19‏/09‏/2015

كيف يكتب باسكال كينيار؟


باسكال كينيار
قال أحد الصينيين القدامى (كونغ سوين لونغ): "ثمة أفكار تتفرع من أي مكان، ثمة تأملات من دون نتيجة". الكاتب الفرنسي باسكال كينيار Pascal Quignard يكتب في ظل هذين "الاقتراحين الحاسمين" لرجل لم يكن "ينتمي إلى أي مدرسة". ولكن من هو باسكال كينيار؟الباحث عن جزء من حياة هذا الكاتب لن يعثر على الكثير، إنه محاط بهالة غموض عجيبة، ومع أنني لا أحب تقديم الكاتب بسيرته الذاتية، أجدني مضطرا إلى ترجمة بعض النتف المكتوبة بالإنجليزية، والتي هي بلا شك شحيحة أيضا.ولد باسكال كينيار في الشمال الفرنسي بمدينة فرنوي سور آفر  Verneuil-sur-Avre عام 1948. هذا كل ما وجدته! أما أعماله الأدبية فكثيرة وتختلف أهميتها بالنسبة للقراء في كل مكان، فبينما يعد كتابه "كل الصباحات في العالم  Tous les matins du monde"الأكثر شعبية خارج الوطن العربي، يهتم القراء العرب بـ "الجنس والفزع  Le sexe et l'effori" أكثر من أي كتاب آخر له.
روايته "الظلال الهاربة Les Ombres errantes" حصلت في 2002 على جائزة الأدب الفرنسي (غونكور)، ومثلت في فيلم عام 1991 كتبه كينيار برفقة المخرج والكاتب الفرنسي ألان كورنو. 

الشكر للمترجمة السورية روز مخلوف: ترجمة خلابة!
اقترح علي أحد الأصدقاء قراءة هذا الكتاب، وأخبرني بحماس أنه تكلم عن الجنس في الإمبراطورية الرومانية، ويذكر أسماء مثل الإمبراطور المنحرف "تايبيريوس" والرسام السادي "بارازيوس" الذي كان يعذب الناس ويرسمهم وهم يتعذبون، و"نارسيس"، و"ميدوزا وبريسيوس"، بالإضافة إلى قراءة تاريخية تحليلية للحياة الجنسية الإغريقية والرومانية.
لم أكن أقرأ كتابا في تلك الفترة، فبدأت أقرأ هذا "الجنس والفزع"، وعندما انتهيت منه، لم أتذكر إلا ما يتذكره أحدنا بعد حلم شهي.
هذا هو شأن باسكال كينيار، فليس هو الكاتب الذي يعطيك (ما بعد التفكير: الواضح، المنمنم، الملون بعناية)،  بل يجذبك إلى (التفكير نفسه: المعقد، المتأرجح بين الوعي واللاوعي) ويشركك معه.
في هذا الكتاب، يغوص الكاتب الذي يجيد الفرنسية واللاتينية والصينية والإغريقية في جذور الكلمة اللاتينية fascinus التي تعني "قضيب"، وبحث تاريخها واشتقاقاتها: افتتان fascination، أو فاشية fascisme. بأسلوب غير مستقر أبدا. كما يبحث كلمات أخرى، ويؤرخ لها. ويربطها بالأحداث اللاأخلاقية والوحشية والأسطورية التي نحتفظ بها في أذهاننا بوصفها حضارة رومانية.
يطارد باسكال شبح الجنس، ويحقق في تحوله من ضياء على وجه أفروديت، إلى ثعابين تحيط بوجه ميدوزا.
قلت إنني لم أحتفظ بذكرى واضحة لما قرأت، لكنني أستطيع أن أعود إلى الكتاب وأقتبس منه سطورا ظللتها بالأخضر الغامق.
* "الإنسان هو نظرة تشتهي صورة أخرى وتبحث عنها خلف كل ما تراه".
* "اجتاح الضعفُ العجوز فبكى.
صاح به بارازيوس:
- لم يصبح أنينك بعدُ أنين رجل يلاحقه غضب جوبيتر.
بدأ العجوز يموت. وبصوت عال خائر قال العجوز الأولنثيُّ لرسام أثينا:
- بارازيوس، إني أموت.
- ابق كما أنت.
كل لوحة هي تلك اللحظة".
* "يرتبط الخوف الأول بالظلام والوحدة. الظلام هو غياب المرئي، والوحدة هي غياب الأم أو غياب الأشياء التي تنوب عنها. يعرف الإنسان مشاعر الخوف هذه: خوف من السقوط في هاوية الرحم السحيقة المظلمة والتي لا شكل لها، خوف من أن يعود جنينا، من أن يعود حيوانا، خوف من الغرق، من السقوط في الفراغ، من الالتحاق بالعالم غير البشري".
وهذا المقطع الأخير هو أجمل ما احتفظت به من هذا الكتاب العميق، ولا أدري لم شعرت عندما قرأته بأنه يفسرني بطريقة ما!
* "كل حلم هو غرق داخل النفس وسقوط في رحم الأم، نوم الوليد شبه المستمر هو استمرار للحياة داخل الرحم، والواقع بالنسبة له، مثل اليقظة، ليس سوى لحظة جوع وبرد ورغبة أليمة. الشيخوخة تفصل الجسد رويدا رويدا عن النوم (المرتبط بالحلم) وتخرجه من الرحم إلى الموت (النوم المجرد من الأحلام)".
أردت بهذه الاقتباسات أن أستعرض لغة الكاتب، لغته التي هي مزيج من صرخة الشعر، وطبيعة النثر المتعالية، واستنباط الفلاسفة، وغرور اللغات القديمة. باسكال كينيار -مرة أخرى- لا يعطيكم خلاصة تفكيره (ما بعد التفكير)، بل يشارككم التفكير. فهو يفكر "من كل مكان"، وغالبا "من دون نتيجة".

الشكر للكاتب الجزائري والمترجم محمد المزيودي:
ترجمة جيدة، 
أشعر بارتباكها قليلا
سأرتاح في الكتابة عن هذا الكتاب؛ لأنني انتهيت منه أمس، ولم أزل أحتفظ بروحه ومادته. الكتاب صغير جدا (112 صفحة)، ولكنه متاهة. لا أراهن دائما على فهم كتابات "كينيار" و"جيمس جويس"، فأنا أتلذذ بعدم فهمها. وبالمناسبة، "الاسم على طرف اللسان" يشبه "عوليس" في جمله القصيرة، وعدم الترابط بين الكلمة والتي بعدها، والصفات التي تحتاج إلى وقت لإسقاطها على الموصوف، والاقتباس الحر لكتاب كثيرين، وهذه "البحلقة" التي ستلازمكم حتى النهاية.
أستطيع أن أجازف بتلخيص الكتاب في وصف واحد، إنه يحاول عزل اللغة عن الوجود الإنساني. "طرف اللسان tip-of-the-tongue" هي ظاهرة نفسية معروفة، وهي حالة من فقدان الكلمة الأصلية التي تتوفر معظم ملامحها في اللحظة. نعم، لقد مررنا بهذه التجربة، أن نشعر بوجود الكلمة حول شفاهنا، على ألسننا، ونتذكر حرفها الأول، وربما وزنها الصرفي، لكننا لا نستطيع إخراجها. إنها حالة مرعبة، وهذا الرعب هو النوع المفضل لدى كينيار. يبدأ الكتاب بمشهد سريالي، السيد (بوليز) واقفٌ يطارد بوظة سقطت أرضا، ويحاول أن يقطعها بسكين! فهمت من المشهد أنه كينيار يحكي بدايات تفكيره في تأليف حكاية، لكنني لست واثقا من هذا الاستنتاج. أراد كينيار حكاية "العجز اللغوي هو مصدر الحركة فيها".
القصة الرئيسة في الكتاب لا تتجاوز 32 صفحة. وهي من أروع القصص الرمزية التي قرأتها، بطلاها: الخياط بجورن، والخياطة كولبورن. لكنني سأكتفي بهذا الآن، ولن أذكر المزيد من تفاصيل القصة الرائعة، وأنصحكم بقراءتها وحدها إن لم تحبوا قراءة الكتاب كاملا. إنها تقع بين الصفحة 15 و 47. أنصحكم بشدة.

كما أراد كينيار، فإن العجز اللغوي هو المحرك الأول لأحداث القصة. النهار والظلال والبحر والارتباك والحركة هي ما تفقد الإنسان قدرته على السيطرة، الاقتران هو الغريزة الدافعة لكل ما يجري، اللغة وراء الأرق والجوع والعذاب النفسي، الظلمة الشديدة هي دائما التوقيت المناسب لاسترجاع اسم ضائع مثل "هيديبيك دي هيل".

