20‏/06‏/2016

أربعون ساعة من الاستيقاظ



كنتُ أودّ أن أطلعكَ على بعض الأشياء المهمة ولكنني نسيتها الآن. إنني أنسى كثيرًا في هذه الأيام وكلّما ازداد النسيان في حدّته أستمع إلى الموسيقى أو أسجّل مقطعًا صوتيًّا أغني فيه أغنية ناقصة محاولةً بذلك الاعتذار عن شطحاتي وسكوني لأيام طويلة. أودّ أن تعرف أنني أتهاوى كلّ يوم أكثر، ولا تقلق فهذا لا يمنعني من الابتسامة والتنزّه ولعن الحر الشديد وتحويل معاناتي اليومية إلى قصيدة. كما أنني أحاول الاحتفاظ بحسّ السخرية قدر المستطاع.

مضى وقتٌ طويلٌ على نومي الأخير. ما يزيد عن أربعين ساعة وإنني أحاول الآن أن أصل إلى هاتفي لأرى كيف باع "الدكتور فاوست" روحه إلى الشيطان. كان عندي صديقة بسيطة جدًّا تنتقد هذه التسمية لا لشيء إلا لأنها تفكر فيها بطريقة كلاسيكية. الشيطان في نظرها كان مخلوقًا غريبًا قادمًا من مكان سفليّ جدًّا ووضيع. له عينان غائرتان ويده سيفٌ من نار، وصوته فحيحُ أفعى. كانت تنفخُ على ملابسها عندما تتحدث عنه وتتلفظ بأشياء لا أفهمها. واليوم، أودّ أن ألتقي بها لأخبرها كم أنها مخطئة. "فالشيطان" يمشي بيننا. وقد تكون له بشرة ناعمة جدًّا وابتسامة هادئة. قد يكون فينا أيضًا. ما يكون استسلامنا إذًا؟ ما يكون هذا الكره الذي يسكننا؟ ما تكون هذه الفروع الخضراء التي نقصّها لنمنع شجرة من التعريش؟ ما يكون الأرق؟ الحزن؟ ليتني ألتقي بها لأخبرها أن الشيطان مجازٌ معقد جدا وغريب، وأنه في كلّ شيء يفرض سيطرته علينا ويدوس على وجوهنا مصرًّا على عقد صفقته مهما كان الثّمن.لقد أقسمتُ وأنا أصنع الرزّ الأبيض منذ أسبوع ألا أبيع روحي له أبدًا. لذلك فإنني أشاركك هذه التفاصيل وأصنع لنفسي فساتين ملونة وأمجّد الأشياء البسيطة وأربّت عليها، وأقول لعزيز -رجلي الصغير- وهو يلوح لي من بعيد أنني أحبّهُ جدًّا وأننا سوف نذهب معًا لشراء دفتر ألوان وسوف نستخدمُ حاسّة الموسيقى لعبور شارع مزدحم. لذلك فإنني أرسم بقلمٍ مكسور، وأدور حول متاهات الغبار، وأستدرج نوري لأمنح هذا الليل الرابض على صدري سببًا للرحيل. ما تفعل أنت حيال أرقك؟

منذ قليل، مرت طائرة فوق بيتنا، وهذا ليس خبرًا مميّزًا لكنها كانت قريبة جدا. أكاد أجزم أنه رآني وربّما قال: "لا، ليس الآن. مازال عندها دفتر يجب أن تملأه، وطبق من ورق العنب لا بدّ أن تأكله. سأعود في وقتٍ لاحق. سآخذها بكامل نضوجها وجمالها ولن يسأل أحد إلى أين تذهب".
أنا أيضًا لا أريد أن أموت الآن. مجرد حدث عابر ينتهي باستفاقتك دون أن تراني. هل كنت لتتساءلَ كيف عبرت؟ من أي خرم؟ من أيّ شقٍ صغير مددت نفسي وصرتُ خيطًا رفيعًا وانتهيت؟ يقول بعض الأشخاص أننا حين نموت نصير غبارًا ونتحد بالكواكب ثم نشعّ إلى الأبد. ولكن، ما هو الأبد يا صديقي؟
إن الأوهام تقتلني، ولا أدري كيف أشرح لك الأمر، وكيف أعبر لك عن مدى أسفي. لقد رأيت الحقيقة الهشّة أمامي قبل أسابيع. كانت تتوضح مع كل بقعة دم تنصبغ على ثوبي، وكان صراخ الرجال -الذين حسبتُ أنهم لا يصرخون- يشقّ روحي ويدلف إليها ثم يقتل مجموعة لا يستهان بها من العصافير. الجروح التي اكتسبتها في ذلك اليوم راحت تتعمق وتصير خنادق لعينة يجري فيها الدم ويصب في قلبي مانحًا إياي سببًا آخر للخوف. توجعت جدا. استعدتُ حياتي للحظات، ولكنني لم أكن قادرة على الحفاظ عليها رغم كل شيء. حاولتُ كما كان يحاول الجميع أن أقول أنني صامدة، وأن عيني التي اصطادت صديقتي وهي تموت لن تحتفظ بهذه الذكرى إلا قليلًا، وسوف تحوّلها إلى حدث سيء يُضاف إلى كومة المصائب لا أكثر. وأنّ الأب المسكين الذي كان يلطم وجهه سوف يجدُ في جثّة ولده الهامدة سببا ليقوم ويغني. كم قدمًا تلزمنا لنمشي مرة أخرى؟ كم روحًا نحتاجُ لنرقص؟ حجمُ الدمار كبير جدًّا، وليس خطأ كما كانت تقول حافلة محترقة أن نبكي. وليس خطأ كما تقول طائرة عابرة الآن أن ننتظر. هل تنتظرُ معي؟
لا تقلق. ليس ضروريًّا أن تقول نعم. فأنا أدرك اختلافنا، وأدرك ألا أحد مستعد لانتظار كهذا. حتى أنا لست مستعدة، وأشقّ أنفاسي من قلب الحديد البارد حتى أمنح هذه الأصابع التي تكتبُ الآن سببًا للاستمرار، وقدرة على المرور حول عينيك وصولًا إلى صدغك الأيسر الحبيب، ونزولا عند صدرك الضبابي الذي يشبه انعجان الصخور بشلال يهطلُ من الأعلى. الأعلى هو فمك المزموم على أحاديثه الطويلة والمعتمة.

