‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات جبلية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات جبلية. إظهار كافة الرسائل

03‏/05‏/2018

رسائل منّي إلي(2)~ حتّى لا أكون حمقاء

الفنان السوري الجميل، صفوان داحول.




نور التي تحبّ أن تفرقع أصابعها عندما تشعر بالحماس:

لا تطبخي التراب بعد الآن يا نور. لن تصيّره أناملك شيئًا قابلًا للأكل، فالتراب هنا مرٌّ ومُضمّخٌ بالدم. تغسلينه؟ تعقّمينه بالماء الساخن؟ تضيفين له الفانيليا؟ تحاولين جاهدة أن تستنبتي منه وردة؟ لا تفعلي يا صديقتي في خوض التجارب الحمقاء. الدم لا يلد إلا دمًا وهذا أكبر منا. إنه إن صحّ القول غول متسارعٌ في النمو. قدمت له جارتنا ابنها قربانًا في الأسبوع الماضي. وركلوا تلك الفتاة المسكينة إلى غرفته الخلفية في الليلة الفائتة حتّى ترضيه لكنهم فشلوا. فلا تطبخي له التراب أيضًا.

بدل ذلك. تعالي. هيّئي لنا منضدة صغيرة وشمعتين ودعينا نبدأ الحديث كما نفعل دومًا. دعينا نسجل أغنياتنا ونرتجل قصائدنا ونختلف على القافية. أنا أريدُ لكلّ السطور أن تنتهي بحرف الراء وأريد أن أسمي قصيدتي "كرز" وأنت تقولين أن حرف السّين أكثر دفئًا وتريدين أن تسمّي القصيدة "خيمة". ألا ترين؟ بإمكاننا أن نتفاهم حول كل شيء. أن نبني "خيمة من كرز مثلا". أن نجعلها بيتًا آمنا نكترث فيه لصوت عصفور يختبر حنجرته للمرة الأولى ونسمع ارتجاج أدمغتنا تحت وطأة الغارات ثم نضحك ولا نطبخ للظالمين شيئًا سوى الفن.

هيّئي لنا الليل وأضيئيه بجدائلك. أعرف أنها قصرت وسيصير لونها مثلجًا لكنني أؤمن بدفئها وأعرف أنها مثل الموسيقى، تدعو الهواء للثورة وتخترع العالم من جديد. فاخترعيني مرة أخرى. اجعليني جبلًا بغرف مضيئة وسلّطي علي غيمة ثم اقطعي حبلها المقدّس ودعينا نمطر. وأنا أعدك أنني حيثما سقطتُ سأبقى جبلًا.

22‏/08‏/2016

يوميّات آنسة حلوة


توت رغد الشهي

* امتلك "سراج" أخيرًا جرأة الإفصاح عن اسمها. صار يضع صورًا خليعة أيضًا ويرسل لها عبر "حالته الشخصيّة" ألفاظًا جنسيّةً واضحة. سراج يبلغ من العمر 15 عامًا لكنه رجل في نهاية الأمر، أليس كذلك؟ وقد قالت أمي ذات مرة وهي تحدق في أختي: "قدّمي للرجل ما هو أكثر متعة من الجنس".

* قال لي عزيز: "آنسة، شلت كل الحب وحطّيتو عندك" ثم قدّم لي رسالة مليئة بالقلوب. أليس هذا أثرًا ممتازًا يمكن أن تتركه آنسة في قلب طفل رقيق مثل عزيز؟

* يقول لي خالد "آنسة سعاد". خالد طفل عنيد وساديّ ولديه شخصية قوية جدا. ذكيّ ومناور، لكنه أُعجبَ حقًّا بفكرة اللوح السحريّ الذي ابتكرناه معاً حيث أفصحت لي أخته إيمان عبر "الواتس" عن تعلّقه بهذه الفكرة وكيف أنه استيقظ عصرًا وهو مصرّ على الذهاب عند "الآنسة نور" لرسم بطة صغيرة على اللوح السحري. الأمر الذي أعانه في المرة السابقة على التصالح مع اللون الأصفر  بعد أن كان يواجه صعوبة في تذكره. لم يختر خالد موزة ولا شمسًا ولا ضفيرة شريكته في الدّرس. اختار بطّة كتلك التي تضعها له أمه في حوض الاستحمام. شكرًا يا خالد لأنك تحبّني وتعرف اسمي.

* تنتظر سلمى مفاضلة القبول الجامعي وبينما تنتظر ترسمُ لوحات مدهشة حقا وتقوم بالتقاط بعض الصور المميزة. تحلم بأن تصير مهندسة معمارية، وتربّي أظافرها لتمسك سيجارة وتدخّن "جكرًا" بصديقها السخيف الذي يقول لها "هذا معيب". سوف تكتشف أن هذه المجاكرة غير مهمة مع مرور الوقت، ولن تصير سلمى مهندسة حسب توقعاتي وهذا يحزنني جدا، لكنها ستظلّ فنانة إلى الأبد.

* يفكّر أسامة في السّفر إلى ألمانيا بعد عدم تمكّنه من نيل شهادته الإعدادية، ويقول لرغدا: "بحبك يا مجنونة كيف ما كنت تكوني" ثم يقول لي: "أنا صغير جدا وهي تطالبني بخاتم أبو ألماسة. هل تعرفين كم يبلغ سعره؟" لا أظن أن أسامة يودّ أن يبتاع شيئًا بقدر رغبته في ابتياع درّاجة نارية جبليّة وابتكار فريق لقيادة هذا النوع من الدراجات في الشوارع. وعلى رغدا أن تفهم هذا جيّدا.

* رغد، الطالبة التي تحضر لي التوت في موسمه كتبت لي رسالة سيّئة جدا من الناحية اللغوية لكنها أوصلت لي كمية هائلة من المشاعر التي جعلت يومي أفضل. أنا زهرة في الحقل؟ أوه! شكرًا يا رغد. شكرا جزيلًا.

* تأقلم مصعب مع رحيل من يحبّ نحو حضن آخر أكثر ثراء. ولأنه ضعيف بما يكفي "استعمل" فتاة أخرى لإتمام المهمة ورسب في كلّ مقررات الجامعة.



على الهامش: قابلة للتجديد؟



15‏/08‏/2016

إلى كنزى



عزيزتي كِنْزَى،

عدتُ قبل ساعتين من رياضتي المسائية. نزعتُ ملابسي وتلذّذتُ بحمام ساخن ثم حلقتُ ذقني الخشنة وخدشتُ طرف فمي. صار عندي الآن جهنّم صغيرة تنتظر جنّة قبلتك. أكلتُ بعدها بيضًا مسلوقًا باردًا وشربتُ ما تبقّى من كوب القهوة الصباحي. وها أنا أدخّن سيجارتي وأنفثُ أنفاسها/ أنفاسي على عصفوري الملون معتقدًا أنني أقدم له معروفًا ينسيه موت شريكته بالأمس. أتساءل: هل للعصافير ذاكرة يا كنزى؟ ثم أشعر بدناءتي المتمثلة في قفص نحاسيّ أنيق. أعدك أنني سأطلق سراحه غدًا حتّى يقابل مصير طيرانه ويموت راضيًا عن وجوده.

أفتح النافذة التي تدلّيت منها ذات مرة بعد أن رأيتٍني أقبل إحداهنّ في زقاق خلفي. كان أمرًا لطيفًا جدا أن تنتحري من أجل رجل أحمق مثلي لكنني ما طقتُ عقدة الذنب المتمثّلة في دفع أنثى رقيقة إلى الموت بهذه الطريقة السخيفة لذلك أمسكت خصرك بإحكام ودفعتُ بك نحو الداخل. حين وقعتِ على الأرض انفرشَ شعركِ وبدا وجهكِ مُحمرًّا وغاضبًا وتعيسًا. قلت لي أنك تكرهين شفتيّ، وعقلي المتخلف وساديّتي. ثم أخفيت ملامحك ورحت تنتحبين على نحو لا يصدّق حتّى خفتُ على أتفاسك وكدتُ أجزم أنك تنتحرين بطريقة أخرى. وما إن وضعتُ ذراعيّ حولك لأخلّصك حتّى انهالت عليّ يداك الواهيتان بالضرب. كنت تدقين صدري دون أن تعرفي أن أبوابه مشرّعة لك، وتصرخين في وجهي دون أن تدركي تمزّقي أيضًا. هدأت بعد ساعة وخرجت راكضة من الباب تاركة خلفك بللًا على قميصي، في روحي، في ازدرائي لذاتي، في مرارة القبلة اللعنة. تاركة هذه النافذة المفتوحة المُوحِشة.

التقينا بعد أسبوع ورقصنا على أغنية صاخبة. أذكر أنك كنت حلوة بطريقة لا تطاق بحيث شربت معي القهوة بعد انتهاء السهرة وقلت لي: "يا صديقي"

أحتاج إليك يا كنزى بشكل يتنافى مع حريتي، وأبتغيك بإمكانياتي التي تكاد تكون معدومة، فقد تركتك تتسربين مثلما ينسلّ ضوء من تحت بابي كلّ مساء ويمشي في الممر تجاه غرفة أخرى. لم أفعل شيئا لأحافظ عليك. وها أنا الطفل المهم الذي يصفق له الجميع يفتقد ذراعك المليء بالزغب الأشقر ويرتجي كوبًا آخر من القهوة حتى يُصلح ما كان. وهاهي "نجاة" تذكرني بك وهي تكرر "بسيطة جدا". أقلبُ على وجهي من الضحك وأسترجعك وأنت تزكّين أسنانك وتصرين موافقة على ما تقوله. بينما تشبهين في الحقيقة فستانًا مرصوصًا بالأحجار الملونة. يرهق أكتاف فتاة صغيرة.

12‏/08‏/2016

إلى مارلين







عزيزتي مارلين،

شتمتُ مدير العمل أخيرًا. قلتُ له أنه استغلاليٌّ بكرشٍ مليءٍ بالقذارة، ثمّ هجتُ ومجتُ أمامه مثل ثور بري وانهالت يداي على مكتبه الفخم قائلًا بمنتهى التوحّش: "أنا مستقيل". كان عليك أن ترَيْ وجهه. أشبه بسمكةٍ نافقة. فتحتُ الباب وخرجت رجلًا حرًّا بلا عمل. جبتُ شوارع المدينة وزرتُ المتحف الفنيّ حيث وجدتُ لوحات مدهشة حقًّا وأحببتُ أن أتحسّس قميصك المزهّر أمام إحداها. اشتريتُ بعد ذلك كعكًا وكوبًا من القهوة الداكنة. جلستُ على مقعد خشبي جانب امرأة لا يبدو أنها انتبهت لي أصلا. في الثلاثين كما أعتقد. من النساء اللواتي يعتّقهن العمر ويكسبهنّ اكتنازًا مغريًا. لها شعرٌ أشبه بالذرة قبل أن تخلع ثيابها وتُسلَق. تنغمسُ في قراءة كتاب باللغة الإنجليزية أعتقد أنه "موتُ بائعٍ متجول" الذي يحكي عن تكاليف الحياة الباهظة والعبودية المادية الفظيعة. تذكرين؟ حين أتممتِ قراءته قبل فترة قلت لي إنه جلب لك الاكتئاب لدرجة أنك وددتِ أن تعيدي كلّ الأشياء التي حصلت عليها بالتقسيط وتنتحري. أوه يا مارلي! مرت صورتك في بالي وأنا أحدّق في الصفحة المفتوحة حتّى وثب قلبي تجاه عينيك اللوزيتين وتقتُ إلى تمزيق وجهك قُبلًا محمومة مختلطة بالقهوة ودبق السكر. تعرفين، قُبلًا متسخة مشردة من طفل لا يملك أن ينظّف شفاهه أبدًا. لكنّ المرأة اللعينة قلبت الصفحة أخيرًا ولا أقول أن هذا قد أخفى صورتك لكنه جعلك تختبئين من أفكاري الشيطانية.