لغز "الموت" يرهق باسكال في الكتابين اللذين قرأتهما، ففي "الجنس والفزع" ثمة قرابة شعورية بين الموت والحلم ولحظة ما بعد رعشة الجماع وسحر الأسطورة الذابلة، وفي "الاسم على طرف اللسان" كل من يرى عيني الإلهة ميدوزا يصير "حجرا".
يبرهن الكاتب لي على سهولة كتابة رواية بالنسبة له، لكنه يصر على أسلوبه الذي يشبه تارة صوت "الإلياذة"، وتارة عين "عوليس"، وتارة دهاليز "سارتر".
لم أزل أشجع على هذا الأسلوب، أي الذي لا يعطي كل شيء دفعة واحدة وبكل وضوح، أي الذي يجذب أفكار القارئ إلى أفكار الكاتب ويترك "النتيجة" قابلة للتغيير.
أدركت ذهني يشرد ويهرب بعيدا عن الشاشة الكبيرة المضيئة في وجهي، يهرب ويفكر في أمور قد تكون بعيدة كل البعد عن موضوع الكتاب، أدركت هذا الإحساس اللذيذ بالتلاشي، أدركت نفس الشعور الذي أدركته قبل سنوات وأنا أنشغل بقراءة "آدم إيسون" وأحاول ممارسة التنويم المغناطيسي على نفسي!

لا أزعم أنني أفهم كل ما يكتبه كينيار، ولا بعضه، ولا حتى قليله، لكنني أفهم تماما ما يريد، هو يريد أن يشعل شمعة في اللاوعي ويصلي كما صلى بجورن وكولبورن صلاتهما الأخيرة: "ندعوك يا رب، اجعل هذه الشمعة المكرَّسة لذكرى اسمك تحترق دون أن تنطفئ، من أجل تبديد ظلام هذه الليلة". 
و"ظلام هذه الليلة" يمكن أن يفسر بالعجز اللغوي القاتل، أو بشبح الموت، أو بانعدام اليقين، أو ربما فسرته أنا بمشهد لاحق في الكتاب، عندما يصف طفل حالة أمه وهي تتذكر اسما:

"كانت مضطربة وقصية، وكانت تحاول والعينان مثبتتان على لا شيء وتقدحان شررا أن تحضر إلى ذهنها الكلمة التي كانت على طرف لسانها، كنا نحن بأنفسنا على ضفة شفتيها، كنا بالمرصاد مثلها، كنا نساعدها بصمتنا، بكل قوة صمتنا، كنا نعرف أنها ستسترجع الكلمة الضائعة، الكلمة التي تسبب يأسها، كانت تنادي من بعيد مهلوسةً، طاقتَها المترنحة في الهواء. تهلل وجهها، عثرت عليه، تتلفظ به كما يُتلفظ بالروائع، كانت إحدى الروائع. كل كلمة تستعاد هي إحدى الروائع".

هذه إذن هي الليلة المظلمة التي يريد كينيار أن يلبسها نهارا. واختياره للمتكلم طفلا أخرس يفسر العجز والظلام تفسيرا بليغا. الطفل الأخرس يكبر، ويتكلم من خلال كتبه، وهذا الجزء المستقل من الكتاب المسمى "رسالة صغيرة حول ميدوزا" هو صوت الخرس اللغوي، وانعدام طرف اللسان.. هو الخروج من الليلة المظلمة والعودة إلى تطريز ثوب الوجود.

الإلهة ميدوزا
يتكلم الأخرس.. يا سلام، حقا يتكلم الأخرس عندما يكتب، وهو في حالة الكتابة هذه يتكلم.  أما عن العلاقة بين القصة والإلهة ميدوزا فهي مبهمة، لكن كينيار يصرح بأن وجه ميدوزا (الثعابين حول وجهها، فمها المفتوح، ملامحها الجحيمية) يشبه وجه أحدنا وهو عاجز عن اللغة، يشبهني وأنا أكتب الآن، أو يشبهكم وأنتم تقرؤون، أو يشبه تلك الأم وهي تحترق في الذكرى. وجه ميدوزا هو الصراخ الإنساني في وجه الموت، وهو أيضا الذي يخيف "بريسيوس" فيجعله يصقل درعه ويتجنب النظر إلى عينيها قبل أن يقتلها... كي لا يصير حجرا.
لغة باسكال كينيار فريدة، وخاصة. فهو لا يبجل العرف اللغوي والموسيقى الإيقاعية للمفردات التي تتكرر في كل مكان، أحكم هنا على لغته المترجمة لا الأصلية التي كتب بها كتبه، وبلا شك سأبتعد قليلا عن الحقيقة.
يتجنب الكتاب العالميون التعبيرات غير المألوفة غالبا، فجمل مثل "الكلام بخرَس"، "الكلام ببكم"، "رصد الكلمة الناقصة"، تحتاج إلى وقت للتفكير فيها، ومعظم القراء لا يفضلون التفكير العميق في ما تحويه "الكلام ببكم" من توسع في التأمل. لذا ربما لا نجد الكثيرين من هواة القراءة له، بل لقد قرأت لبعضهم يعترض ويتهمه بالغموض. حقا هو غامض، ولكن ألا يكفي أن الكثيرين واضحون وملموسون؟!
لقد قرأت كتبا غامضة وتحتاج إلى تفكير عميق لكن غموضها كان تقصيرا لا عمقا، كتابات كينيار عميقة، وهذا لا يمكن أن يكون اعترافا معززا بدليل، بل هو شعور ألمسه لمسا، وهو ما يعينني على مواصلة القراءة.
الترجمة لباسكال كينيار مرهقة، وكذا القراءة له. سأحاول الآن أن أنهي تدوينتي بالاقتباس من "الاسم على طرف اللسان.


* "الاسم على طرف اللسان يذكرنا بأن اللغة ليست فعلا منعكسا في دواخلنا، وبأننا لسنا حيوانات تتحدث كما ترى".
* "وكنت أناديها موتِّي mutti. أصبتُ بالخرس. نجحت في الاعتزال في هذا الاسم الذي أعز من اسم أمي، والذي كان لسوء الحظ إيعازًا. لم يكن اسما على طرف لساني، ولكن كان اسما على طرف جسدي، وكان صمت جسدي هو الوحيد القادر على جعل الحرارة موجودة بالفعل".
* "لا أكتب عن رغبة، عن عادة، عن إرادة، عن مهنة. أنا أكتب كي أبقى على قيد الحياة".
* "التلذذ يتمنى النوم حيث يسقط، إنه يريد الليل، الذي هو دائما الليلة الأولى، والتي هي دائما الليلة الأخيرة".
* "في سنة 1899، كتب سيغموند فرويد فجأة في كتاب عن الحلم هذه الجملة التي تُسقط بشكل عنيف الفكرَ أرضا، والتي تملأ دفعة واحدة كل اللغة عارا: "الفكر ليس شيئا آخر غير بديل عن رغبة مهلوسة". من جهة، كل فكر من ناحية الأصل كاذب، ومن جهة ثانية، كل كلمة هي كذب".
* "شخصيا، أعترف أن ما أبحث عنه من خلال الكتابة هو العجز".

16‏/09‏/2015

انطباعات عن اسطنبول (2)



إلى جزر الأميرات
الجزيرة هي المكان الذي يفضله القادمون من الصحراء، بل هي في الواقع مكان مفضل لدى الجميع، إنها وطن تحتفظ به الذاكرة منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، وبكل بساطة تسهل ملاحظة بقعة من الخضرة يطوِّقها الماء، ويسهل التعلق بها. نفيت نفسي إلى الجزيرة الكبرى Büyükada بين تسع جزر تتراصُّ في بحر مرمرة. إنها منفى غير المستقرين، والباحثين عن الهدوء، الهاربين من الضجيج المدني. 
خططت لزيارة جزر الأميرات بعد الوصول مباشرة، لكنني أخطأت حين نويت زيارة أكثر من جزيرة، ثم التوقف في منطقة كاديكوي Kadıköy للسير بطمأنينة في شارع بغداد، وتناول عشاء آسيوي. استهلكت منا الجزيرة الكبرى كل الوقت، ولأن فينا غريزة قديمة أستطيع تسميتها "تفضيل الاستقرار" لم نفضِّل الانتقال إلى جزيرة أخرى عندما سمعنا صوت الباخرة وهي تغادر. أو لقد "خفنا" من كون الجزيرة القادمة سيئة الحال بما يكفي لإفساد المتعة التي منحتنا إياها مظاهر الجزيرة التي نحن فيها. 
خرجنا من الوجه الأوروبي لهذه المدينة الملهمة، متهيِّبين من التجربة الأولى، نستنشق هواء البسفور الذي هو مزيج من المآذن الرخامية العالية والمقاهي المتواضعة المنبسطة بحرية على ميناء كاباتاش، وأنفاس الناس المندفعين بلهفة نحو الصيف. 
وشيئا فشيئا، تابعت أفكاري وهي تتخذ شكلا آخر كلما بدت اسطنبول الأوروبية تصير أكثر غموضا. أدركت أنني منجذب إلى الوجهين كطفل خيرته شقيقتاه: أينا أجمل؟ وحدث أن تسرعت باختيار مقعد وضاع صديقي في الزحام فاختار مقعدا آخر خلفي، فاضطررت إلى اختراع جليس لي من ذاكرتي، وتصفحت هذه اللحظات التي أكتب فيها الآن... نعم، لقد رأيتني أكتب عن هذا الطريق المائي، وعن زبد البحر، والأمواج التي ترتفع قليلا لتكشف عن لون فيروزي يشبه في روعته لون الماء الذي يبلل أعصابي المرهفة حينها.