دخلت أمي الغرفة. قالت لي: "تعالي نشربْ الشاي". الطاولة مستديرة وصغيرة. تتسع ليدينا فقط. ترمي أمي بضع قطع من الكعك الهش، ثم تحرك السكر بملعقة بيضاء وتضعها جانبًا بتأنٍ ملفت. ثمّ تُعيد جسدها نحو الخلف مستندةً على وسادة ذهبيّة مبرشّة. تحدثني عن مخاوفها وأفكارها بشأن تحسين ما يمكن إنقاذه. منذ زمن. عندما كان عندي ضفائر. كنتُ أعتقد أن الكبار لا يخافون، وأنّ لديهم كلّ الحلول مما يدفعهم لعدم البكاء والصراخ. لذلك -ربما- كنتُ أقول في نفسي: "متى أكبر؟ يالها من فكرة مدهشة!". والآن، وأمي تتحدث بهذا الرعب، وتنقر بيديها منفعلة وقد غشاها التعب. مستجلبة الوجوه من ذاكرتها، لاعنةً فيروز والكتب التي قرأتها، آسفة على ضياع دفتر رسوماتها ومعاتبة جدّي طويلًا. أكتشفُ أنني - الكبيرة الصغيرة- سأكون الحضن المتكفّل برعايتها وإخبارها بجدوى الرقص، وأنّ الكثير من الكتب التي نقرأها قد تتخلى عنا عند أول تجربة حقيقية وأن أمل فيروز رومانسي مخصوص بزمن سحيق وبعيد، ولا حقيقة في هذا الكون الذي يأكل نفسه سوى امتلاكنا لهذه اللحظة، وإحساسنا بسخونة الشاي على شفاهنا وبقايا الكعك على أصابعنا. وقد أحتضنها، وأقول لها بكلّ هدوء: "لا تقلقي، تحدث معي أشياء كهذه". متى احتضنتَ "حضنكَ" آخر مرة؟

أعود إلى غرفتي. الهواء ساخن جدًّا. حزيران يفرقعُ أصابعه عند الشباك ويدخّن سيجارته العاشرة ثم يسحب قطع الشوكولا من درجي القريب. يقشّرها ويبتلعها ثم يمضي تاركًا أثر لمساته المحمومة في هذا الجوّ الدبق. تدور أصوات الموسيقى مخمورة في كلّ شيء. في مشبك شعري الأزرق. في قميصي الأصفر المتروك على الكرسي. في حذائي الكهرماني المتعَب من العَدْوِ الأخير. في الغطاء البحريّ المائج بأزهاره كأنما حلّ به عشق أو أصابته قذيفة ملونة. في زجاجات العطر الفارغة وتلك الوحيدة الممتلئة حتّى منتصفها. ما يمكن أن تقولَه عن فتاة تستخدم عطرًا اسمه "هزار"؟ من المؤكّد أنك لم تسمع به من قبل. الجميلاتُ لا يحتجن إلى عطور معروفة، وربّما لا يحتجن العطر أبدًا. لكنه وفي مرحلة من مراحل الذكرى يغدو مهمًا بل جوهريًا ليكتمل نصابُ هذا الحفل الصاخب. ما اسم عطرك؟