قلتُ في نفسي وأنا أنظر نحو أشجار الحديقة المرتّبة على نحو مقلق أنني سأستقلّ أول قطار وأذهب لألقاك. تذكرتُ أنك مسافرة الآن وربّما تشربين الشاي المثلّج مع أحد الزبائن في مقهى منمّق وتمسحين فمك بمنديل أبيض، وتتفقّدين فستانك بين اللحظة والأخرى. إنك لا تكفّين عن ممارسة الحركات الطفولية الحمقاء التي تعجب كل الرجال. لا تكلّفك الحركات شيئًا ولا تتطلب منك تعمّدًا وهذا ما يجعلها مثيرة بشدة. وإنني الآن، ولأسباب غير مفهومة أشعر بالغيرة المطلقة وأودّ أن أضربك بشدّة حتّى تبكين، ثم أغازل عينيك المائجتين بالملوحة وأضربك مجددا. وأخرج لأسكر وحيدًا وأنا أستمع إلى أغنيات كئيبة. وحين أعود أفضل أن أتكور في جسدك البحري مثل دلفين ذكي جدا وأن أتواصل معك بالغناء فقط. فوحدك تعرفين أنني نزق وأحمق ومريض.
خبّئيني يا مارلين من بؤسي. امسحي على رأسي مرتين وقبّلي بطني الفارغ ثم أطلعيني على أكثر أحلامك سخافة واضربي على قلبي حتّى ينفجر. تعالي نغتسلْ بدمائي ونضيع. سيصيرُ بياضك كرزًا ولن أجوع مرة أخرى بعد أن آكلك.

ألا ترين كيف تموج أوراق الشجرة؟ إنها تبعث بي رغبة عميقة في التأمل والرسم وتضعني على حافة العالم. فأنا حر بشكل لا يُطاق.

سأعود إلى المنزل بينما تستمر المرأة في انغماسها الواعي وتستمرين أنت بالتنقل أمامي مثل فراشة شقيّة. سآخذ حماما معتدلًا وأتلحّف بمنشفتي الصفراء التي أهديتيني إياها في عيد ميلادي الماضي دون أن تشاركيني دفئها.

03‏/08‏/2016

مطر





مطرٌ مطر.
الموسيقى الهشّة تسكن أذني وصرير السّرير الحديديّ يصيرُ أكثر وضوحًا والرواية اللعينة التي بدأتُ بها لا تنتهي. هنا، الفستان المليء برائحة النبيذ يستوطن فراغ الأرض ويعوي. كانت له أنثاه قبل قليل، لكنه الآن وحيدٌ ومظلم.
مطرٌ مطر.
وأروقة المعبد الذي صلّينا فيه صلاتنا الأولى قد هُدمت. هل تشعر بالحزن مثلي لأن ليس هناك ظلًا كبيرًا نرمي عليه أصابعنا المتعبَة؟ وهل يؤذيكَ كما يؤذيني ظهور الحقيقة بهذا الشّكل المُفجِع، وانتهاء كوب العصير، وخراب موسم الزيتون وموت جارتنا إثر سكتة قلبيّة وقد كان بإمكانها أن تموت إثر انفجار عظيم لو أنها رافقتني هذا الصباح؟
مطرٌ مطر.
يولّي الرقص وجهه نحو الطرف الآخر وينام مثلَ أي رجلٍ بليد لا يقدّر توهّج الشعر ونعومة القطن واستحالة الفحم إلى جمرٍ برتقاليّ عجيب. يصيرُ الليل مسرحًا هزليًّا وينتظر الجميع وصول القطار. يبنيه بعض الجالسين من الحجر الذي تساقط على رؤوسهم عقبَ آخر غارة جويّة وينتظرون كالحمقى أن يتحرّك فعلًا. بينما يصدّق الآخرون قصّة فيروز عن "المحطّة" ويرفضون أن يصدّقوا أنّ المحطّة لا تعدو كونها "حقل بطاطا" وأنّ بإمكانهم إذا استثمروها أن يشتروا بثمنها قطارًا حقيقيًّا ويعبروا. أنا؟ أحرّك المكعّبات الملونة وأصنع منها صندوقًا مثقوبًا من كلّ الجوانب لأنني لا أطيقُ منزلًا من دون نوافذ ولا أستطيعُ تقبّل السّجن الذي يشيّده لي الآخرون.
مطرٌ مطر.
يا أيها المرميّ مثل سجادة في سوق الأشياء المستعلمة من يشتريك؟ إنك رغم كلّ شيء تبدو أقلّ من طموحاتهم وعليك في كلّ الأحوال ومن أجل نفسك أولا أن تفتت هذا النسيج الغبيّ الذي أنت عليه وتصنع من خيوطك الملونة شيئًا آخر أكثر خفّة. طائرة ورق مثلا. فقد كان خطأ يا عزيزي أن نربط الأشياء الضخمة بالأهمية دوما.
مطرٌ مطر.
وقد اختبأت العصافير في شعري. بنيتُ خيمة فسيحة على كتفي ولجأت إليها. أنا المشرّدة على حدود نفسي. الراغبة في السّفر إليك أبدًا.

02‏/08‏/2016

دائرة



هذه الدائرةُ لا تحميني، لكنها تشبهُ المجال الخارق لأنثى "مطّاطيّة"!




تجمّع الرجالُ في الساحة الكبيرةِ، وكانوا يتشاورون بشأن شيءٍ مهمٍ كما كان يبدو. رفع أحدهم يده بغضبٍ وتعالتِ الشّتائمُ، وكاد اثنان أن يتقاتلا لولا أن تدخّل ثالثٌ تظهرُ على حركاته الجسديّة مسحةٌ من الحكمة والاتزان. هذا ما رأيته عندما أزحتُ الستارة لأسلم على العالم الذي ما كان ليبدو لي مختلفًا كثيرًا، فقد تساوى الوقتُ أخيرًا، وصارتِ الساعة السّادسة صباحًا لا تختلفُ عن السادسة مساءً إلا في فنجان القهوة بالحليب!
فركتُ عينيّ وتتبّعتُ لونهما الذي قادني إلى باب الغرفةِ حيثُ فتحتهُ وخرجتْ. كنتُ أمشي كأنثى تجرّها خصلةُ شعرٍ في مقدّمةِ رأسها. سلّمتُ على أمّي -كما يفعلُ الطيّبون- وقد كانت تكتبُ على دفترها الصغير بضع ملاحظاتٍ لم أتبيّنها، ترخي نظّارتها على أنفها ثم تقفُ قليلًا -تفكّرُ على ما يبدو- وتنغمسُ في الكتابة مجدّدًا وهذا ما جعلها تردّ تحيّتي بإيماءةٍ واحدة.
"يالَ الثلاثاء النيسانيّ الموحِش" قلتُ هذا بمنتهى الإجحاف والطفولة، وبرز في وجهي مدرّب التفكير الإيجابيّ  الذي قرأتُ لهُ بضع سخافاتٍ على أحد المواقع وهو يقول: "ما زال في بدايته، لا تحكمي على الأشياء في بدايتها"، عمومًا. لقد تخلّصتُ منه كمن يفقأ فقاعة لأنني أعرفُ أنني لستُ في البداية. لقد قطعتُ إلى الآن شوطًا كبيرًا جدًّا وأشعرُ أن نيسان عالقٌ هنا منذ سنتين وأنّ يوم الثلاثاء تحديدًا يتكرّرُ بشكلٍ لا يُطاقْ، وعندما أقولُ هذا لأخي وهو يشربُ كوب القهوة ويدخّنُ سيجارتهُ "الأولى" يضحكُ بعبث، بدخان، كأنما ضحكتهُ غيمةٌ نُفخَتْ للتوّ من رئة السّماء، ثمّ يعلّق: "مجنونة!".

أنا الآن أجلسُ على الكرسيّ الأسود الوثير الذي كان أبي قد صنعهُ لي قائلًا: "في العمل لا بدّ أن تكون جلستكِ مريحة، ثقي بي". في الحقيقة أنا غارقةٌ فيه تمامًا ولن أخفي زهوي بحذائي الجديد الذي يشبهُ في ذوقه حذاء المدرسة الابتدائية. إنه لامعٌ جدًّا كأنه مرآةٌ تعكسُ ذكرى مصطفى وهو يقول: "أنا بحبِّكْ لأنو كندرتك نظيفة" فأضحكُ وأحزنُ في آن على ضياع يد الصداقة منا بسبب الحرب والموت، لكنني سرعان ما أبتسمُ مجدّدًا وأضربُ بقدميّ الأرض محدثةً طرقاتٍ سريعة وإسبانية حتّى تفرغ الموسيقى التي تسري في رأسي، وتستكين الحياة التي تضجّ خلف الزجاج النظيف.



على الهامش: "إنّي مرساةٌ لا ترسو".













09‏/07‏/2016

الشوارع المظلمة والقهوة المتأخرة




ولّت المرأة وجهها نحو الجانب الآخر. بلعت ريقها ودمعها أيضًا، ثمّ عدّلت جلستها وابتسمت. قالت لي بينما يبرز همّ العالم من حلقها: "أنا بخير كثير. أنا حلوة وأنيقة. عندي ألوان وكتب، وأفكار وجوديّة عظيمة. لم أخسر أحدًا في الحرب اللعينة التي شهدتها، وهذا حكمٌ غير دقيق لأنني أشعر أحيانًا بأنني خسرتُ كل شيء، وفي أحيان أخرى تختلطُ عليّ المفاهيم فأتساءل عن حقيقة الحرب أولا. ما تعريفها؟ ما ملامحها؟ ما هي الشروط الواجب توفرها لنسمّي ما يحدث حربًا؟ أليست الدّنيا -كل الدنيا- في النهاية حربًا سيّئة وبشعة؟
اعتقلوني في الأسبوع الماضي ليوجّهوا لي أسئلة كثيرة. اسمي، بيتي، أصدقائي. أسئلة لا تخطر بالبال، وخيّل إليّ أنهم سيضعون أمامي ورقة مليئة بالمسائل المعقّدة التي من شأنها أن تستكشف كلّ تفاصيل حياتي مهما كانت محرجة وخاصة. خفتُ أن يعرف الرجل الذي يحدّق بي بجمود أن جوربي مثقوب من طرفه، وخفتُ أن يقول لي: "مثقوب؟ لأي جماعة ينتمي الثقب الذي في جوربك؟

حين خرجتُ بعد أن نلتُ كدمة على ذراعي بدا لي أنني أريكةٌ قديمةٌ جدًّا قد فضحتِ الشمس غبارها ولونها المبرِش. شعرتُ بالوحدة وبعزلة لم أبتغِها وتملكني شعور مناقض تمامًا وكأنني كنتُ عارية في سوق مزدحم يعدّ فيه الآخرون شامات رقبتي ويبصقون علي. للحظة، بدا السائق، وبائع الخضار، وأعقاب السجائر وحتّى السماء جوقة من المحققين. رحتُ أركض بسرعة لأتخلص مما علق بي. لأنفض كل الأوساخ، لكنّ هناك قذارةً ما تبقى عالقةً في روحك مهما حاولتِ إزالتها".