أول ما تمشي عليه العين: سرب من حمام غير مألوف
الوصول دائما عذب. إنه رغبتنا الأزلية التي نسافر لأجلها. في الطائرة فكرت: هل نحن البشر نسافر لنصل؟ قرأت أفكار الذين سافروا والذين نووا السفر فلم أجد حدثا أكثر قداسة من الوصول.
عبرنا الممر الهش بين الباخرة وأرض الميناء، ودع صديقي رفقة طيبة، وتشبثت بيد جليسي الذي يشبه الطيف، حتى إنني التزمت الصمت قليلا ونحن نجتاز البوابة الصغيرة، كنت وقتها مجموعة أَناسيّ: متحضِّر يخرج من مدينته إلى مدينة أخرى لمجرد التجول، وبدائي عشق صوت الماء، والأغصان المتمايلة، بالرغم من توجُّسه وتردده، وآخرون كثيرون كانوا يطلبون مني أن أحتفظ لأجلهم بالكثير من الصور. وهم الذين سرقوا مني ربع وقتي.
أول شعور انتشر في دمي عند الدخول كان غريبا، شعرت بالانتماء إلى المكان فجأة، فالتمثال الذي ينتصب أمامي بضخامة بنيتة منقوش في تلافيف دماغي، والبيوت الشاهقة خلفه هي جزء من تخيلات سابقة لم أعان في استذكارها، والناس هؤلاء هم أقاربي الذين تربطني بهم شهوة الاغتراب ذاتها. 



إطلالة على البحر من أعلى الجزيرة
سلكنا طريقا ضيقا، أرصفته مجموعة كبيرة من الناس والدكاكين، وهو يستطيل متفرعا وعاليا وهابطا بلا نهاية. إن المكان هنا أكثر حميمية من أي مكان يعج بالأبواق والغازات في العالم، القليل جدا من السيارات الرسمية تسير بطمأنينة، ويمر بك كل الوقت أناس منزوعوا الملامح يتمكنون من قيادة دراجاتهم في الزحام، والذين أغرموا من قبل بنمط الحياة الأكثر قدما ركبوا عربات تسير بها الخيول، ويوجهها حوذي سريع الغضب. أما نحن فمشينا، أردنا أن تتشبع أجسادنا بالطرقات، وأردنا أن نعبئ أعصابنا الجافة بهذه المدركات والمثيرات الحسية الكثيرة.

وارتفع داخل جمجمتي صوت رائع
في طريقنا إلى الداخل، كانت الشوارع تقل سعة، وتحتمل الأشخاص الذين يتمتعون بالهدوء، وكانت وجوه جديدة تظهر وتنبهنا إلى وجودها. إنها قوية الحضور لما تحمله من الأزلية والفن. واحد منها كان وجه رسام كاريكاتير، يمازح الجميع بلا تحديد، توقفت أتأمل تجاعيد ذراعيه، وارتفع داخل جمجمتي صوت رائع وغير مفسَّر. إنه يشبه شخصا مقربا: سيغموند فرويد.
تعمقنا في المشي، وتذوقنا البوظة، واستوقفتنا اللوحات الفنية المعلقة على عتبات بعض المحلات، تحسسنا القطع الخشبية والمعدنية برهافة، وجربنا القبعات المصنوعة يدويا، ولفتتنا روائح الأزقة الكثيرة كلما اقتربنا من وسط الجزيرة.

تساءلت: هل لو كنت ابن هذا المكان سأفتشه كما أفعل الآن؟ وأجبت مباشرة: كلا، فهنا أشكال لم تعرفها العين من قبل، وبداخلي إلحاح قوي، أشتهي رسم كل شيء في الذاكرة؛ وهذا جزء من شخصيتي كإنسان يعرف قيمة الوقت، إنني باختصار أود أن أتمكن من حفظ كل شيء هنا، لماذا؟ لأنني لا أريد العودة والاكتشاف، سأسافر إلى مكان آخر. 

الساحة الأولى والأخيرة
لا أدري كيف خرجت من إعصار الموسيقى ومحمود درويش، عندما افترشت العشب آمنا من الناموس والذباب، استنتجت أنني للتو كنت غارقا في "مديح الظل العالي" بينما أتجول بالدراجة الهوائية، وأطيل النظر في صناديق التوت البري. حقا عندما لامستُ العشب انتعشت ذاكرتي فطفقت أردد: "كم سنة.. كم سنة.. كم سنة".
الاستلقاء على العشب أسرنا أنا وصيديقي، فتنازلنا عن المضي إلى جزيرة أخرى، وتنازلنا عن عشاد كاديكوي، وتنازلنا حتى عن المزيد من التجول. هذه الساحة التي ينتصب فيها التمثال هي الساحة الأولى والأخيرة، وهي النقطة التي اتسعت، والتوسع الذي صار ضئيلا في الروح.
أنهينا بقاءنا هناك بالإسراف في التقاط الصور، كمن يعمِّق النفس النهائي من سيجارته الوحيدة في سجن أبدي، وركبنا أول باخرة إلى مينائنا كاباتاش... 

بكل لؤم، أسرعنا واخترنا المقاعد المشرفة على الماء. 

وجديدا كان الغروب في جسدي
أتابع ببطء كيف تغرب الشمس
أتكئ وحدي
أنا الآن وحدي وصديقي يلمس كتفي كل مرة
ليريني صورة ويسخر من صوري
لكنني كنت جديدا
وجديدا كان الغروب في جسدي
أرقب الجبال 
كيف تمسي ظلا؟
وأوزع اهتمامي بالأمواج

كيف تعود كقافلة خاسرة؟
وتشغلني فتاة حلوة الملامح
فأتذكر..
كيف كان النهار الدافئ؟
لكنني كنت جديدا
وجديدا كان كل شيء في جسدي
أتشمم الملح
وأترك أصوات الطيور الجائعة

أتركها تنطبع في روحي
لأنني مسافر
والمسافر يفعل كل شيء



14‏/09‏/2015

انطباعات عن اسطنبول (1)




سأصف في سلسلة تدوينات قصيرة انطباعاتي عن مدينة اسطنبول كمكان، لن أهتم بالتفاصيل التاريخية أو الأثرية، ما يهمني هو تجربتي النفسية التي أذكر منها الآن رذاذا من الذكريات الشعورية اللذيذة، والقاسية. 
كانت اسطنبول خيارا جيدا لي ولصديقي، وبالرغم من موعد الرحلة الذي كان غير مناسب، والعقبات التقنية التي واجهناها في مطاراتنا، وصلنا أخيرا، متأخرين بيوم واحد في 16 أغسطس هذا العام. 
هذه الصورة تشرح الارتياح الذي يمكن أن يشعر به مسافر ما وصل إلى مدينته التي انتمى إليها بطرق غامضة... الجبال ترتدي اللون العشبي وتتكئ على حواف الماء، أو الماء يتحرش بأطراف الجبال ويلمسها لمسا خفيفا. تشعرون أن دفتر الأفكار الذي تكون لديكم في الطائرة عن هذا المكان صار يرغب بتمزيق نفسه، وتكتشفون مشكلة من نوع ما، إنها هوس التصوير العالمي، فنحن في الواقع صرنا نفرض على أنفسنا التقاط المشهد قبل كل شيء. لكنني أظن أنني تغلبت على هذا التوق الشديد لالتقاط كل تحرُّك أو سكون، وفضلت تذوق الصورة ثم التقاطها؛ لذا عدت بصور أقل مما يجب! 
مقارنة بالمكان الذي سافرت منه، كانت اسطنبول أشبه بشريط لفيلم شاهدته مرارا لكنني حظيت بعد وقت بفرصة الدخول فيه وتمثيل أفكاري. قرأت كثيرا في منتديات السفر العربية (التي تذكر كل شيء عن أي شيء)، واستمعت إلى الموسيقى التركية، وتصفحت بعض روايات أورهان باموق، واحتفظت داخل جمجمتي (هذا تعبير قهري بالنسبة لي!) بمدينة رائعة كانت تنقصها الخيبة لتكتمل. إنني أعتقد أن كل مدينة في العالم تستطيع أن تخيِّب قاصديها بأسلوب تتعلمه عبر الحضارات. إنه ذلك الإحساس الذي يمحو كل توقعاتك ساعة الدخول، وينسيك انطباعاتك ساعة الخروج. وحقا، لم أزل في حالة يمكنكم أن تجدوا لها شبيها في فيلم Waking life من ناحية البعثرة والتماهي في مكانين متفاوتين كل التفاوت. 

أقلعنا من قطر إلى اسطنبول وفي بالنا وسواسان: الأول أننا سنواجه الكثير من النشَّالين، الثاني أن علينا أن نصل. ولكننا ما إن أوشكنا أن نهبط حتى بدأت إيقاعاتنا الداخلية تمسي أكثر ترتيبا، نعم، فها هو الواقع وها نحن. 

إن "خيبة" اسطنبول التي قدمتها لي ولصديقي هو انشقاقها إلى جانبين: آسيوي وأوروبي. وهذا هو ما شجعنا على تناول عشائنا الأول في مطعم صغير على مضيق البسفور.  

في الليل..
يهجع الضوء متوسِّدا هذه القوارب التي تتراقص
تغرق أنت في تفكير مستمر
ثم تخرج لتجفف أعصابك بالنسيان 
الذي تمنحه لك نسمات تهب لأجلك
وسفينة صاخبة تدور حول رأسك. 