أسمع جارنا وهو يصرخ. هو ذاته من رمى طفله من السيارة اليوم بطريقة همجيّة بعد أن امتنع عن النزول. أقول لك. لم أستطع امتلاك نفسي. قلت له: "هذا ضد الإنسانية تمامًا. ما تظن أنك تفعل؟" فقال بكلّ وقاحة: "أربّي إبني". تكفل جارنا الآخر بالنقاش بينما كان الطفل الصغير يبكي. أمسكت يده ومسحتُ وجهه وقلت له ما خطر ببالي حينها. ثم تمشينا قليلًا واشترينا السكاكر وأطعمنا دجاجة "إم مصطفى". أوصلته إلى منزلهم حيث فتحت لي أمه الهزيلة التي اعتبرتها مشاركة في هذا المسار التربوي الأحمق. إنه يصرخ الآن. مثل أي شيء سيّء يحصل هنا. مثل الموت والتفخيخ وصعوبة العيش والابتسامات الناقصة. متى شعرتَ بالرغبة في قتل أحدهم؟

استوى عقلي الآن. صار شديد الاحمرار ومحتقنًا. يبدو أنني استعدتُ ذاكرتي في النهاية...


على الهامش: Yanni - الصديق الوفي

7 التعليقات:

أظن رقمي القياسي الشخصي هو ١٧ ساعة (بدون منبهات أو أدوية)
وعلى الصعيد المقابل.. نمت مرة أكثر من ٢٤ ساعة! (هناك يوم خميس ما لا أدري ما حل به على هذه الأرض!)

لم أقدر ان أغيب الرقم (٤٠) وأنا أقرأ. أسئلتها التي لا يبدو لقدرها من إجابة أو رد تسير + لا تسير بخط متواز مع هيجان و/أو خفوت من هي أرقة أو مستيقظة لتلك المدة.
أعجبني شرب الشاي. شعيرة ممتازة وموائمة :)
-------------------
أتمنى لها نومًا هانئًا ولو لسويعات

أعتقد -بطريقة الأطفال ربما- أن الأرق والنوم هما موهبتان في كثير في الأحيان أو قرار شخصي.
و الخوف عندما يتضخم جدا بقضي على النوم ويقدم الأرق الطويل الذي بلغ 40 ساعة على طبق من الهلوسات والتساؤلات ونص طويل مليء بالتفاصيل.

إنني على دراية بكل "خميسات" العالم لحد الآن. فقدت مرة أكثر من نصف يوم السبت.

شكرا لوجودك
ولأمنيك الطيّبة
نهارًا سعيدا

أيامها كان الخميس واحدًا من يومَيْ العطلة الأسبوعية (قبل أن يتقافز ويصبح السبت)
----------------
في التعليق الأول نسبت ان أكتب: (الصورة رهيبة)
أظنها معبرة جدًا عن (..عندما يتضخم جدا بقضي على..) في ردك

ولكن ما هو الأبد يا صديقي .؟
تساؤل فلسفي يستنزف الأنتباه المعهود بقسط لقراءة النص ، بتكريس حسب تصور أستباقي مبني على العنوان لما يمكن أن يلحقه ، ويعدم أمكانية إكماله بالتحتيم على الوقوف عنده ..
فما هو هذا الأبد الذي نسينا الكثير الكثير من ما فقدناه بالأعتماد على أن نجده عنده . وأين هو طريقه وما هي حدود إمتداده وآليات إدراكه عند التعرض له ؟؟؟!
حسب العبث في الفلسفة فالتساؤلات تُطرح مع عدم التوقع للحصول على أجابات شافية لها . فيكون السؤال هو الجواب لنفسه عادةً .
فالأبد هو المجهول المقدر بخيالية تصوراتنا عن تشكيله
وهذا الخيال الذي نبتناه في فضاء جهلنا المظلم قد تحمل الكثير من الأشياء الواقعة خارج حدود الأنا التي علقناها عليه ولكن هل سيحتملنا نحن ذات حين .!

كان نصاً رائعاً وسرد ممتع
شكراً لك عليه

مصارعة الموت بكلّ هذا الزخم والإحساس المتزايد بأنك مهدّد بنومك ويقظتك وما بينهماوغيرها الكثير ستقودنا لا محالة إلى أسئلة فلسفية عقيمة ربما، وسوف تحاول بما لديك من فن وحزن وطفولة أن تخترع ما من شأنه أن يخلّدك الآن.

شكرا لك أيضًا.

ممكن اعرف مصدر الصوره لو سامحتى :)

اللوحة التي تقف الفتاة أمامها هي بالأصل للفنان السوري (محمد خياطة) من معرضه (walking on thread). بإمكانك أن تكتب هذا العنوان على محرك البحث وستظهر لك اللوحات كلها.أما الصورة ككل فقد وجدتها من ضمن الصور الخاصة للمعرض ولا أعرف من التقطها.

أهلا بك. طبعا ممكن.

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.