ارتشفتْ من القهوة الموضوعة على الطاولة. ابتعلت فمها لثوانٍ ثم ضحكت. كانت ضحكتها مشوبة بالألم الذي يتغذى حتّى على ابتسامات صاحبه. نظرت إليّ كأنها تبحث في وجهي عن شيء ما. النظرُ صار تحديقًا. التحديقُ صار حديثًا صامتًا. الحديثُ انفجر في النهاية حين قالت: "عيناكِ واسعتان مثل المرآة الخشبية الدافئة في غرفة جدّتي. بإمكانك أن تحاربي بهما البؤس كما تقول الأساطير المزعجة لكنّ هذا لن يدوم طويلًا إذ أن للجمال لعنة لا بدّ أن تنال صاحبها. حسنًا! هذا ليس أمرًا يمكن إثباته بالنقاش أو بالبحث العلمي لكنني لا أعرف نساء سعيدات بعينين واسعتين كعينيكِ". تشاركنا في الضحك العميق حتّى وضعتُ يدي على بطني، وتناولتُ حنجرتي في شهقة شديدةٍ ومتخرّشة. لا أعرف بالضبط لم انتابتني هذه القهقهة. ربّما لأنني ما حسبتُ أن تتنبّأ لي هذه المرأة التي تعتني بتفاصيل سترتها، وترتدي ساعة دقيقة جدّا بمستقبلي.

هدأت ثورتنا الصغيرة. ارتشفنا القهوة مجددا. في الحقيقة، شربنا ما تبقى منها مثلما يُشرَبُ قدحُ "العرق" الجبلي. دفعةً واحدة ومن دون تردد، ودون اقتراح نخبٍ ما. الجبليّون لا يقترحون أنخابهم، ولا يدقّون أقداحهم لأن هذا يضعف حماسهم، ويضيّع الفوضى، ويجعل من القدح حكرًا على أمنية واحدة بينما تكون وظيفته دعس العالم كلّه، وزجّه في القفص الصدريّ، وتحويله إلى غيمة.

قالت وهي تقلّب يديها: "هل عشت مثلي في وهم الأشياء العظيمة؟ وبنيتِ لنفسك التمثال القوي الذي توهّمت أن بإمكانك العيش على الأفكار المجردة فقط؟ وأن بإمكانك أن تختصري العالم حقّا دون حاجتك إلى أحد؟ أريد أن أعمل، أن أكتب مجلدًا ضخمًا عن حياتي الزاخرة بالإنجازات. أريد أن أُبعد كل الأشخاص الذين قد يحتلون رفوف قلبي، وأتهم كل الرجال الذين ينظرون إلى فستاني الأصفر بالتحرّش. خفتُ جدا أن أنظر إلى داخلي. عميقًا كما تعرفين! في تلك الزاوية التي قلّما أقضي فيها وقتًا أو أراعيها. ومنذ يومين، عندما كنتُ أداعب قطتي المتسخة، وأعبث برأسها. سرحتُ في المنظر الذي تكشفه النافذة. إنه مشهد كئيبٌ في كل الأحوال. عبارةٌ عن شارع أقرع، في نهايته شجرة قد تكومت تحتها أكياس القمامة على نحو لا يصدّق، تتراشقه المنازل وبعض الأطفال المشردين الذين لا يشتري منهم أحد. فكرتُ في طفولتي السحيقة، وفي التجارب المجنونة التي كان من الممكن أن أحياها مع الرجل الوحيد الذي كان مستعدا لوهبي قلبه. كان الأمر يبدو لي سخيفا جدا. أن يهبني أحدهم قلبه؟ لكنني الآن أعي جمال الأمر ونبله، وأفتقد كتفًا صادقة أضع عليها شعري. كيف تُطاق الحياة دون محبّة؟ حين سألت هذا السؤال أوجعتني الزاوية القصيّة، وشعرتُ بيتمٍ ما. لكنني بدل أن أرقص، أو أتصل بصديقتي، أو أصنع كرات الشوكولا مثلًا. بدل أن أقوم بأي شيء عادي ومبهج، أمسكتُ هاتفي ورحتُ أردّ على كل الذين لا يعرفونني تمامًا. الذين يقولون أنني عظيمة جدا وملهمة. لا يعرفون أنني إناء مكسور من طرفه. هذا لا يفقدني شكلي في نهاية الأمر، لكنه لا يجعلني كاملة في نفس الوقت ولا عظيمة على النحو الذي أرجوه بعد كل هذا العمر".

صمتَتْ. صار وقع الموسيقى المنبعثة من سيارة "الغاز" التي تمر بجانبنا أكثر وضوحًا. "إنها موسيقى سنة عن سنة؟" سألتني فقلت لها: "نعم، ستكون أسطوانة غاز كلاسيكية ومعقدة مثل فيروز"، وعدنا للضحك.
"هل نطلبُ المزيد من القهوة؟" أجابتني: "حلّ الليل وأنا أخشى الشوارع المظلمة والقهوة المتأخرة، وعليّ أن أعود".

تودعنا عند الباب. حدقت بي مجددا، بعيني، وهذه المرة عجزت عن القهقهة. قبلتُ بطاقة عليها رقم هاتفها الأنيق جدا الذي يحتوي على الكثير من الرقم خمسة. لوحت لي: "اتصلي"
لوحتُ لها: "سأفعل، وسوف تعرفين أن رقمي أكثر أناقة" غابت ضحكاتنا في المسافة التي تفصل بيننا وهذا أفضل بكثير من انفصال الأيادي وانقطاع السخرية في أي لقاء عادي آخر. 

05‏/07‏/2016

مع خالص الغناء




صديقتي، قطعة السكّر التي ذابت أخيرًا.

هذه البقعة لا تضيءُ أبدًا. أشعرُ بالعطش وهناك كائناتٌ تتمشّى على جسدي. لا أعرف كيف أقول لك ما أودّ قوله، لكن يجبُ أن تدركي أن رحيلك لم يكن حدثًا عاديًا. لقد فجّر عندي البؤس والشكّ وهشاشة الحياة، وحين تهدّلت يدكِ فقدتُ القدرة على مصافحة العالم.

قبل يومين فكّرتُ في زيارتك. قطفتُ لك الورد من حديقة بيتنا. وردٌ عشوائيٌ جدًّا وملون. دخلتُ المقبرة وبحثتُ عنك طويلًا. أطول مما تظنين. ضعتُ بين الأشجار. وأخيرًا وجدتك تحت ظلال الزنزلخت.
وقفتُ محرجة تمامًا من انتصاب قامتي ولون بشرتي، وفمي، وملابسي. رحتُ أشدّ سترتي. أضغط بأصابعي على الحقيبة التفاحية. أسترعي انتباه العصافير حتّى تساعدني، وأحاول جاهدة استنبات مدىً يجمعنا. تنهدتُ بعدها لافظةً تعبي. جلستُ على حجرة عتيقة قرب رأسك على ما أظن. وزّعتُ الورد، رسمت به عصفورًا، وعدتُ إلى البحلقة من جديد. هناك شاهدةٌ بيضاء تختصر مجيئك وذهابك ببساطة. عروق من الريحان تركها حزينٌ قبلي. فركتُها بيدي، ولم أبكي. أنت تعرفين أنني بليدة، وقد أنشغل مثل الأطفال بطرح التساؤلات على كل شيء قائلة: "حقا؟ كيف حصل هذا؟". لكنّ طفولتي لم تدم طويلًا لأنني أذكر جيدًا كل تفاصيل اختفائك، وأعرف كما لا يعرف سواي أن هذه السنوات قليلة على شغفك بالرسم والنحت واختراع الفوضى. بسيّارة مفخخة إذًا؟ تبخرت كما تبخر الآخرون، لكنك حملت القليل من الأمل. حين أسعفوك إلى المشفى، قلتُ في نفسي: "هذه هي صديقتي القوية التي ستنتصر، ستقوم مجددا لنأكل الفوشار، ونصنع كرات الشوكولا، ونتابع فيلمًا مملا، ونقبل دعوات المعارض الفنية. ستقوم مجددا حتى نجتاز البحر ونخترع شكلًا للغيوم، ونبدّل أعيننا كل يوم". تغذيتُ على هذه الفكرة لأيام، وكنتُ أودّ أن تقومي حقا وتعطي الفكرة شكلًا. لكنك أغمضت قلبك أخيرًا، ونمت. دون أن يعرف أحدنا ما الذي كان يريد قوله. أغمضت قلبك آخذة معك الألوان، ورقعة الشطرنج، والمنزل الأزرق. وها أنا، أستوطن الجماد وأسمع صوت الحشرات وأنفض الحرّ عن جسدي. لا أبكي كما تعرفين، بل أغني من أجلك، إذ يمكن لأغنيتي أن تختصر الحكاية. أن تكون ناعمة مثل المشاوير العتيقة، وبطيئة مثل عصفور ثمل بالراحة والغناء. الأمر الذي يقولون أنه احتاج إلى تخطيط لا يعدو كونه ومضة من الرحيل والدمار والموت. حركة واحدة أرخيتِ فيها جدائلك فقصّها الكبار وباعوها. هذه الأغنية يمكنها أيضًا أن تنطق بالحزن الرقيق، والوداع الذي لم يتم، والصوت المبحوح أبدًا.
أنا مثلك يا صديقتي مركبّة من الفزع والفن وبعض السكاكر، لكن الفرق أنني لم أزل هنا -وهذا ليس شيئًا عظيمًا لو تعملمين- لكنني سوف أستغله حتى أحكي عنك. عن المنازل التي لم تُطلى، والأطفال الذين لم يكملوا "عروسة الزعتر".

في المرة القادمة سأجلب لك بعض الأصداف، والكثير من أحلام البحر بلقائك مجددا. فلترقدي في قلبي. في نافذته المفتوحة، في ثقبه الأسود، على رصيفه الرمادي المليء بالمنافي. في الغيمة التي نالها "الجبل البعيد"، في غصّة "اشتقنا ع المواعيد" وكلمة "ياريت" العقيمة.