إذا تعلق الأمر بالتفضيلات الشخصية، فإن المشي بعد منتصف الليل بالقرب من مضيق البسفور من أفضل ما يمكن أت تفعلوه هناك، يهبكم استقرارا تدركونه بسهولة، ويغذي أنفسكم بالشعر الحقيقي. قعدنا في مقهى فسيح، يمتد بحرية على البحر، وتضيئه مصابيح هادئة، ويقدم الشاي فيه نُدُل لا يعرفون الإنجليزية، ولا تستطيع -في حالتنا- أن تخاطبهم بالعربية، لكنهم سيرضونك بتجهُّم وعناية تركيين. لاحظت أن الأتراك بصفة عامة متحفظون، أقصد ليسوا مثلنا نحن السعوديين الذين نميل إلى اللغة الشعورية في الكلام. كما لاحظت أنهم يؤدون أعمالهم جيدا. 


لأن يوما كاملا فاتنا بسبب تأجيل رحلة طيران، قررنا أن نستمتع بأقل عدد من الأمكنة. فكانت وجهتنا صباح اليوم التالي جزر الأميرات... 



انتقادات بالجملة (1).



كان عليّ منذُ البدء. منذُ أن قتلتَ حبي عن طريق الخطأ كما تقولُ ولا تعتذر أن أتخلّى عن كلّ هذه الهزالةِ وأتحرّر ولكنني الآن وصلتُ إلى مرحلةٍ بائسةٍ فأنا أمٌّ لطفلين من رجلٍ لا أحبُّه!

مشكلتكِ أنك تُعزين جمال النّساء وأناقتهنّ لغرض الإيقاع بالرّجال. يا صديقتي، أن يقع الرجلُ في حبّ امرأةٍ ليس تعبيرًا دقيقًا.
لا بدّ أن يطير على أقلّ تقدير. وحتى تكون أنثى حقيقيّة لا يجب أن تخطط لكلّ هذا!


لقد قلتُ أمامك "آه" مراتٍ لا تُحصى. أعرفُ جيدًا أنك لا تملكُ تقنيةً ناجعةً لتخفف عني. ولكنني لم أكن أعتقدُ أنك بخيلٌ بما يكفي حتّى لا أسمع صداها في داخلك.


إنك تعيشُ في وهم الماضي الذي جمعنا يومًا على مقعدٍ خشبيٍ في حديقةٍ عامة. الماضي أصبحَ شاذًّا، المقعدُ لم يعد لنا والحديقة صارت لفقيري المأوى وليس للعشاق الذين يجدون الأوطان بسهولة. لذلك.. توقّف عن إهدائي الأغنيات الحزينة عبر الإذاعة وإرسال العبارات المُشبعة بالحنين. إنني أزهرتُ بطريقةٍ تمنعني من العودة نحو يباسكَ ولا بدّ أن تزهر أيضًا!


وعندما أرقصُ حولكَ فإنني لا أقصدُ إغراءك أو جرّكَ نحو قبلة. في الحقيقة إنني لا أراكَ أبدًا. أكونُ مشغولةً باكتشاف الفراغ المحيط بي وبتجديد ربيع الحبّ بيني وبيني. إنني لا أنتقصُ من رجولتك حتمًا لكنني أدعوكَ أن ترقص معي ذات مرة وألا تتخذ موضع المتفرّج الذي ينتظر فرصته العاطفية بسذاجه!


البحرُ الهائجُ والحظُّ العاثر كما تقول العجائزُ لا دخل لهما في غرق مركبنا يا عزيزي. إننا سؤولان عن كلّ هذا وعلينا الآن أن نتنفس تحت الماء وننجو، وعندما نصل إلى البرّ سوف نتجادل كثيرًا وسوف نقرر إن كنّا قادرين على الإبحار مرةً أخرى!


لم يكن مطلوبًا منك أن تحبّني كذبًا. كنتُ أفضّلُ ألا تُعيرني اهتمامك في تلك الليلة على أن تقدّم لي زهرة وتمنع عني الماء في المقابل وأنت تدرك أنني حزينةٌ وجافّة.


إن كنت تريدُ السّفر قبل أن نلتقي فأنا لستُ مستعدةً أن أتعرّف عليك في الغربه!

لا يهمّني أن أعرف تفاصيلك فإنّ شكلك العام لم يعجبني. إنك تتحرك بطريقة متكلّفة، ومن ثمَّ هل هناك طفلٌ مجنونٌ يأكل "الكُنافة" بالشوكة؟ هذا يعتبر دليلًاعلى أنك ستوبّخني إن لطّختُ وجهك بالشوكولا ذات مرة. وإن هذا لا يناسبني. وبالمناسبة إن العصير الذي طلبتَهُ لي لم يعجبني أيضًا.

لم يكن اختلافنا ليُسبّب مشكلةً لو أننا ناقشناه منذ البداية وأحببناه واشترينا له المثلجات. لكننا تركناه يتسوّل طويلًا في شوارع خطيرة. يبيعُ المناديل المعطّرة وينظف الأحذية ويختلط مع تجار المخدرات ويقبّل في الأزقة المظلمة ومن ثم ينكر لون الحمرة على شفاهه. إننا لم نؤمن بقدرته وبإمكانية أن يتحوّل إلى سبب مدهشٍ لنعشق بعضنا أكثر. لقد فسد الآن لدرجة عجزنا عن إصلاحه وصار عبئًا ثقيلًا، فلنتابع كيف ينقلب علينا ويقتلنا. وليمت حبّنا بصمت وهو راضٍ بالنار التي نستحقها عن جدارة. وأن نستحق النار عن جدارة فهذا بحدّ ذاته إنجاز!


وحين أرتدي الفستان الأسود أصبح جميلةً بطريقةٍ تعجزُ فيها عن إحاطة أنوثتي بالكامل. عندها أفضّلُ صمتنا الطويل واشتراكنا في أكل فطيرةٍ من الزّعتر ومتابعة نملةٍ صغيرةٍ تتمشى على ذراعك!


لم تكن بدايةً ولم تكن نهايةً أيضًا. وقفتَ في المتتصف ورحتَ تتفرجُ على حوادث ارتطامي المتكررة بجدارك. لا يقهرني ألمي ولكن يقهرني عجزُ سقوطي المستمر عن إحداث طاقةٍ للنور في داخلك!


لم تكن أم كلثوم التي لا أحبها كثيرًا مخطئةً حين سألتك بحزمٍ وهي تهزُّ بدنها ومنديلها " إنت عارف ئبل معنى الحب إيه؟" لكنني كنتُ أرجو أن تكون شجاعًا بما يكفي لتوجّه لها ذات السؤال!




12‏/09‏/2015

سماوات جائعة: لقاء صحفي (2)



إحدى الصور التي اخترتها لغلاف الطبعة الأولى
 رفضها المصمم قائلا: مخيفة!

