير أكثر غموضا. أدركت أنني منجذب إلى الوجهين كطفل خيرته شقيقتاه: أينا أجمل؟ وحدث أن تسرعت باختيار مقعد وضاع صديقي في الزحام فاختار مقعدا آخر خلفي، فاضطررت إلى اختراع جليس لي من ذاكرتي، وتصفحت هذه اللحظات التي أكتب فيها الآن... نعم، لقد رأيتني أكتب عن هذا الطريق المائي، وعن زبد البحر، والأمواج التي ترتفع قليلا لتكشف عن لون فيروزي يشبه في روعته لون الماء الذي يبلل أعصابي المرهفة حينها.


أول ما تمشي عليه العين: سرب من حمام غير مألوف
الوصول دائما عذب. إنه رغبتنا الأزلية التي نسافر لأجلها. في الطائرة فكرت: هل نحن البشر نسافر لنصل؟ قرأت أفكار الذين سافروا والذين نووا السفر فلم أجد حدثا أكثر قداسة من الوصول.
عبرنا الممر الهش بين الباخرة وأرض الميناء، ودع صديقي رفقة طيبة، وتشبثت بيد جليسي الذي يشبه الطيف، حتى إنني التزمت الصمت قليلا ونحن نجتاز البوابة الصغيرة، كنت وقتها مجموعة أَناسيّ: متحضِّر يخرج من مدينته إلى مدينة أخرى لمجرد التجول، وبدائي عشق صوت الماء، والأغصان المتمايلة، بالرغم من توجُّسه وتردده، وآخرون كثيرون كانوا يطلبون مني أن أحتفظ لأجلهم بالكثير من الصور. وهم الذين سرقوا مني ربع وقتي.
أول شعور انتشر في دمي عند الدخول كان غريبا، شعرت بالانتماء إلى المكان فجأة، فالتمثال الذي ينتصب أمامي بضخامة بنيتة منقوش في تلافيف دماغي، والبيوت الشاهقة خلفه هي جزء من تخيلات سابقة لم أعان في استذكارها، والناس هؤلاء هم أقاربي الذين تربطني بهم شهوة الاغتراب ذاتها. 



إطلالة على البحر من أعلى الجزيرة
سلكنا طريقا ضيقا، أرصفته مجموعة كبيرة من الناس والدكاكين، وهو يستطيل متفرعا وعاليا وهابطا بلا نهاية. إن المكان هنا أكثر حميمية من أي مكان يعج بالأبواق والغازات في العالم، القليل جدا من السيارات الرسمية تسير بطمأنينة، ويمر بك كل الوقت أناس منزوعوا الملامح يتمكنون من قيادة دراجاتهم في الزحام، والذين أغرموا من قبل بنمط الحياة الأكثر قدما ركبوا عربات تسير بها الخيول، ويوجهها حوذي سريع الغضب. أما نحن فمشينا، أردنا أن تتشبع أجسادنا بالطرقات، وأردنا أن نعبئ أعصابنا الجافة بهذه المدركات والمثيرات الحسية الكثيرة.

وارتفع داخل جمجمتي صوت رائع
في طريقنا إلى الداخل، كانت الشوارع تقل سعة، وتحتمل الأشخاص الذين يتمتعون بالهدوء، وكانت وجوه جديدة تظهر وتنبهنا إلى وجودها. إنها قوية الحضور لما تحمله من الأزلية والفن. واحد منها كان وجه رسام كاريكاتير، يمازح الجميع بلا تحديد، توقفت أتأمل تجاعيد ذراعيه، وارتفع داخل جمجمتي صوت رائع وغير مفسَّر. إنه يشبه شخصا مقربا: سيغموند فرويد.
تعمقنا في المشي، وتذوقنا البوظة، واستوقفتنا اللوحات الفنية المعلقة على عتبات بعض المحلات، تحسسنا القطع الخشبية والمعدنية برهافة، وجربنا القبعات المصنوعة يدويا، ولفتتنا روائح الأزقة الكثيرة كلما اقتربنا من وسط الجزيرة.

تساءلت: هل لو كنت ابن هذا المكان سأفتشه كما أفعل الآن؟ وأجبت مباشرة: كلا، فهنا أشكال لم تعرفها العين من قبل، وبداخلي إلحاح قوي، أشتهي رسم كل شيء في الذاكرة؛ وهذا جزء من شخصيتي كإنسان يعرف قيمة الوقت، إنني باختصار أود أن أتمكن من حفظ كل شيء هنا، لماذا؟ لأنني لا أريد العودة والاكتشاف، سأسافر إلى مكان آخر. 

الساحة الأولى والأخيرة
لا أدري كيف خرجت من إعصار الموسيقى ومحمود درويش، عندما افترشت العشب آمنا من الناموس والذباب، استنتجت أنني للتو كنت غارقا في "مديح الظل العالي" بينما أتجول بالدراجة الهوائية، وأطيل النظر في صناديق التوت البري. حقا عندما لامستُ العشب انتعشت ذاكرتي فطفقت أردد: "كم سنة.. كم سنة.. كم سنة".
الاستلقاء على العشب أسرنا أنا وصيديقي، فتنازلنا عن المضي إلى جزيرة أخرى، وتنازلنا عن عشاد كاديكوي، وتنازلنا حتى عن المزيد من التجول. هذه الساحة التي ينتصب فيها التمثال هي الساحة الأولى والأخيرة، وهي النقطة التي اتسعت، والتوسع الذي صار ضئيلا في الروح.
أنهينا بقاءنا هناك بالإسراف في التقاط الصور، كمن يعمِّق النفس النهائي من سيجارته الوحيدة في سجن أبدي، وركبنا أول باخرة إلى مينائنا كاباتاش... 

بكل لؤم، أسرعنا واخترنا المقاعد المشرفة على الماء. 

وجديدا كان الغروب في جسدي
أتابع ببطء كيف تغرب الشمس
أتكئ وحدي
أنا الآن وحدي وصديقي يلمس كتفي كل مرة
ليريني صورة ويسخر من صوري
لكنني كنت جديدا
وجديدا كان الغروب في جسدي
أرقب الجبال 
كيف تمسي ظلا؟
وأوزع اهتمامي بالأمواج

كيف تعود كقافلة خاسرة؟
وتشغلني فتاة حلوة الملامح
فأتذكر..
كيف كان النهار الدافئ؟
لكنني كنت جديدا
وجديدا كان كل شيء في جسدي
أتشمم الملح
وأترك أصوات الطيور الجائعة

أتركها تنطبع في روحي
لأنني مسافر
والمسافر يفعل كل شيء



يتم التشغيل بواسطة Blogger.