30‏/06‏/2016

إلى الرجل الخشبي



صفوان داحول

مرحبًا، من بلاد الشمس والعزلة، من هذه الزاوية التي وصلتُ إليها أخيرًا، بعيدًا عن الجميع.
اخترعتُ حصانًا من قطع الخردة ، وهيأتُ أوراقي لأرسم فستانًا جديدًا حتّى أهبهُ لفتاة صغيرة وأقول لها: "موتي في سبيل الألوان". اقتنصتُ الوقت -الضيق جدًّا- حتى أطعم الحمام مع جارنا. جارنا النحيلُ الذي يريد أن يصير رسّامًا والذي يؤجّل هذا دومًا لأن يده مستنزفة من العمل. قلتُ له: "لا تعمل" فضحك كأنما أغمى عليه من البكاء. أخبرني أنني سأكبر يومًا وأعرف كم أن الحياة موحشة وبشعة. لكنني أصرّيت، لم أجد ما يمنع شخصًا من اللحاق بشغفه. وأصرّ هو أيضًا ولم يجد ما يدفعني إلى العناد.
مرحبًا، من البلاد التي تمطر ياسمينًا، وأحذيةً، وأشلاء.
من هذا السرير المحموم بالأرق الذي سيصير نهرًا مقدّسًا من الأفكار والغضب.
أنا غاضبة جدا، منك، من نفسي، من هذا الجدار اللعين الذي لا يتحرك. من قطعة الدانتيل الصغيرة التي لا تكفي لتصير زنّارًا لشعري. من طبق الشوكولا الفارغ الذي ابتلعه الحزن عني ولم يجعلني سعيدة. غاضبة من أمّي التي قررت الصمت دون أن تترك قرب يديها فلّتين. ليتها و-نحن نقف على أعتاب هذه المأساة- تقوم من تحت الردم وتعيد بناء المنزل معي. أنا أعرف أن منازلنا في النهاية لا تعدو كونها وهمًا. لكنني أريد أن أسترجع اللحظة الأخيرة التي سبقت هذا الانهيار، لأقول لهم: "وجهوا البندقية إلى صدري، لا تعافوا فيه أيّ عصفور، لا تتركوا لحماقته أثرًا، أنا أموت في سبيل المحافظة على اللون الأخير في هذه اللوحة، ولا أصير رمادّا أو مادة إخبارية بسهولة".
غاضبةٌ من الليل، والأسرار، ومن صوت "هدى حداد" الذي سلّمني إلى الحلم و"ضوّ القمر" وأقنعني أنّ أحدًا سوف "يوصلني إلى المنزل" ويقول "منبع الضوء أنت".
مرحبًا، من البلاد التي تشقى بالقسوة مثل أي أنثى رقيقة تتهاوى رويدًا رويدًا. من هذه الزاوية التي وصلت إليها أخيرًا. اخترعتك ، وهيأت أوراقي لأكتب رسالة .

فمرحبًا أيها الرجل الخشبي.
سأحكي لك ما حدث منذ أيام.


أوقفنا الجدار الضخم قائلُا: "أين الهوية؟". أنت تعلم أنني مواطنة صالحة جدًّا وعادية. لذلك، أخرجتُ صكّ براءتي من جيب سترتي ثم قلتُ بثقة: "هذه هويتي". انتابتني بعدها رغبة عارمة بالضحك، لكنني لم أضحك طبعًا، لأنني مواطنة صالحة، عادية، و"خائفة". حدّق بها، قلّبها، حدّق بها مجددا. لم ألمْه، فهذه الفتاة التي يبحلق في صورتها تختلف كثيرًا عن الفتاة التي تقف أمامه، فقد صرتُ أحلى. ونحنُ -هنا- كلّما ازددنا جمالًا تبعتنا لعنة البؤس والمذلّة. راح يضربُ الهوية على كفّه. كنتُ أعرف أنه يريدُ إرهابي فصمدتُ أكثر. صمودي النفسي كان يقول: "اكسرها إن شئت، لا يهمني". نطق: "بإمكانك أن تذهبي".
وأثناء تمريرها إلي، ظلّ يحدّق بي. شعرتُ أنه نفذ إلى داخلي ورأى العصفور المختبئ المرعوب، ولذلك -ربما- ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة. قلتُ وأنا أضع يدي على حقيبتي: "هكذا يا نور، هزيمة أخرى يحققها رجل عابر".
مضيتُ بسلام إذًأ، لكنّ هذا لم يحدث مع الجميع. اقتِيد أكثر من سبع شبّان نحو المجهول، ونجح واحد فقط في الاختباء. كان المنظر مروّعًا، وصوت الرصاص الذي اخترق الهواء قادر على أن يصيبك بالهلع. الهلعُ المتكرر الذي تحظى به هنا والذي يصيرُ شيئًا عاديًّا. أعني أنك بمرور الوقت لا تتعامل معه بالهرب، بل تقف متسمّرًا وأنت تنظر في عينيه، ثم تتفقد ذراعك ووجهك وكلّك قائلًا ببهجة: "أنا حي". هذه البهجة سرعان ما تتحول إلى حزن بالغ ومعقد لأنك تتذكر أن الآخرين ماتوا أمامك للتو.

وهكذا تسمّرنا جميعًا. التقطنا كل شيء لنحوله إلى موسيقى حين نعود إلى منازلنا. لا لشيء، فقط لأن الموسيقى تُعين التعساء على تحضير العشاء، والرقص، ومتابعة القمر المنقوص، والتهيؤ لممارسة الحب على ضوء شمعة.

وأنا أجلسُ على الرصيف شعرتُ أنه بيتي، وأن أحجاره ما هي إلا غرفي المتعددة التي يمكن أن أملأها باللوحات والمصابيح الزرقاء وحفنة لا بأس بها من القبل. لم ينبع هذا من كوني مشرّدة، لكنني أويت إليه حين عزّ عليّ إكمال الطريق وخارت قواي عن رؤية العمود الذي ينتصب جانب بيتنا المطليّ بالأبيض، في ذلك الشارع الطويل الذي تفوح منه رائحة الطماطم وتتقاذفه السيارات كاتمةً أنفاسه الطبيعية، ومُحوّلةً إياه إلى سترة ضيقة جدا يريد أن يرتديها الجميع.
فكرت: "ما رأيك أن تجلس معي، وتكتشف العتمة الملساء التي يمكن أن نسبح فيها؟ وتجرب الرعب المتمخّض عن تبرير نفسك؟ وتعطيني رأيك بالفستان الذي ابتعته قبل أن يحدث كل هذا؟ أجده شيئًا حقيقا، عليه بومة ملونة تختصر تاريخ حياتي.
انظر؟ أنا مستعدة لعد أصابعك الآن وهي تمتد نحوي. إنها كثيرة وجذابة لكنها عاجزة رغم كل شيء".


مرحبًا من هذه الزاوية
سوف أكشف الغطاء وأصير قطة. ألف نفسي حول نفسي وأسمح لهواء الساعة الرابعة فجرًا أن يحرك كتفي الطري ولن أستجدي أحدا. فقد اكتشفت أنني قوية. عدتُ من الموت للتو وعمري في حسبان الحياة صرخة واحدة فقط.

28‏/06‏/2016

مع جدّي قبل السّفر








على ظهري حقيبةٌ كبيرةٌ جدًّا كنتُ قد ورثتُها من جدّي الذي أوصاني أن أموتَ في سبيلها ثم قال لي: "ستكونين شهيدة الحماقة"، بينما كان يجلسُ ويأكل البطيخ الأحمر ويتابعُ مقطعًا لنجوى فؤاد. عندما مرّ شريطٌ عاجلٌ قال بنزق: "اقرأيه". "انفجارُ عبوةٍ ناسفة في أحد المتاجر، الضحايا خمسة والفاعل مجهول". علّق باستهجان: "وهل يحتاجُ هذا الأمر إلى خبرٍ عاجل؟ لقد مات صديقي في الأمس القريب محترقًا ولم يعره أحدٌ انتباهه، ومات قطّي الأبيض متأثرًا بجراحه ولم يجد من يمجّدهُ. أليست هذه مأساة يا صغيرتي؟". كنتُ قد بلعتُ لساني حينها حتّى عجزتُ عن مجاراته، وتقيأتُ عقلي في الحقيبة حتى لم أجد وسيلةً لأستوعبَ فكرتهُ تمامًا، لكن قلبي كان يشعرُ بالأسى على الحزن أينما حلّ وكيفما كان شكله, مُمَجَّدًا كان أم منسيًّا، بسطًا أم معقّدًا. أعاد جدّي جلستهُ الهادئة وارتختْ أعصابهُ حتّى قال لي: "لا تقرأي لي الأخبار العاجلة حتى لو طلبتُ ذلك".
راح يحرّكُ رجليه كما يفعلُ طفلٌ صغيرٌ يركبُ أرجوحةً تفوقهُ في الحجم والضخامة، ويدندنُ موسيقى عذبة لم استطع تمييز فيما إذا كنتُ قد سمعتُها من قبل أم لا. الزّغبُ الأبيض على رأسه كان يكتسبُ وهجًا إضافيًّا من أشعة الشمس التي أحاطت به، وكان يتمثّلُ جدّتي كما أعتقد إذ كان بصره معلّقًا على أريكتها، ثمّ توقّف عن الدندنةِ وقال: "روحٌ مليئةٌ بالجمالِ قد عبَرتْ "!



_جدّي رجلٌ ضخمٌ جدًّا ويحبّ أن يقول للآخرين أنه كذلك، لكنه يوم وفاة جدتي راح يبكي بحرقة. ولم يكترث بتجفيف دموعه ولا إقامة أي اعتبار للرجال الذين كانوا يقفون مثل جداريّات سخيفة. قالت امرأة حمقاء أنه حزن لأن التي كانت تصنع له الحلويات قد ذهبت، وقالت أخرى أنه بكى لأنه لن يجد من تتحمّل نزقه كما كانت تفعل.
جدّي لم يبحث عن غيرها أصلًا، ولم يفكّر في الحلويات من بعدها. لأنه أدرك أن الفانيليا مضت أيضًا وأن هذا العالم صار مرتعًا للانتظار، لابتغاء الخلود لهما بطريقة أو بأخرى. وبهذا، خرج -هذا الرجل الجبل- مرة أخرى نحو الضوء، وضع قبّعته وارتدى ثوبه الرمادي وقال: "مرحبا"، ردّ عليه الجميع خوفًا من قسوة سلامه، وابتسمتُ مطوّلا في وجهه، وأنا ألحظ العصفور الصغير الذي قفز من عنقه واستحال بخارًا._

وبينما كنتُ أقول كل هذه الجملة المعترضة في بالي، أعاد جدّي جلسته اللا مبالية، توقف عن الغناء وقال: "ألا تسمعين؟ قلت لك اجلبي المزيد من البطيخ "!   