لم أنم إلا متأخرا ذلك اليوم، أنا لا أهتم بالصحافة والثرثرة، لكن صحفيا يقول (دعنا نتقلْ) سيهمني جدا أن يحتفي بي. سهرت أراجع لقاءنا الذي اختزتنه ذاكرتي، هل قلت ما يجب قوله؟ أظن أنني تسرعت في وصف الرواية بالأفكار المختلفة التي تريد أن تبقى، سأهاتفه صباحا وأطلب منه حذف هذا الجزء.. لا إنني في هذا الوقت أراه وصفا دقيقا، لكن...
نمت أخيرا، ولا أدري متى بالضبط، ثم استيقظت منقَّحًا وجيد المزاج، مارست نشاطاتي اليومية، ثم تهيأت للقائنا عصرا. أرسل رسالة قبل الموعد يعتذر عن احتمال أن يتأخر عشر دقائق، فدهشني.. معقول؟ أعرف إعلاميا وعدني بكتابة مقال عن الرواية بعد نشرها لأول مرة، والآن مرت سنة تامة وثمانية عشر يوما ولم تزل رسالته "لاحقا"، وأعرف شخصا... لن أستطرد. سأنقل لكم اللقاء مباشرة.
جاء بعد عشر دقائق معتذرا ومكررا الاعتذارات، ثم افتتح اللقاء بسؤاله:
- أستاذي، لاحظت اليوم وأنا أعيد قراءة الشخصيات أن ثمة تفاصيل غير متينة، مثلا: فراس هو أستاذ علم أدوية. لقد جربت أن أجعله "أستاذ أحياء" فلم أواجع صعوبة تذكر.
- نقد في محله يا أستاذي، تركيبي للشخصيات كان منحازا إلى دورها في تمثيل الفكرة، ولم أهتم كثيرا ببعض التفاصيل التي لا تؤثر كثيرا في انفعال الشخصية مع واقع القصة. لاحظ أننا لن نستطيع أن نجعل فراسا "معلم تربية بدنية" أو "طبيبا".
- ما هو سبب هذا التراخي برأيك؟
- "تراخي" هي كلمة مناسبة، أنا أتهم لغتي السردية، فأنا أستطيع أن أصفها بالجيدة من ناحية إيصال الصورة والحركة، وبالسيئة في بناء شخصية مستقلة لها تيار وعي خاص.. أذكرك هنا بأن الشخصيات تبدو أمتن في الطبعة الثانية، إذ قرأت خلال هذه السنة الوحيدة الكثير من الأعمال الأدبية.
- أهمها؟
- "الخبز الحافي" لمحمد شكري، "شجرة اللبلاب" محمد عبد الحليم، روايتان لجوستاين غاردر.
- يبدو أننا نلتقي عند جوستاين غاردر، فقد قرأت له "عالم صوفي".
تكلمت مع نفسي مشدوها: صحفي سعودي يقرأ فلسفة؟!
ثم انتبهت إلى سؤاله التالي:
- لماذا لم ينشر رمزي الطبعة الثانية ورقيا؟ ألا تشعر أنها تحسنت بما فيه الكفاية؟
- لن أفعل هذا مع هذه الرواية بالذات، هل تعرف معنى أنني شعرت بالقرف من دور النشر العربية؟
- هناك دو...
- يا سيدي، راسلت الكثيرين، كلهم كانوا بائسين يعيدون طباعة رواياتهم المربحة، ويلغون عقودهم مع الكتاب غير الرائجين.
- ألن تحاول؟
- لأجل من؟
- القارئ العربي.
بحماس قلت:
- لأجل كل القراء أوفرها مجانية ولا أبيعها.
- إذن، فلتسمح لي بالانتقال إلى نقطة ذات أهمية.
- فلتتفضل.
- أعجبني مشهد فراس عندما يغضب من نجوى ويخرج ليسبح ساعات طويلة.. هذا المشهد الذي ينتهي بتمزيق فراس لرفيقه أمل "مجسم الدانبو". هل قصدت بهذا الفعل "التمزيق" أن تنهي علاقة فراس بالوهم؟
- يا سلام، قراءة ممتازة.
- قصدت أم لم تقصد؟
- الرمزية في المشهد واضحة، لقد مزق فراس صورته الأخرى الجمادية، وقرر أن يصير إنسانا.. ولقد حاولت إقناعه طويلا.
- حاولت إقناعه؟
- آه، تعبت كثيرا وأنا أكتب النسخة الثانية، حاورت هذه الشخصية الرئيسة عدة مرات ودرستها بما لدي من معلومات نفسية.
- وهل نجحت؟
- ما ترى أنت؟
- رأيي الشخصي أنك تطورت، وربما هذه كلمة تعجبك أكثر من غيرها.
ضاحكا علقت:
- نعم.. أكيد.
- لقد اخترت قرية "مزهرة" مكانا لميلاد فراس وشوبق، وبهذا جعلت القرية التي تسكنها وطنا. هل تعمدت هذا؟
- إنها القرية التي أعرف عنها الكثير، هذا ما جعلني أختارها، كنت أبحث عن قرية من قرى جازان لأجري فيها الأحداث الواضحة والغامضة التي صنعت فراسا، ولم أكن متفرغا لدراسة أوضاع القرى الأخرى. فمزهرة هي "لجوء أدبي" لو كنت ممن يحبون المصطلحات الاعتباطية.
- مزهرة.. ثم الدمام.. ثم سوريا.. وإذا واصلنا القراءة سنكتشف لبنان. هل كل المدن الأخرى لجوء أدبي؟
- لا. فالدمام هي اختيار فراس لا اختياري. ولبنان هي مكان منطقي للقاء بين رجل أعمال سعودي وكاتبة سورية، وسوريا هي مكان مناسب لإخراج امرأة كنجوى ستستطيع أن تعلم فراسا كيف يعيش صادقا مع نفسه.
- لكن يبدو أنك لم تكن تعرف الكثير عن المدن الأخرى.
- معك حق. فقد قصرت كثيرا في المجال الوصفي للأمكنة، وهو عيب يأخذه علي أساتذتي الكبار. السبب هو أنني عجول.
- ولم العجلة؟
- سماوات جائعة جاءت في وقت حاسم من حياتي، أردت في أسرع وقت أن تكون لي تجربة مكتوبة.
- لم أفهم تماما معنى "وقت حاسم"، لكنني سأتساءل عن التجارب السابقة لو أمكنك الإجابة؟
- بلا شك. كتبت أولا قصة تعليمية لعلم العَروض في 2011، وأعددت ديوان شعر في 2013. لكنني لم أقتنع بأي منهما. وهذه الرواية جاءت لتحدد موقفي مما أكتب، هل سأملك شجاعة نشره أم سأنساه؟
- وكنت تعي سيئات العجلة؟
متفكِّرًا نطقت:
- أعيها جدا.
- سيدي، إذا أردنا نحن القراء الفضوليين أن نعرف ما الذي منحته سماوات جائعة لرمزي؟
- منحتني الثقة، والأصدقاء الجيدين، والأكثر من هذا أنها منحتني توجها جديدا في الحياة.
- ستشرح لي هذا التوجه إن أبديت رغبتي؟
- إنه التوجه الفني عموما، عندما كتبت القصة لم أكن أعرف نهايتها، لكن فراسا ونجوى علَّماني أن أفكر فيهما، ليس من حيث هما شخصيتان متخيَّلتان، بل من حيث هما وجودان مستقلان.
سكت كأنه يعيد النظر في كلامي، ثم قال بود:

- لن تكون عجولا في المرات القادمة، بالمناسبة أما من عمل قادم؟
- نعم، رواية ثانية، أعدك بأن أصبر عليها!
- وستنشرها إلكترونيا أيضا؟
- بالتأكيد.
- سأنتظرها يا رمزي..
تردد قبل أن يقول:
- في الحقيقة، لقد أسعدني لقاؤك، وأدرك الآن أن أمامي مهمة صعبة، وهي أن أنهي هذا اللقاء، لأستطيع جمعه كله في مقالين على الأكثر.
- أنا أكثر سعادة، ولست بحاجة إلى أن.. (طوووط).
نظرت في شاشة الجوال فإذا بها تعرض صفحة الملاحظات التي كنت أكتب فيها، أينك يا أستاذ..؟ يا أكثر الصحفيين أدبا؟ هيييه!!
ثم شعرت ببعض الأمل في مواصلة النداء: يا صاحب (دعنا ننتقلْ)، ألن ننهي اللقاء؟
فلم يعد، وعندما توجهت إلى قائمة الاتصالات، لم أجد رقمه المميز.

* اللقاءان متخيَّلان كما هو واضح. 


11‏/09‏/2015

سماوات جائعة: لقاء صحفي (1)



غلاف الطبعة الثانية 2015، تصميم: عادل حكمي

هذا ما حصل لي، شكرا للصحافة السعودية، شكرا كثيرا. سأوضح الآن بعض الأمور. حدث في لحظة من لحظات شتاء 2014 أن كنت في مدينة الدمام، وهي مدينة حبيبة أفضل زيارتها. وبينما كنت أستمتع بالبرد الذي يهجم ليلا على الشواطئ والمقاهي ويعطي أحدنا ثقة خاصة بنفسه وبدفئه، قررت أن أكتب رواية. لم أعرف شيئا إلا أنني قررت ثم نسيت الأمر تماما، ولم أكن كاتب قصص إلا نادرا، بل كنت شاعرا مقلا. وعندما عدت إلى جازان بعد عدة أيام اندفعت بإحساس شديد بضرورة تفريغ خبراتي الشعورية السابقة في قصة طويلة. وفي الحقيقة، لم أستطع التمييز بين ما يسمى القصة الطويلة والقصيرة والرواية، فكلها كانت عندي فيلما أود أن أخرجه أنا، وأشتهي أن أكون جزءا منه. 
دعوني الآن أكن مملا، سأنتقل إلى موضوع آخر، ركزوا معي...
بعد أن نشرت روايتي الأولى (سماوات جائعة)، لم يتحرك شيء حولي، كنت الوحيد القارئ والكاتب والناقد العابس الذي يبحث عن الأخطاء الزمنية. أعجبتني لوحة الفنان البلجيكي رينيه ماغريت "العاشقان"، خصوصا بعد قراءة القصة التي نُسجت حولها، فاخترتها لتجسد حرمان "فراس" وبُعد "نجوى". 
قلت إنني كنت وحدي عالم القراء الذي التهم هذه الرواية، وصارت "الأكثر مبيعا في عالمي"، حتى إنني صدقت ذات مرة أن روايتي تحظى بانتشار مشرِّف. 


غلاف الطبعة الأولى 2014، تصميم: عادل حكمي
بقيت لمدة سنة كاملة أقرأ النص الذي حفظته بين الوقت والآخر، وأحاول رمي الروابط هنا وهناك، فأسعد حين أحظى بأستاذ من أساتذتي يقول لي: "سماوات جائعة ليست رواية"، حقا؟ رائع، سأكتب "ليست روايات" أخرى، ولا أدري ما الذي منعني أن أصنف (سماواتي الجائعة) في الطبعة الثانية "ليست رواية". لكنني وجدت حافزا كافيا في بعض ردود القراء الأوائل، واستنتجت أن علي القيام بالتالي: تقليص عدد الصفحات الذي وصل إلى 299 في الطبعة الأولى، وترتيب الفصول واستبعاد بعض الشخصيات ضعيفة الحضور. 
هل قلت الطبعة الثانية؟ سأدخل الآن في صلب موضوعي. لقد هاتفني مساء عند العاشرة، بالتأكيد هاتفني قائلا:
- الأستاذ رمزي الحكمي؟
فقلت بتردد:
- هلا.
كانت لغته جادة ومختصرة، كيف لا؟ وهو من كبار الصحفيين السعوديين. عندما عرفت أنه هو اقشعر بدني، وتوقعت فجأة أنني سأكون استثناء في عالم الفكر: الوحيد الذي يصير مشهورا جدا بأول عمل أدبي! طلب مني أن أعطيه موافقتي.
- علام؟
- سأوثق لقاء صحفيا معك، قرأت روايتك ووجدت أنها جيدة.
- ها؟
أقنعني باختصار بالموافقة فوافقت، ثم حدد لي موعدا بعد يومين كاملين، بحيث يتهيأ هو خلال اليومين ويجهز أسئلته، وأراجع أنا بعض معلوماتي. لم أسمع من قبل عن صحفي سعودي يعرف كلمة "جيدة"، فاجأني هذا الرجل بصرامته وإخلاصه لفكرته. وهذا شجعني على القبول والاستعداد. 
بعد يومين كاملين، اتصل بي في الساعة المحددة، واعتذر عن صعوبة مقابلتي شخصيا بسبب سفره:
- ستحتملني لبعض الوقت حتى أنتهي من أسئلتي، ثم لك أن ترسل إلي ما تريد على البريد الإلكتروني. رمزي، سأنشر هذا اللقاء، وستحظى بمراجعات كبار الكتاب المحليين، راجع روابط الرواية وأصلحها بسرعة إن كانت تالفة. 
- حاضر.
سألني أسئلة تتعلق بتاريخ ميلادي ومكان الولادة ومتى كانت أول مرة أحببت فيها الأدب العربي... أسئلة روتينية ستجدون إجاباتي "المتكلفة" عنها في الصحيفة. ثم بدأ يصل إلى الرواية. في الحقيقة، كنت أعرف شكلين من أشكال الناس الذين يستجيبون للصحفيين، الشكل الأول هو شكل الروائيين الخليجيين الذين يجيبون إجابات قصيرة ويرفضون التصريح بحالتهم الاجتماعية، والشكل الثاني هو شكل المصارِع عزَّام في المسلسل الكرتوني "النمر المقنع". فاخترت أن أكون وسطا بينهما، أي: خليجيا فيما يخص "من تكون البطلة نجوى؟"، وشبيها بعزام عندما يتعلق الأمر بالإجابات المفيدة. 
وسأنقل إليكم الآن أهم تفاصيل حديثنا الطويل الرائع...

- من ألهمك "سماوات جائعة" الاسم؟
ضاحكا قلت:
- صباح ممطر في الطريق إلى الكلية.
- أرجو أن تكون أكثر وضوحا.
- إذن، لقد جاء هكذا بينما كنت أحدق في السماء.
انتقل بسرعة الحريصين على وقتهم:
- ومن ألهمك "سماوات جائعة" الرواية؟
- مممم، هل علي أن أطيل الكلام؟
- أرجو أن توجز، فأنا أستمع وأكتب.
- إذن، ألهمتني ذاكرتي. السماوات الجائعة هي خلاصة ذاكرتي أثناء الكتابة (إنني هنا خليجي بغترة وعقال)، لا بد أن تجد في الرواية شيئا ما مشابها لك، إذا شاءت الصدفة أن تتشابه ذاكرتانا.
- رمزي.. كلامك يشبه الفصل الأول من الرواية، هل تعدني أن تجيب إجابات واضحة؟
- طيب.
توقف قليلا، استأذنني بأدب:
- هل أستطيع تسجيل المكالمة؟
- موافق.
- شكرا، إذا سألتك عن ثقافتك الروائية قبل أن تكتب سماوات جائعة، هل تستطيع أن تصفها لي؟
- طبعا، ضحلة جدا، لا تزيد عن روايتين، والكثير من الروايات الممثلة في أفلام. 
- تستطيع ذكر واحدة منها؟
- أختار رواية "Empire of The Sun" لجيمس بالارد التي مُثلت في فيلم رائع أنصحك بمشاهدته.
- وإذا طلبت رواية عربية؟
- آآآ، "غواية الماء" لابتسام تريسي، أنصحك بقراءتها لكن بعدم الطمع في فهمها تماما.
- دعنا ننتقلْ (نطقها هكذا: دعنا ننتقلْ، مع أن معظم الصحفيين ينطقونها: دعنا ننتقلُ) إلى جو الرواية. إذا أحببت أن أكون قارئا مولعا بالرمزيات، وطلبت منك أن تحدد لي إلامَ يرمز بطلك (فراس أبو القاسم) أو بطلتك (نجوى)؟ 
- أولا، لا فراس ولا نجوى أبطالي، إنهم أبطال أنفسهم. ثانيا، يصعب التحديد، لأن الرمزية ستكون نسبية، لكن إذا افترضنا أنني قارئ سياسي، ففراس هو المواطن اللامنتمي، ونجوى هي المهاجرة الوحيدة التي لم تهرب!
- رائع، أنت تتهرب بذكاء، لكن سيتوجب عليك أن تكون واقعيا الآن. أنا شخصيا أحببت شخصية (شوبق)، إنه صريح وواضح الملامح ولن يكون من الغريب أن أحبه، لكن هل كنت تريد من شوبق أن يمثل فئة معينة من المجتمع الجازاني؟
- وهل يفعل غير هذا؟ إن شوبق وزوجته وأولاده هم واقع نعيشه ههنا. (إنني هنا شبيه بعزَّام المصارع).
- ليتك تبقى هكذا. 
- صف لي فكرة الرواية من فضلك، سأعد هذه استراحة نفسية لك.
- بل هي عذاب نفسي، أنا نفسي لا أعرف إلى الآن وصفا واحدا للرواية، إنني يا سيدي أؤمن بالنسبية، لكن سأحاول. (سماوات جائعة) هي مسرح تتصارع فيه الأفكار، الفكرة الجيدة متمثلة في (أنور) السائق، والفكرة المنعزلة في (فراس)، والجميلة في (نجوى)، والشريرة في (مهجة) العجوز، والفكرة الضحية في (شوبق)، والفكرة الفنية في (إيريك)... وصولا إلى الفكرة المستسلمة في (أبو نجوى). 
- جميل، لكن أما من نهاية لهذه الأفكار؟
- هدف الرواية هو أن تبقى هذه الأفكار. لاحظ أن فراسا يسأل نجوى متلهفا وهو يراقصها: لماذا كنت تكتبين؟ فتجيب: لأقتل الموت. فنحن أمام بشر يريدون أن يبقوا بأفكارهم بعد فناء أجسادهم. فراس كان واحدا من أبناء هذا العصر الذين يتذبذبون بين نظرياتهم العلمية وحاجاتهم النفسية.
- بدأت أقتنع. 
- هذا يسعدني.
- ستسمح لي إن سألتك عن سبب اختلاف الطبعة الثانية التي بين يدي عن الطبعة الأولى؟
- نعم، الطبعة الأولى احتاجت إلى إعادة القراءة بكل المزاجات، وعندما قرأتها بمزاج النقاد الحازمين رأيت أن أعيد ترتيبها. لاحظ أن الحبكة الأساسية لم تتغير، فقط جعلت الفصول أقصر، وامتنعت عن الاستطراد.
- هل رمزي يتفاعل مع قراء سماوات جائعة؟
- جدا، وأراسل متابعي الصفحة على الفيس بوك بشكل دوري.
- ما الذي يقوله قراء رمزي؟
- إنهم يفضلون الصمت، نصف قرائي من خارج السعودية، وهم لا يعرفونني شخصيا، إلا أنهم أعجبوا بعملي، وهذا كل ما في الأمر. القراء السعوديون منهم من يجالسني ويناقشني، ومنهم من يسأل من أين جئت بملامح (فراس أبو القاسم)؟
تحول فجأة إلى (تركي الدخيل)، وسأل:
- من أين جئت بها؟
- إذا كنت تعرف لعبة (الليغو)، فقد رتبتها من وجوه وصفات شتى حولي وليست حولي. 

استوقفني "عند هذا الحد"، وطلب مني أن أسامحه على المقاطعة، وأن أنتظره في اليوم التالي لاستكمال اللقاء. هل ما زلتم مركِّزين؟ نعم، سأطلب منكم تحميل الرواية من الروابط المنتشرة في هذه التدوينة، والبدء بتصفحها، فلربما احتجتم إلى النص لفهم بقية اللقاء. أشكركم.. أشكركم (هذا ما يقوله الممثل المصري سعيد صالح في: العيال كبرت). 

ميديافاير

إي-كتب 


07‏/09‏/2015

أن تقرأ لوليتا في طهران



للفنان الإيراني فخر الدين مخبري
عثرت على هذا الكتاب أثناء بحثي عن المقالات والكتب التي ناقشت رواية (لوليتا) للكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، قمت بحفظه ولم أنو قراءته، ثم بعد أيام احتجت إلى قراءة بعض صفحاته الأولى لتحريك الوقت ليس أكثر، ثم وجدتني كل يوم أقرأ بعض الصفحات قبل أن أنام، وفي الجامعة، وفي الطائرة، وفي منتصف طابور طويل... لأنه من نوع الكتب الطويلة التي لا تفضل أن تنهيها في أسرع وقت. يغريك بالاحتفاظ به أطول مدة ممكنة وقعُه في نفسك، وثقافته الأدبية، ولغته السردية والشاعرية، وهذا التناصُّ العجيب الذي يحدث بينه وبين الأحداث الحاضرة. 
لم أقرر اقتباس شيء منه إلى الآن، لكن إذا كان لدي ما أحتفظ به، فهو هذا المشهد الحقيقي، عندما تحاول آذر نفيسي تعليم طلابها وطالباتها كيف يرقصون رقصة من تلك التي كان يرقصها الناس في زمن (جين أوستن)، فتشعر بالخيال يطغى على الواقع المؤلم، وكأنك تشاهد المشهد الأخير من (مجتمع الشعراء الموتى)، أو أي لقطة من فيلم أراد مخرجه أن يحرج مشاعرك ويستفزك.