26‏/06‏/2016

رسائل منّي إلي (1) ~ حتّى لا أنسى


اللوحة للفنان السوري، صفوان داحول
نور العزيزة جدًّا. الأغلى على الإطلاق:

لن تصيري سمكة مهما تدهّنت بالماء وسبحتِ. لن تصيري عصفورًا مهما تسلّقت شجرة التين في الفناء الخلفي لبيت جدّك، ولن تحترقي مهما قلت أن ضلوعك من خشب. لن تتحوّلي إلى دالية عنب مهما قالوا أنّ جمالكِ مُسكرٌ، وأن عينيك خمّارتان ماجنتان غارقتان في الليل والوحدة. لن تُرجعي الأشياء من العدم مهما قرأتِ من نظريات وخضتِ في نقاشات وأشعلتِ آخر فتيل في رأسك. لن تعيدي اللحظة التي سبقتْ افتراق يدك عن يد والدك في ذلك البهو المريض المليء برائحة الرزّ المطبوخ بالخضار مختلطًا مع القليل من المعقّمات ومصحوبًا بضربات الفتاة التي كانت تنظّف جدارًا قريبًا، مُمسكة جمود العالم في ملامحها ومبتسمةَ في آن.
لن تنتصب أعواد روحك المكسورة مهما تحدّثتِ عن الأمل والعودة والحنين، ومهما أضأت الشموع وصليتِ، ومهما هشّمت اللوح الزجاجيّ ودستِ عليه. لن يصير فستانك الورديّ أسود مهما جرتِ عليه وحاولتِ تجاهلَ فجرهِ ولهيبه. لن يقول لك أنه آسف، فالأسف أمر معقد للغاية ينبعُ من مفهوم الخطأ الذي يكون بدوره نسبيّ وضبابي. لن يعود ذلك الخيال من الماضي ليقول لك : "خذيني، اصطفيني" لأنّ الأخيلةَ لا تعود، ولا تصير حقيقة بعد كلّ هذا الوقت من النّأي، ونكران القلب، واجترار الأسى. لن تفهم أمك لماذا بكيت حين فقدت مشبك شعرك البنفجسي لأنها ستعتبر أن شعرك طويل جدا وأن الدنيا مليئة بالمشابك الأكثر جمالًا وألوانًا. لن تتحرك ستارة نافذتك في حزيران بفعل النسيم بل سوف تتعرق وتتقبل انحناء الشمس في دورة مهمة لا تبدي خلالها أي انزعاج.

أنت في قوقعتكِ الملتفّة، المشبوكة. مثل أية بلهاء تحدق في جدار وهي تنتظر أن تخرج الصراصير من شقوقه وتعتذر عن سوادها. ماذا عن الفراشات التي تحلق حولك؟ ماذا عن النور النابع الذي ينعكس على الشقوق ويعقّم عفنها؟ ماذا عن الماضي الذي يستقيم ويمارس صفته من ناحية المضيّ والسكون؟ ماذا عن الآن الذي ينظر إليك بعين واسعة جدا آخذًا جمالك بعين الاعتبار وكاسيًا كتفك الأيمن بشالٍ من "الدّانتيل الأخضر"؟

24‏/06‏/2016

تفاصيل (11)







مرتان في اليوم وأحيانا أكثر، أقطع ذلك الطريق الطويل الممتدّ كأنّ آخره العالم، وأحيانًا في -لحظات التّعب- يبدو بلا آخر. يهيّئ له "حزيران" في هذه الأيام تيّارات مليئة بالحرارة، وتلوّحه الشمس من كل الجوانب. لا مظلّة فيه ولا ظلا للاحتماء. فقط طريق ضيّق بعض الشيء على جانبيه رصيفان رماديان يحملان على كتفيهما عمارات ومنازل مهجورة. كان "محمّد" الصبي الذي اعتدتُ مقابلته كل يوم، يتسلّق جدارًا متوسّط العلوّ ليجلس على حافّته. في الأسفل كانت تقف "لارا" الفتاة التي ترافقه دومًا. خُيّل إلي أنه مشهد كلاسيكيّ جدًا من ذلك النوع الذي يستعرض فيه البطل مهارة معيّنة حتّى تصفق له الأنثى ويصير قلبها أشدّ احمرارًا. ابتسمتُ بهدوء وأنا أنظر إلى محمّد المزهوّ بنفسه كأنما وصل أعلى قمّة في العالم.

وأنا أمشّط الإسفلت الحارّ بقدميّ  أحببتُ خطواتي وقدّستُها. وربما اكتسبتُ حبّ الرقص لكثرة ما مشيت في حياتي، واكتشفتُ كم من الممكن أن نحوّل أقدامنا إلى أوتار نابضة وخيوطا من الألوان، علّنا بذلك نبطئ من عدْوِ الخراب السريع، أو نجتذبه إلينا بحركة أو دوران مجنون. وفي لحظات كثيرة -في الصباح تحديدًا- عندما يكون الطريق خاليًا كنتُ أتفاعل مع الموسيقى المنبعثة من سماعات أذنيّ. أكثر من يعرف أسرار هذه اللحظات الخاصة هي الموسيقى الهنديّة التي كانت تستنبتُ لي جناحين وتجعل نبوءة صديقي -صاحب الشعر الخفيف الجميل والسترة المقدّسة- حقيقة إذ كان يقول دومًا: "أنت عصفورة، عصفورة قلبي".


على ذات الطريق أيضًا، شهدتُ المآسي. آخرها كان ذلك الحريق الهائل الذي شبّ في الدكان الوحيد الموجود فيه. كان دكانًا صغيرًا مليئًا بأكياس البطاطا وعلب البسكويت والسكاكر والفحم و "البينزين". ملاذ الأطفال الصغار الذين يقيمون في المنازل القريبة منه، وفي أحيان كثيرة كان ملاذ طفولتي أيضًا، عندما كنتُ أشتهي كأس الذرة المسلوقة مجيبة "بنعم" على سؤال الرجل الذي كان يقول: "ذرة بالزّبدة والملح؟". فاردةً يدي ومستعدّة للمتعة الكبرى.
لا زلتُ أذكر الصراخ الذي كان ينبعث في ذلك اليوم حادًّا وموجعًا. فكرتُ في البداية -بسبب الأوضاع السيئة عموما- أن هناك انفجار أو اعتقال أو مشكلة قائمة على اختلاف طائفي أو حتّى فكري. وكل هذه كانت أحداثًا مؤلمو طبعًا، لكن الصراخ حينها كان بسبب النار التي اندلعت في جسد طفل صغير علق داخل الدكان وتكوم على نفسه غير قادر على النهوض. رأيت الذي كان يبيعني البهجة خارجًا هو الآخر بكمية بائسة من الأذى. كان قد نجح في إنقاذ طفلين وعجز عن أنقاذ الثالث. حاولنا مساعدته لكن النار كانت جائعة جدّا بحيث ابتعلت كل شيء. لم تبقَ أي علامة على أنّ الألوان مرت من هنا يومًا ما، أو أن هذه البقعة الصغيرة -التي بدت سوداء على نحو لا يصدق- كانت نافذة للحياة والضحك. تلاشى كل شيء في لحظة واحدة. وكانت أم الطفل تبكي على الرصيف بل تنوح. تنوح معها الأحجار وأبواب المنازل الحديدية والماء الضعيف والسوائل السوداء التي كانت تجري آخذةً معها آخر ضحكة له وآخر سؤال. حتّى الآن، لم يزل المكان خرابًا، ولا يبدو أنّ أحدًا -بمن فيهم أنا- سوف يتصالح مع هذا الخراب أو ينسى تفاصيله بهذه السهولة. فالدكان لم يكن مجرّد مكان عادي. كان يمثّل شيئًا أعمق لكلّ الذين يعبرون الطريق كجزءٍ من حياتهم وشقائهم.

ذلك المنزل الأخضر على ضفة الطريق اليمنى يبدو أن بابه قد طلي للتو. كان علامة تغير لافتة وسط تكرار المشهد كل يوم. توضعت أمامه سيارة بلاتينية نظيفة جدا يبدو أنها غُسلت للتو أيضًا. لم يعد المنزل مهجورًا بعد الآن. صار على حافة جداره أصيص زهر وردديّ قاني -وهذا من ألواني المفضلة- يجاوره أصيص آخر تنام فيه عروق خضراء وتتشقق التربة البنية الرطبة دالة على عبور خيوط الماء فيها. فكرتْ "يال السعادة" وأنا ألتقط بعيني صورة سريعة لهذه الحياة الجديدة. ابتسمتُ بعمق شديد، ثم رددتُ تحية محمّد الذي اعتاد بعد العشرة التي لا بأس بها أن يناديني من الطرف الآخر "نوووور" مبتسمًا وفخورًا بصوته، غير مبالٍ بملابسه القديمة وحذائه الذي هرسته الخطوات ربّما. إذ كان يبدو جقيقيًّا جدا ومليئًا بالحياة، مستعدا أكثر من أي رجل ناضج وكبير أن يغني ويقول ل "لارا": "سوف أستمر في التسلّق من أجلك. هذا ليس شيئًا مؤقّتًا".

على الهامش: للطريق بقية
للطريق تفاصيل أخرى.

20‏/06‏/2016

أربعون ساعة من الاستيقاظ



كنتُ أودّ أن أطلعكَ على بعض الأشياء المهمة ولكنني نسيتها الآن. إنني أنسى كثيرًا في هذه الأيام وكلّما ازداد النسيان في حدّته أستمع إلى الموسيقى أو أسجّل مقطعًا صوتيًّا أغني فيه أغنية ناقصة محاولةً بذلك الاعتذار عن شطحاتي وسكوني لأيام طويلة. أودّ أن تعرف أنني أتهاوى كلّ يوم أكثر، ولا تقلق فهذا لا يمنعني من الابتسامة والتنزّه ولعن الحر الشديد وتحويل معاناتي اليومية إلى قصيدة. كما أنني أحاول الاحتفاظ بحسّ السخرية قدر المستطاع.