"فأسألهن: هل بينكن من تجيد الرقص الإيراني؟ الكل ينظر إلى (ساناز)، فينتابها الخجل وتتمنع. نبدأ بمشاكستها واستفزازها لتفعل، ونشكل دائرة حولها. فتتحرك بحذر أول الأمر، لنبدأ بتشجيعها ونحن نصفق وندندن إحدى الأغنيات. تذكرنا (نسرين) محذِّرة بأن نخفض من أصواتنا. تبتدئ (ساناز) بحياء خطواتها الصغيرة الرشيقة الأولى، ويتمايل خصرها بتناسق وانتشاء. كلما زاد مرحنا ومزاحنا، ازدادت (ساناز) جرأة، فراحت تميل برأسها ذات اليمين وذات الشمال، وراح كل جزء من جسدها يتنافس في إثبات وجوده وجذب الانتباه إليه. يرتعش جسدها وهي تخطو بخطواتها القصار وتتراقص بأصابعها ويديها. تلتمع في عينيها نظرة من نوع خاص، نظرة جريئة ومغرية معا، نظرة خلقت لتغوي، لتشد إليها الناظر، نظرة سرعان ما تنكسر وتتراجع إذ تنتهي الرقصة، وتفقد (ساناز) قوة نظرتها بانتهائها". 

درَّست الأستاذة آذر نفيسي الأدب الإنجليزي في جامعة طهران والجامعة الإسلامية وجامعة الإمام الطباطبائي. هذا لا يعني أهميتها الأكادمية وحدها، بل أهميتها السياسية؛ فهذه الجامعات كانت أرض الثورة الإيرانية في أواخر سبعينات القرن الماضي، فشهدت آذر كغيرها من المحاضرين والطلاب ما فعلته الجمهورية الإسلامية، وجماعة حماية الأخلاق، والطلاب الثوريون الذي انتموا إلى أحزاب عدة يكاد يصعب أن تجتمع في قاعة تدريس واحدة. لكنها أيضا عاشت سنوات رائعة، ملأى بالفن والإرادة والحرية. في صفها كان اليساري المتطرف يجلس بالقرب من الإمبريالي، والسلفي يناقش روايات هنري جيمس مع التقدُّمي والليبرالي والعلماني، بل ربما اجتمع هؤلاء كلهم في محاكمة جادة لرواية (غاتسبي العظيم)، وكانت الأستاذة هي المدَّعى عليه، وكان القاضي أحد الطلاب. 

عندما قرأت ما كُتب عن هذا الكتاب، لمست سوء فهم عند أكثر الكتاب، فهم يقدِّمون الكتاب بوصفه: أستاذة في الأدب الإنجليزي تجتمع كل خميس مع طالباتها السبع وتدرسهن رواية لوليتا. وأدركت أنه الخطأ الشائع نفسه عند الكثيرين منا؛ كتابٌ يكتبون عن كتب لم يقرؤوها! فالكتاب إذن له شأن آخر، إن ال 572 صفحة التي تفور بين جلدتيه لا تقدم روايات نابوكوف: لوليتا، آدا، دعوة لضرب العنق، فحسب. إنها تقدم وتناقش وتحلل "غاتسبي العظيم" لسكوت فيتزجيرالد، و"مدام بوفاري" لفلوبير أيضا.. تُسقط شخوص "ديزي ميلر" و"السفراء" لهنري جيمس و"الكبرياء والتحيز" لجين أوستن على الواقع الاجتماعي خلال الثورة وبعدها، وقد تجد أن أرانب وقبعات "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول مثالا ساخرا للترويح عن النفس، أو لشرح ما يحدث بطريقة المغامرات والأساطير. 


النسخة العربية من ترجمة ريم قيس كبة، منشورات الجمل
"حينما يصبح الشر فرديا وشخصيا ويصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، تصبح مقاومته هي الأخرى فردية. ويصبح السؤال الجوهري الأهم هو: كيف للروح أن تقاوم وتبقى على قيد الحياة؟ ويكون الجواب الأهم هو: بالتمسك بالحب والخيال. لقد أفرغ (ستالين) روسيا من روحها وهو يسكب فيها وابلا من الموت "القديم". بيد أن (مانديلستام) و(سينيافسكي) أعادا إحياء تلك الروح وهما يقرآن القصائد لزملائهما السجناء، ويكتبان عن كل ذلك في يومياتهما. يقول (بيللو): ربما أن تبقى شاعرا في ظل ظروف كهذه فهو يعني أيضا أن تصيب كبِد السياسة، وبذلك تكون المشاعر الإنسانية والتجارب الإنسانية والأشكال والوجوه الإنسانية كلها قد استعادت مكانتها الصحيحة في المقدمة". 

كلما وقعت عيناي على عنوان الكتاب، أحس برغبة عميقة في تغييره كيفما أشاء، فبالرغم من أن قرابة ربع قرن بين الثورة الإيرانية وهذه الثورات التي تنتشر في كل مكان من الأراضي العربية، ستشعرون وأنتم تقرؤون "لوليتا في طهران" أنكم تقرؤونها في بلدانكم أيضا، فتحسون برغبتي العميقة، وأنتم تدركون أن "طهران" -بشكل مخيف- يمكن أن تكون أي مدينة أخرى، وأن "مهشيد" و"ساناز" و"نسرين" هن فتيات حقيقيات يمشين بيننا في أطراف الشوارع خائفات من المجهول والغامض والمتسلِّط. 
يرى معظم القراء أنه سيرة ذاتية، وبخلافهم أرى أن تصنيفه صعب، فإذا التفتنا إلى لغة الصراع فيه وتفرد شخصياته وصور أحداثه وصوت الراوي الذي لا يتوقف عن السرد المرتب والمركز و"اللمسة الدرامية" كما تقول آذر، نجد أننا نقرأ رواية طويلة محكمة، وهذا في الواقع ما وجدته. لكن إذا تابعنا القراءات الأدبية العميقة للأعمال الأدبية العالمية وشخصياتها وكتَّابها، سنصنفها دراسة أدبية تأمُّلية. وبالطبع، لن يكون من الصعب أن نراها تحليلا سياسيا، أو -أحيانا- تشخيصا نفسيا ممتازا. لكن الأهم أن الكتاب يمثل وعاء من الذهب الخالص سكبت فيه الكاتبة القديرة وجع أعماقها ووجدان روحها الحرة، بغض النظر عن كونه سيرة ذاتية أو رواية أو أي صنف آخر. 

يبدأ الكتاب برواية "لوليتا"، يرجع خمسة وعشرين عاما إلى "غاتسبي العظيم"، يقف طويلا في عالم هنري جيمس، وأخيرا ينتهي في القرن الثامن عشر مع جين أوستن. 

وددت لو أن بإمكاني تلخيص كل باب في تدوينة، لكن هذا يحتاج إلى إعادة القراءة أكثر من مرة، ويحتاج إلى قدرة خاصة على التلخيص، وأنا لا أتمتع بهذه القدرة. لذا سأوضح انطباعاتي وتأملاتي التي لازمتني أثناء القراءة، والتي كتبت بعضها في أماكن مختلفة. 

تصور أنك تعيش في مدينة كطهران، أو فلتتصور أنك عائش في دمشق أو عدن هذه الأيام، ما سيكون موقفك الشخصي؟ هل ستتجمهر وتصيح حتى ينفد صوتك؟ أم ستخلو إلى أعمالك متناسيا ما يحصل؟ أم ستغادر إلى مدينة أقل إزعاجا؟ هذه هي بعض الحلول المؤقتة التي نستطيع أن نتهمها بأنها (غير مثمرة)، ما رأيك؟ فما الذي كنا سنستفيده من آذر نفيسي لو أنها تركت كتبها وثقافتها وانفصلت عنها وراحت تخترق صفوف المتظاهرين وترمي باللعنات؟ لا شيء. لكن ما الذي فعلته آذر بالضبط؟ 

لقد عاشت آذر عصرها بإخلاص، فهي لم تكن كـ "ساحرها" الذي اعتزل كل الأحداث ولم يخرج من بيته، وفي الوقت نفسه لم تكن مثل "السيد بحري" أو "السيد فرصتي" اللذين حافظا على مواقفهما الثورية وانفعلا مع الأحداث السطحية بالطريقة التي نألفها جميعا. آذر حرصت على بقائها في جامعة طهران؛ لأنها آمنت بأن التدريس هو فرصتها الأخيرة لتقديم شيء إلى بلدها. وفي جامعة طهران درَّست روايات عالمية كانت ممنوعة بوصفها إباحية وغير إسلامية آنذاك، وحاولت أن تعيش الواقع السياسي المزعج في أحداث هذه الروايات. وأيضا، لم تكن خيالية لهذا الحد، بل واجهت تفاصيل ما يحدث خارج الجامعة وخارج بيتها وحتى خارج مدينتها بكل هدوء، وبكل غضب، وبكل استسلام، وبكل تمرد، وبكل ارتباك في كثير من الأوقات. 