مضى وقتٌ طويلٌ على نومي الأخير. ما يزيد عن أربعين ساعة وإنني أحاول الآن أن أصل إلى هاتفي لأرى كيف باع "الدكتور فاوست" روحه إلى الشيطان. كان عندي صديقة بسيطة جدًّا تنتقد هذه التسمية لا لشيء إلا لأنها تفكر فيها بطريقة كلاسيكية. الشيطان في نظرها كان مخلوقًا غريبًا قادمًا من مكان سفليّ جدًّا ووضيع. له عينان غائرتان ويده سيفٌ من نار، وصوته فحيحُ أفعى. كانت تنفخُ على ملابسها عندما تتحدث عنه وتتلفظ بأشياء لا أفهمها. واليوم، أودّ أن ألتقي بها لأخبرها كم أنها مخطئة. "فالشيطان" يمشي بيننا. وقد تكون له بشرة ناعمة جدًّا وابتسامة هادئة. قد يكون فينا أيضًا. ما يكون استسلامنا إذًا؟ ما يكون هذا الكره الذي يسكننا؟ ما تكون هذه الفروع الخضراء التي نقصّها لنمنع شجرة من التعريش؟ ما يكون الأرق؟ الحزن؟ ليتني ألتقي بها لأخبرها أن الشيطان مجازٌ معقد جدا وغريب، وأنه في كلّ شيء يفرض سيطرته علينا ويدوس على وجوهنا مصرًّا على عقد صفقته مهما كان الثّمن.لقد أقسمتُ وأنا أصنع الرزّ الأبيض منذ أسبوع ألا أبيع روحي له أبدًا. لذلك فإنني أشاركك هذه التفاصيل وأصنع لنفسي فساتين ملونة وأمجّد الأشياء البسيطة وأربّت عليها، وأقول لعزيز -رجلي الصغير- وهو يلوح لي من بعيد أنني أحبّهُ جدًّا وأننا سوف نذهب معًا لشراء دفتر ألوان وسوف نستخدمُ حاسّة الموسيقى لعبور شارع مزدحم. لذلك فإنني أرسم بقلمٍ مكسور، وأدور حول متاهات الغبار، وأستدرج نوري لأمنح هذا الليل الرابض على صدري سببًا للرحيل. ما تفعل أنت حيال أرقك؟

منذ قليل، مرت طائرة فوق بيتنا، وهذا ليس خبرًا مميّزًا لكنها كانت قريبة جدا. أكاد أجزم أنه رآني وربّما قال: "لا، ليس الآن. مازال عندها دفتر يجب أن تملأه، وطبق من ورق العنب لا بدّ أن تأكله. سأعود في وقتٍ لاحق. سآخذها بكامل نضوجها وجمالها ولن يسأل أحد إلى أين تذهب".
أنا أيضًا لا أريد أن أموت الآن. مجرد حدث عابر ينتهي باستفاقتك دون أن تراني. هل كنت لتتساءلَ كيف عبرت؟ من أي خرم؟ من أيّ شقٍ صغير مددت نفسي وصرتُ خيطًا رفيعًا وانتهيت؟ يقول بعض الأشخاص أننا حين نموت نصير غبارًا ونتحد بالكواكب ثم نشعّ إلى الأبد. ولكن، ما هو الأبد يا صديقي؟
إن الأوهام تقتلني، ولا أدري كيف أشرح لك الأمر، وكيف أعبر لك عن مدى أسفي. لقد رأيت الحقيقة الهشّة أمامي قبل أسابيع. كانت تتوضح مع كل بقعة دم تنصبغ على ثوبي، وكان صراخ الرجال -الذين حسبتُ أنهم لا يصرخون- يشقّ روحي ويدلف إليها ثم يقتل مجموعة لا يستهان بها من العصافير. الجروح التي اكتسبتها في ذلك اليوم راحت تتعمق وتصير خنادق لعينة يجري فيها الدم ويصب في قلبي مانحًا إياي سببًا آخر للخوف. توجعت جدا. استعدتُ حياتي للحظات، ولكنني لم أكن قادرة على الحفاظ عليها رغم كل شيء. حاولتُ كما كان يحاول الجميع أن أقول أنني صامدة، وأن عيني التي اصطادت صديقتي وهي تموت لن تحتفظ بهذه الذكرى إلا قليلًا، وسوف تحوّلها إلى حدث سيء يُضاف إلى كومة المصائب لا أكثر. وأنّ الأب المسكين الذي كان يلطم وجهه سوف يجدُ في جثّة ولده الهامدة سببا ليقوم ويغني. كم قدمًا تلزمنا لنمشي مرة أخرى؟ كم روحًا نحتاجُ لنرقص؟ حجمُ الدمار كبير جدًّا، وليس خطأ كما كانت تقول حافلة محترقة أن نبكي. وليس خطأ كما تقول طائرة عابرة الآن أن ننتظر. هل تنتظرُ معي؟
لا تقلق. ليس ضروريًّا أن تقول نعم. فأنا أدرك اختلافنا، وأدرك ألا أحد مستعد لانتظار كهذا. حتى أنا لست مستعدة، وأشقّ أنفاسي من قلب الحديد البارد حتى أمنح هذه الأصابع التي تكتبُ الآن سببًا للاستمرار، وقدرة على المرور حول عينيك وصولًا إلى صدغك الأيسر الحبيب، ونزولا عند صدرك الضبابي الذي يشبه انعجان الصخور بشلال يهطلُ من الأعلى. الأعلى هو فمك المزموم على أحاديثه الطويلة والمعتمة.

دخلت أمي الغرفة. قالت لي: "تعالي نشربْ الشاي". الطاولة مستديرة وصغيرة. تتسع ليدينا فقط. ترمي أمي بضع قطع من الكعك الهش، ثم تحرك السكر بملعقة بيضاء وتضعها جانبًا بتأنٍ ملفت. ثمّ تُعيد جسدها نحو الخلف مستندةً على وسادة ذهبيّة مبرشّة. تحدثني عن مخاوفها وأفكارها بشأن تحسين ما يمكن إنقاذه. منذ زمن. عندما كان عندي ضفائر. كنتُ أعتقد أن الكبار لا يخافون، وأنّ لديهم كلّ الحلول مما يدفعهم لعدم البكاء والصراخ. لذلك -ربما- كنتُ أقول في نفسي: "متى أكبر؟ يالها من فكرة مدهشة!". والآن، وأمي تتحدث بهذا الرعب، وتنقر بيديها منفعلة وقد غشاها التعب. مستجلبة الوجوه من ذاكرتها، لاعنةً فيروز والكتب التي قرأتها، آسفة على ضياع دفتر رسوماتها ومعاتبة جدّي طويلًا. أكتشفُ أنني - الكبيرة الصغيرة- سأكون الحضن المتكفّل برعايتها وإخبارها بجدوى الرقص، وأنّ الكثير من الكتب التي نقرأها قد تتخلى عنا عند أول تجربة حقيقية وأن أمل فيروز رومانسي مخصوص بزمن سحيق وبعيد، ولا حقيقة في هذا الكون الذي يأكل نفسه سوى امتلاكنا لهذه اللحظة، وإحساسنا بسخونة الشاي على شفاهنا وبقايا الكعك على أصابعنا. وقد أحتضنها، وأقول لها بكلّ هدوء: "لا تقلقي، تحدث معي أشياء كهذه". متى احتضنتَ "حضنكَ" آخر مرة؟

أعود إلى غرفتي. الهواء ساخن جدًّا. حزيران يفرقعُ أصابعه عند الشباك ويدخّن سيجارته العاشرة ثم يسحب قطع الشوكولا من درجي القريب. يقشّرها ويبتلعها ثم يمضي تاركًا أثر لمساته المحمومة في هذا الجوّ الدبق. تدور أصوات الموسيقى مخمورة في كلّ شيء. في مشبك شعري الأزرق. في قميصي الأصفر المتروك على الكرسي. في حذائي الكهرماني المتعَب من العَدْوِ الأخير. في الغطاء البحريّ المائج بأزهاره كأنما حلّ به عشق أو أصابته قذيفة ملونة. في زجاجات العطر الفارغة وتلك الوحيدة الممتلئة حتّى منتصفها. ما يمكن أن تقولَه عن فتاة تستخدم عطرًا اسمه "هزار"؟ من المؤكّد أنك لم تسمع به من قبل. الجميلاتُ لا يحتجن إلى عطور معروفة، وربّما لا يحتجن العطر أبدًا. لكنه وفي مرحلة من مراحل الذكرى يغدو مهمًا بل جوهريًا ليكتمل نصابُ هذا الحفل الصاخب. ما اسم عطرك؟

أسمع جارنا وهو يصرخ. هو ذاته من رمى طفله من السيارة اليوم بطريقة همجيّة بعد أن امتنع عن النزول. أقول لك. لم أستطع امتلاك نفسي. قلت له: "هذا ضد الإنسانية تمامًا. ما تظن أنك تفعل؟" فقال بكلّ وقاحة: "أربّي إبني". تكفل جارنا الآخر بالنقاش بينما كان الطفل الصغير يبكي. أمسكت يده ومسحتُ وجهه وقلت له ما خطر ببالي حينها. ثم تمشينا قليلًا واشترينا السكاكر وأطعمنا دجاجة "إم مصطفى". أوصلته إلى منزلهم حيث فتحت لي أمه الهزيلة التي اعتبرتها مشاركة في هذا المسار التربوي الأحمق. إنه يصرخ الآن. مثل أي شيء سيّء يحصل هنا. مثل الموت والتفخيخ وصعوبة العيش والابتسامات الناقصة. متى شعرتَ بالرغبة في قتل أحدهم؟

استوى عقلي الآن. صار شديد الاحمرار ومحتقنًا. يبدو أنني استعدتُ ذاكرتي في النهاية...


على الهامش: Yanni - الصديق الوفي

18‏/06‏/2016

مي




فقدت والدها حين استقرّ "صاروخ" في غرفته حيث اعتاد أن يجلس ليتابع نشرة الأخبار ويشتم قليلًا. لم تكن في المنزل حينها، فقد كانت تعمل في منطقة بعيدة بعض الشيء وتتحمل عبء الحواجز والخوف المتربّص بها حتّى تؤمّن له ما يحتاج. حين عادت لم تستوعب في البداية أنها تقف أمام منزلها. فقدت إيمانها بكلّ ما يمكن أن يقدّم لها العون في تلك اللحظة، حتى أنها نسيت الأدعية والصلاة والعبارات التي قالتها في الشهر الفائت لصديقتها التي فقدت عائلتها أيضًا. كان العمّ جلال الذي يحمل ديون الحيّ بابتسامة يضع يده على كتفها ويقول بمرارة: "الحرب اختارت والدك اليوم يا مي ". تحول خضار عينيها إلى خريف بارد تمامًا، وقبضت على علبة السجائر التي كانت تحملها، ثم هرستها تحت حذائها القديم، ولم تبك. مرّ أسبوع وانتهى العزاء ولم تبك مي. لم تقل شيئًا. كانت تكتفي بالبحلقة في نقطة ما وتسمع من يقول لها بين الحين والآخر: "لك الصبر. لك الأجر. الله لن ينساك". وكان العم جلال دائما يضع يده على كتفها ويقول: "إبكي يا بنتي. ابكي. ما بيسوى هيك". عندما نفذ صبره هزها بقوة ثم صفعها.
ساد الصمت فترة. زمّ فم مي المتشقق. احمرّ وجهها قليلًا وهطلت دمعة كبيرة. تدحرجت ثم أحدثت صوت ارتطامٍ مجلجل في داخلها، وهكذا انفرط العقد المتين في النهاية. أرخت مي رأسها على يديها وبدأت بالنحيب. كان نحيبها يشبه خيمة لجوء بالية تصفر فيها الريح. صراخَ طفل ضلعت سيارته الحمراء الصغيرة تحت الأنقاض. هدير الطائرة قبل أن تلقي بحملها اللعين، وصوت المذيع وهو يقول: "وردنا الآن". لم يكن يخطر ببالها أن يكون والدها الفنان الأعزل المجنون هو الشريط الأحمر الذي سيمرّ على شاشة الدمار ثم يهوي إلى الأبد. ظلت تبكي طوال الليل حتّى صارت خوخةً نضجة ومهترئة. وكلما سمعت صوت طائرة تمر فوق رأسها كانت تقف وسط الغرفة. ترفع رأسها نحو الأعلى وتصرخ!

مضى شهر الآن. هاهي مي تخرج من منزل العم جلال وهي تدري أن العالم سيكون مختلفًا وهي تنظر إليه بعين اليتم والخوف. ومهما لوحت له بيديها فإنه لن يكترث أبدًا. الشمس حادّة الملامح فالصيف قد بدأ منذ من الأمس بالتنفس القوي والمقرف. هاهي تقطع المسافة ذاتها نحو العمل.
"صباح الخير"
"خير؟ أي خير هذا؟"
"لقد تعرضت لظرف قاهر جدا. تأخرت بسبب فقدان أبي بطريقة مأساوية. أنت تعرف ما هو الوضع."
"الله يرحمو لأبوك. انضم للقافلة"
"سأعمل وقتًا إضافيا لأعوض غيابي"
غمغم صاحب "الكرش" الكبير. مدّ يده نحو الصندوق ليعطيها بعض المال وهو يخبرها أنه وجد فتاة بديلة. لم تنتظر مي. أدرات ظهرها ومشت.


وهي تعبر الزقاقات تعرقت بما يكفي لتبكي جيدا .ترى أجزاء منها تغادرها وتمشي على مهل إلى مصبٍّ بعيد. لم تكن قادرة -رغم كبريائها- أن تبدع أي وسيلة للدفاع. واحدةً من بين الكثيرين الذين التهمتهم الحرب، ومن بينا لفقراء الذين يُطالَبون دومًا بالدفاع عن البلاد في مثل هذه المرحلة بينما ينعم الأغنياء بخير الأرض في كلّ المراحل، ويمشون على الجسور البشرية حتى يصلوا إلى الضفة الأخرى. وهناك يبدؤون سرد مسيرة نضالهم الشاقة وكيف أنهم جاهدا لتعيش الاشتراكية ويسود العدل وينتهي الفقر. هي ذاتها سمعت الكثير من هذه الوعود التي قُطعت لتعوضهم عن كل ما قدموا قسرًا وجبرًا. لم يكن يعنيها أن يقال عنها "بطلة". كل ما كانت تريده هو أن تنجو بما تبقى من أحلامها. أن تهرب إلى مكان آخر ستكون فيه واثقة من الحصير الذي تنام عليه وأن أحدًا لن يسحبه من تحتها. ستملك حينها قرار الدفاع عنه وسوف تقاتل حتى النهاية فهي تدرك أكثر من أي شخص آخر صعوبة ألا ينتمي الإنسان إلى وطن وصعوبة ألا يشقى في الحنين إليه.



 على الهامش: شاركي بالغناء والسخرية. افتعلي أي بهجة عابرة وازرعي مكان الساق المبتورة غصن برتقال. وقولي للأطفال الذين يتسلقون أكتاف الجداران ألا يشتروا إلا السكاكر الملونة.



16‏/06‏/2016

غانية





تشعر بالأرق وفقدان الشهية تجاه رقائق البطاطا المفضّلة لديها، وقد رفضت حتّى الآن ثلاث دعوات إلى العشاء وطلبًا وحيدًا للحب، وتجاهلت إلحاح الليل عليها وإغراء فستانها الكمونيّ القصير، كما فقدت صديقتها إثر انفجار سيارة مفخخة أودى بما لا يقلّ عن عشرين سنة قادمة كانت تتمنى لو أنها تحياها معها بين زواريب الفنّ وقداسة كأس البرتقال والتنقّل البطيء على رقعة الشّطرنج في ذلك الدكان النائي الذي يبيع الزجاج المزخرف، وتكتسي جدارنه بلوحات مغمورة مرسومة بالفحم لإناث متمرّدات؛ بعضهن عاريات والبعض الآخر jلوّحن من بعيد لأشياء غير واضحة.
قبل ساعتين ونصف -أي عندما اكتشفت الوقت- تعرّضت للإهانة التي يُسفر عنها الانتظار، وقالت بمنتهى الوحشيّة: "يا لفداحة الذوبان في سِوانا" وراحت تبكي. إنها أنثى جميلة -وإن كنتم لا تعلمون- فإن الأنثى الجميلة حين تبكي آسفة وقد تملّكها شعور بالوحشة والظلم، فإنها لن تنسى ولن تطيب ذاكرتها من حدة التخلي الذي مورِس عليها، ولن تغفر -لنفسها أولا- ويلات الحرب العاطفية التي خاضتها بحيث فقدت في كل مرة توقًا وجنونًا واعتذرت عن حماقاتها واعتقدت -لفرط رقتها- أن عليها أن تكون قوية طوال الوقت حتّى تحافظ على "حسن"، ثم اكتشفت أن صوتها ظلّ غارقًا في مناجاته الوهمية، وأن من تثق به لن يقاتل من أجلها أبدًا. "الحبّ ليس مشروطًا؟" تعاود ضرب ساقيها وتبكي. تحاول ببكائها أن ترمم ثقوب قلبها. أن تتعب حتّى تغفو. لكنها تفشل، تصحو أكثر، تخشخشُ بأساورها لافتةً انتباه الرفوف والنوافذ والحشرات التي تتمشى تحت السرير.

إنها "غانية" التي تتفحص الآن ملمس الغطاء القطني، وتشبكُ يديها خلف رأسها محاولة أن تتلاشى بهيئتها القديمة، وأن تخلق أفكار جديدة تعينها على بصق هذا الألم الشديد مدركةً أنّ تصفيق الجميع لها خارج هذه الغرفة ليس إلا وهمًا أو شيئًا مؤقّتًا يرضيهم ويقدم لهم المتعة بينما يسحبُ منها في كلّ مرة قدْرًا من البهجة والعفوية. تدركُ أن ثمن حريتها سيكون غربة، وأن ثمن دفاعها عن وجهها سيكون يدًا أعلى من يد قاتلها، وأن ضريبة نومها ستكون حياةً ماضية ستجاهد ألا تأخذ منها أيّ وجه أو قبلة أو محاولة انتحار.

تبدأ بدندنة الموسيقى التي كان والدها يستخدمها لردّ الحرب وتحمّلِ فداحة الأصوات التي تُسقِطُ في كلَ مرة ضحية وتهدمُ بيتًا وتعطي الآخرين سببًا للرحيل. تدندن وهي تدرك أن هذه الموسيقى لن تردّ شيئًا في النهاية وأن الضحية ستسقط وأن البيت سيصير بخارًا وأن الأخرين سيرحلون، إلا أن عزاءها كان موجهًا إلى نفسها -أولا-. عادةً بيضاء كانت تواظب عليها كلما اشتدّ أزيز الرصاص واهتزّ سريرها إثر انفجار قريب ولمحت أضواء سيارات الإسعاف الحمراء التي ستحمل الموتى وسوف تجاهد كي لا يضيع الأحياء على الطريق.

هدأت الأصوات الآن. قالت لها صديقتها على "facebook" أن جارتهم فقدت زوجها والأخرى تعرض إبنها لجروح بالغة وأن الأرقام تزداد بحيثُ تجلسُ والدتها مدهوشة وهي تقول لزوجها الراحل: "تعى يا رجال، تعى شوف شو عملنا بحالنا يا حبيبي". تختم صديقتها الرسالة بوجه مقلوب وآخر حزين مقحمة في النهاية شفاه حمراء غليظة.

مجدّدًا تشعر غانية بالوقت. الواحدة والنصف ليلًا. تمدّ رجليها على الأرض وترسم بيدها اليسرى تلالًا وأشكالا مبهمة. تغنّي أغنية كلاسيكية تستذكر فيها كيف غرق "جاك" في قلب المحيط. تتحول الدنيا في نظرها إلى سفينة ضخمة مصابة بالعطب. ترى الناس يتساقطون ويصيرون أسماكًا. البعض يطفو على السّطح كما تطفو غيمة بليدة. تقول: "كم من الجميل أن يموت الناس بهذه الرومانسية". تفترض أنها أيضًا ستصطدم بكلّ القضبان الحديدية، أو قد تكون أحد العازفات لشخص قرر تقبيل حبيبته في اللحظة الأخيرة. وبعدأن يعمّ الهلع أخيرًا تغني بصوت أكثر ارتفاعًا وتقول لهم: "الدنيا تبدو سيئة حين نكون سيئين، ومخيفة حين نكون خائفين". يرمي أحدهم حذاءه فوق رأسها لكنها تعتبر هذا نوعًا مشرفًا من التصفيق. بعد ذلك تقوم. تسوّي طرف فستانها الطويل، تربط شريط خصرها بإحكام. تحرك رقبتها قليلًا وبعد ذلك تغمض عينيها وتنزلق. تشعر بنعومة السطح الخشبي. تتألم قليلًا في البداية لكن الجثة التي بجانبها تقول: "go on". تبتسم، تضحك، تقهقه وبعد ذلك تحدث صوت الارتطام/ الانفجار ويطفو ذيلُ فستانها كرزًا خالصًا. تغرق. تنزل نحو القاع وتلتقي ب "جاك". يبتسم فتبتسم له في المقابل ويبتسمُ كل الموتى الذين غرقت بهم سفينة الوطن ولم يجدوا من ينقذهم.

هكذا قالت غانية : نموت ونحن نحاول أن نحكي قصة أو نغني...

12‏/06‏/2016

يولا






كانت "يولا" فتاة جميلة. ذات مرة أحبها رجل لأنه اعتقد أنها لا تكذب، وأحبها آخر لأنه آمن بقدسيتها، وتساءل الذي جاء ليسلمها طردًا بريديا فيما إذا كانت مخلوقًا سماويا أم لا. كان ليولا شعرًا قصيرًا غشّاشًا. تارة يبدو حالكًا وتارة يظهر كستنائيًّا بطريقة وقحة، لكن مجدها كان يكمن في عينيها.
"ما تشبه عيناك يا يولا؟" سألتها جدتها.
"زجاج يا جدّتي". ضحكت جدتها كما يضحك الغراب وأردفت: "حافظي على هذا".

تجلس يولا على الأريكة المغطاة بملاءة قرمزية. تحرك ساقاها العاجيتان فتميل الشمس تجاه قبلتهما ويصلّي النور بعمقٍ عند ركبتيها. تأكل كعكة هشةً وترشفُ البرتقال. تتخيل أن هناك من يحبها وأنه كما كانت تقرأ يسمّى "توأم روحها" وربما هو الآن يشرب البرتقال أيضًا وينصتُ لموسيقى سيّئة، ويحرك شعره الأشقر الكثيف ليظهر جبينه العريض الذي يحرس عينين مموّجتين مثل فراء القطة التي أهداها لها والدها في عيد ميلادها الفائت قبل أن يموت بعد أسبوع إثر حادث قال عنه الجميع أنه مؤلم، لكن الأمر لديها كان مجرد عملية طويلة مليئة برائحة مواد التخدير والدماء. "سوف يستيقظ حتمًا، أليس كذلك؟" تصمتُ لثوانٍ ثم تنتبهُ إلى أنها تشركُ توأمها المفترض في "أحزان عائلية". تجلسُ يولا جلسة تخلو من البهجة وتبدأ بالنحيب.