والآن، دعونا نتعرف إلى العلاقة بين "لوليتا"، و"طهران"...

"لوليتا" في "طهران" مظلومة ومضطهدة كما كانت "لوليتا" في عالم "همبرت همبرت". فهي لا تعرف ما الذي يدور حولها، وهي ضعيفة، وهي مرغوبة، وهي مرفوضة، وهي مطاردة، وهي مراقبة، وهي جميلة وحرة فقط في أعماقها. "لوليتا" تبحث بقلق قبل أن تخرج إلى الجامعة كل صباح عن خصلة شعر سقطت من إيشاربها. "لوليتا" تُفتَّش كما يفتش المجرمون عند البوابة. "لوليتا" توقع محضرا لأنها ركضت في الحرم الجامعي. "لوليتا" تطرد من الجامعة لأنها ضحكت بصوت عال. "لوليتا" تُسجن وتعذَّب وتغتصب. "لوليتا" تخرج من السجن للتتزوج من رجل لم ترضه. "لوليتا" تُعدم. "لوليتا" تُرجم لأنها زانية. "لوليتا" لا تشاهد التلفاز. "لوليتا" لا تأكل الآيسكريم في الشارع...
هذه بعض مظاهر المرأة في إيران طيلة سنين الثورة، و"المرأة" هي آذر، وتلميذاتها: "نسرين"، "مهشيد"، "آذين"، "مانا"، "ساناز"، "ياسي"، "ميترا". وكل امرأة قدر لها أن تقاسي الاضطهاد والعبودية في ظل الأنظمة الشمولية، وأعني هنا "الجمهورية الإسلامية" في إيران كما وصفتها آذر في معظم مواضع الكتاب. 
في تلك الأيام، كانت تسير سيارة تويوتا البيضاء، وفيها رجال ونساء من الشرطة لـ "حماية الأخلاق"، فيقبضون على أية امرأة تمشي مع رجل أجنبي، ويرصدون انضباط النساء وطريقة لبسهن للحجاب، يلاحظون لون الجادور وحجمه وكم عضوا مثيرا يبرز منه، يلاحقون الرجال والنساء إلى بيوتهم، وربما دخلوا عليهم ليتأكدوا من أنهم لا يشاهدون التلفزيون. 
وفي تلك الأيام، كان الكثيرون متهمين بالـ "غربنة"، وكانوا يطردون من الجامعات في أحسن الأحوال، إن لم يُعدموا علنا بلا رأفة. وكان يعيش "الرقيب شبه الأعمى"، وهو الرجل الذي يقرر ما الذي سيُذاع ويُعرض بالرغم من ضعف بصره الحاد، هو الرجل الذي يعاني منه المخرجون في هذه الأيام، والذي يعاني منه المطربون، والكتَّاب، والفنانون عموما. 

إنها أحداث تجذبك إلى معايشتها مرة أخرى؛ لأن تكرارها يثيرك. تتماهى معها، فتكتشف وأنت تقرؤها أنك تقرأ "لوليتا" في جامعتك، وقريتك، ومحيطك. ثم تعوزك الحلول، فتفضل الاستمتاع بلغة آذر نفيسي الخلابة. أنا الآن ألمس هذه الحاجة إلى قراءة "أن تقرأ لوليتا في طهران"؛ لفرط التشابه بين واقع آذر وواقعي وواقعكم أيضا. وأستطيع أن أزعم أن كاتبا آخر سيحتاج إلى قراءته في 2030 أو 2050. هذا إذا لم يجده محجوبا أو ممنوعا من الأسواق. 


دعونا الآن نعد إلى ما فعلته آذر بالضبط. لقد اختارت الفن واقعا مشابها لكنه يختلف بكونه فصيحا وجميلا. في الفن، وجدت آذر وطالباتها الخائفات ملاذا. والإنسان يشعر بالأمان عندما يقرأ الذين يشبهونه. وهذا الموقف -أعني التوجه الفني- هو في رأيي الموقف الحقيقي و"المثمر". فما الذي يفعله الناس في الثورات غير أن يموتوا أو يصمتوا أو يثرثروا باللوم والنقد والاتهام؟ بإمكانهم أن يكونوا فنانين. فالفنان هو الوحيد الذي سيحتفظ بأوجاعه وسيبقى بعد أن يفنى الجميع، وحتى بعد أن يفنى هو. والفنان هو "اللامنتمي"، وهو الذي سيدرك مستقبله. والفنان هو الذي سيصف ويقاوم ويشعر، ثم يخلِّد شعوره هذا إلى الأبد. إننا نستعيد "محمود درويش" عندما توجعنا ذكرى القضية الفلسطينية، لكننا لا نذكر الأشخاص الذين فضلوا التذمر وحده. ونقرأ "نزار قباني" هذه الأيام ونسخر معه من "الحكام العرب"، ونقرأ "نابوكوف" أو "جويس" ونعرف من خلالهما عصرهما، وكيف ماتا ولم يموتا فينا!

فما فعلته آذر هو ما يحسن بالثوَّار المثقفين أن يفعلوه بدل إزعاجنا يوما بعد يوم بتنبؤاتهم وإحصاءاتهم التي بات الجميع قادرا على الإتيان بمثلها. لا تريد الشعوب إلا أن تصرخ، فمن ذا الذي سيكف عن الصراخ وينقل صراخ الأطفال الجوعى ومئات السوريين الذين غرقوا قبل أيام؟ من ذا الذي سينقله إلينا وإلى من بعدنا؟ هل هم المثقفون الذين يئسوا وفضَّلوا العويل مع الآخرين من العامة؟ أم أمثال آذر التي عاشت كما عاشت العامة وبقيت كما يبقى الكتَّاب؟

قراءة لوليتا في طهران تطول، وكم كنت أنوي أن أقتبس الكثير من المقاطع والسطور التي تستحق الاقتباس، لكنني أخشى أن أطيل عليكم. هذا هو الوقت المناسب لقراءة لوليتا في الوطن العربي لمن يهمه الأمر. وهو الوقت المناسب لنغير مواقفنا السطحية تجاه المآسي التي يكابدها إخواننا المنكوبون، فلا يجدر بنا إزعاجهم بالمزيد من الصراخ، وما يجب فعله حقا هو أن نعلمهم كيف يحاربون الموت بالفن. 


* قدمت دراسة نفسية لرواية لوليتا في هذه المدونة على هذا الرابط. 



06‏/09‏/2015

حقائق علمية







ليس عيبًا يا صديقتي أن نحتفلَ بكوننا أحياء. أن نحتفي بفساتيننا الجديدة وأن نضع أقلام الحمرة ونقبّل المرايا.
ليس عيبًا أن نجهر بخوفنا من رجال الأمن وحواجز الشرطة. أن نوارب بهويّاتنا ونبتسم بخبث. لا بأس أن تأخذنا موجةُ "عمّرها" العمياء أحيانًا فنصدّقَ أنّ ما هُدمَ سيعودُ بشيءٍ سوى الحب. ليس عيبًا أن نكرّر أعيادَ ميلادنا ونتبادل الهدايا ونضع القبّعات الملوّنة ونرقصَ كالمجانين المذبوحين على أغنيةٍ أجنبيّةٍ صاخبه. ليس عيبًا أن نغنّي حتّى لو قالوا لنا "اصمتوا" فليصمتوا هم، فليُخرِسوا أصوات عفنهم! ليس عيبًا أن نُحيي الأمواتَ بالموسيقى ونرشّ الشوكولا على أجساد الشّهداء بدل الرزّ والورد. سيقولون أن الزّغردة حرام وسوف نزغردُ قائلين أنّنا منحلّون دينيًّا ومع ذلك فإننا ذاهبون إلى جنّة الله الرحيم. ليس عيبَا يا صديقتي أن نلتقي كلّ أسبوع، لا لنسبرَ الأحداث المأساويّةَ بل لنتشارك كوبًا من "البيبسي" وطبقًا كبيراً من الفوشار المتبّل بالسُمّاقْ. ليس عيبًا أن نتفاعل مع ضحكة الأطفال وأن نركض في الشّارع الذي لم تصبهُ قذيفةٌ بعد. ليس عيبًا أن نبكي لأن هناك مغفل يغنّي بصوتٍ شجيٍّ ويتعمّق في حنينه. ليس عيبًا أن نستيقظ كلّ صباحٍ ونحنُ نحبّنا، نعدُّ كوبًا من فيروز، "سندويشاً" من الزّعتر المحُضّر منزليًا، نلعق أصابعنا المليئة بمعقودِ العنب ونصلّي تجاهَ قبلة الضوء والبقاء. ليس عيبًا أن نبصق في وجه العالم ونرقص.
ليس لديكِ كعبٌ عالٍ؟ فلترقصي حافية!
ليس لديك رجلين؟ فلترقصي بجناحيك!
لكن لا تنكسري.


على الهامش: "نحنا خلقنا حتّى نعيش
مش همّ نكون دراويش
ما بدنا مخدّة من ريش
بدنا من الدّنيا نشبع"


يتم التشغيل بواسطة Blogger.