خرجت في أحد صباحات كانون الباردة. كانت ترتدي قبعة بالية من الفرو وتغطي جسدها الممشوق بمعطف سميكٍ من الجوخ الأبيض. تخرج وحدَها غالبًا لأنها لم تنجح في تكوين الصداقات فقد كانت الفتيات يعتبرنها مجرد دمية حلوة أو شخصية هاربة من الرسوم المتحركة وكثيرًا ما كنّ يستهزئن بوجهها الخام الذي لم تلمسه مساحيق التجميل يومًا. كان فمها يشبه احتقان وريد بالدماء. منتفخًا وممتلئًا ولونه قاني، وهذا البرد قد عتقه أكثر.
تفكّر يولا وهي تمشي بإمكانية أن يكون عندها سيارة مفضّلةً اللون الأحمر ومختارةً حجمها الصغير. تساءلت: "ألا يوجد سيارة تتسع لشخص واحد؟" ثم ضحكت للحظة، فابتهجت معها شجرة قريبة. في الجانب الآخر من الطريق كان يمشي رجل فارع الطول مثل عمود جهّز ليحمل الكثير من الأسلاك الكهربائية. يرتدي سترة سميكة من "الجينز" المبطّن ويلف حول رقبته وشاحًا رماديًّا. يده اليسرى مختبئة في جيبه والأخرى تعانق سيجارة. كم كان مشهدا آسرًا اختلاط أنفاسه البيضاء بأنفاس السيجارة الرمادية. من يفرّق عندها بين لهاث الدفء والبرد؟
وقفت يولا عند محطة الباص. لم ينظر أحدهما إلى الآخر فرجل يدخن يمتلك من الغرور ما يكفي وأنثى تحلم قد لا تتنبّه لشيء. قال رجل عجوز: "متى يأتي القطار؟" ردّ الرجل بشيء من اللا مبالاة: "عندما يحين الوقت"، ثم رفع كم سترته قليلا: "أي بعد خمس دقائق" وغرق في صمته مجددا.

بينما كانت يولا تصعد السلالم القديمة عائدة إلى بيتها كان هو ينزل من الأعلى. التقيا عند الدرجة السادسة عشرة. كاد أن يصطدم بها فقال بكل هدوء: "عفوًا" وها هي إذًا تنظر إليه. كان له شقّين صغيرين ينفذ من خلالهما الضوء. فكّرتْ "ما أصغر عينيه!" واتسع قلبها قليلًا لكنّ هذا لم يعن له شيئًا كما يقول عصفور  يراقب المشهد من بعيد.

"يا يولا، سيكون علينا ترميم الحمام بالكامل؟ أي منزل مهترئ هذا!" قال "سافيو" الرجل الذي اعتادت أن توكل له مهام التصليح وجلب الأغراض والثرثرة العابرة وتشارك كوب من الشاي المعدّ بتأنٍّ حتى يصير ليلًا. كان سافيو بعد هذه العشرة الطويلة التي رأى فيها يولا تبكي وتصاب بهيستيريا الرقص بعد شرب النبيذ، يكنّ لها شيئًا من تلك العاطفة السحرية التي استفزّته لتقبيلها حين دخل المطبخ ورآها تدور على موسيقى صاخبة. أراد أن يأخذها من ذراعها وينظر مباشرة إلى عينيها، ثم يسلّم عليها بشفتيه. لكنه كان متزنًا جدا إلى الدرجة التي قضى فيها اتزانه على أفكاره المجنونة المتعلقة بها. ويولا؟ كانت طبعًا تفكر في ذلك الرجل الطويل الذي التقت به مرتين دون أن تعرف اسمه حتى.

كان يجلس على السلالم في ذلك اليوم ويدخّن. بينما كانت تنزل على مهل تبيّنت ظهره المكتسي بقميصٍ وردي خفيف، وشعره الذي عبث به السهر كما يبدو. "السهر على سرير فتاة؟" فكرت يولا بغضب غير مبرر. حين جاورته وقفت قليلا. قليلا يعني مرور بعض الوقت دون حراك أو كلام. قال دون أن يلتفت: "أهلا جارتي" ثم ضحك بشكل مفرط. أحسّت يولا في تلك اللحظة أنها تنال فرصتها لتشاركه هذا الموعد الغريب المليء بالترنّح.
الآن، هي قريبة منه. متجاوران. لا هو يعلو ولا هي تهبط.
"أنت جاري إذا؟"
"إنه سؤال أحمق أيتها الصغيرة"
"مجرد سؤال عن الحال يا ..."
"كريستوف!"
تنحنحت يولا ، نظر في عينيها مباشرة وحدق. ظل بصره معلقا بزجاجهما الأزرق عاكسًا وجهه عليهما حتى ارتبكت يولا واتسع قلبها أكثر من قبل.
"هل تعلمين؟" نطق أخيرًا.
"كنتُ في حفلة سيئة جدا. المنزل كان متسعًا، فيه كل ما يشتهيه رجل يود أن يقضي ليلة عسليّة. هناك كان بإمكاني أن أقوم بكل ما أريد. أن أرسم حتى يمتلئ دفتري لكنني شعرت بالملل فجأة. أتعبتني الوجوه المتشابهة والعيون التي تبدو وكأنها تحترق، فجرت أمشي، وحبن وصلت غلى هنا. إلى هذه الدرجة بالذات تعبت، فقررت أن أحتفل في هذا المكان العتيق مستجلبًا الوجوه من ذاكرتي".
"مضى وقتٌ طويل على آخر مرة احتفلتُ فيها" قالت يولا هذه الجملة وسرعان ما ودّت لو أنها لم تفعل لكن الكلمات كانت قد خرجت وانتهى الأمر. وجدت طريقها نحوه فضحك حتى ظهرت كل أسنانه وعلّق:
"يولا الصغيرة، سأرسمك يومًا ما"
تحدثا طويلًا. حتى بدايات الفجر ربما. شرحت له بنصف لغة عن نفسها وأنها تعيش في المنزل الذي ورثته عن والدها الذي كان يرسم أيضًا بعض الصور للحشرات التي كان يصادفها أثناء سيره عبر زقاقات المدينة. ذكرت له سافيو النبيل الذي سيرمم لها الحمام ويساعدها في وضع ورق الجدران في الصاله. كلمها هو عن سبب مجيئه إلى هذه البلاد وكيف أنه ظل يعيش في فقر مدقع حتى فتحت له طاقة الحياة، ثم أخرج دفترًا من صغيرا من جيب سترته المرمية عند أسفل قدميه وراح يقلب فيه. كلما كان يريها المزيد من لوحاته كلما كانت تحب أصابعه أكثر وكان قلبها الذي راقبه على مدى أشهر طويلة من نافذة الغرفة وحفظ كيف يمشي وكيف يداعب أوراق شجرة التوت في نهاية الشارع قبل أن يركب في سيارة غالبا ما كانت تقله في الفترة الأخيرة وكيف كان يحكّ طرف فمه باستمرار حين يحادثه صاحب العمارة عند الباب. بحلقت فيه. بشيء من العفوية مدّ يده إليها. عبث بشعرها ثم كرر
"يولا الصغيرة. يولا الصغيرة"
قبل أن يصعد نحو منزله سألته: "كريستوف، ما تعني طاقة الحياة؟"
ردّ بإهمال من يقول شيئًا بديهيًّا وبسيطًا: "المرأة التي سأتزوجها قريبًا. سأسافر معها نحو بلدان كثيرة فهي مهتمة بالفن مثلي. حسنًا! بطريقة مادية بعض الشيء ولكن لا بأس." حرك يده من الخلف واختفى.

داخل غرفة الجلوس المجددة كانت تجلس يولا على ذات الأريكة حين دخل سافيو لأخذ رأيها في بلاط الحمام. وجدها تحدق بصمت في يديها، وخُيّل إليه أنها ستلتهم إحداهما لا محاله. حين اقترب منها يسبقه قلبه الخائف الذي قلما رآها حزينة إلى هذا الحد. تبيّن له بكاؤها الصامت. ولأنه نبيلٌ جدا فإنه يدرك كم من المؤلم أن تبكي فتاة جميلة بصمت. قال لها برفق: "يولا" جاثيًا على ركبتيه وناظرا إلى يديها. حين رفعت وجهها بدا وكأنه خُبزَ لفترة طويلة في فرن كبير. اقترب منها أكثر ومن دون أي تخطيط صارت يولا بين ذراعيه. امتزج بكاؤها الحاد بلون سترته، وكانت الموسيقى لا تزال تخرج من فم المسجّل بينما تهب الرياح في الخارج وينطوي هذان الأحمقان على بعضهما. 

01‏/06‏/2016

زهراء



تزيحُ خصلات شعرها عن وجهها. هكذا يبدأ الصباحُ غالبًا، وتشرق الشمسُ أكثر عندما تفتحُ عينيها. أول ما يواجهها هو السقفُ الذي أكلت الرطوبة جزءًا لا يستهان منه، وهي تحب أن تحدق فيه قبل أن تقوم بأي حركة. ترتّب أحقادها وتتساءل ماذا يوجد وراءه. إنها تدركُ جيّدًا أنه "ياسر". جارهم السكران الذي يضربُ زوجته كل يومٍ ويحبّ الموسيقى. لن يمضي وقتٌ طويلٌ حتّى يبدأ بإزعاجه -كما يقول والدها- على نقيض ما تعتقدُ طبعًا، فقد كانت ترى أن الموسيقى هي حسنتهُ الحاليةُ الوحيدة. الشاهد اليتيمُ الذي ظلّ على عبقريته القديمة، فقد كان ياسر محاسبًا ماهرًا جدًّا يقدر على حلّ المعادلات الرياضية بخفّة قطةِ تمرُّ من تحت سيارة. يدهشُ الجميع حين يبدأ بالكلام فقد كان مثقّفًا، ثريًّا بالنظريات العلمية، وله رأيه الخاص في بدايات العالم ومجيئنا -نحن المخلوقات المزعجة- إليه. في أحد الأيام -منذ سنة تقريبًا- عاد ياسر من الشركة التي كان يعمل بها وأغلق باب غرفته. ظلّ وحيدًا لأسبوع ثم بدأ بأن يكون سواه. حينها لطمت زوجته وجهها وقالت: "لم يعد ياسر من الشركة في ذلك اليوم المشؤوم"، ولا أحد يعرف ما الذي حدث بالضبط. كانت "زهراء" متأقلمة مع جنون العباقرة ولم يكن جارهم المحاسب الموسيقيّ السكّير أول نموذج تراه لحماقة الوطن. ظلت تحدّقُ في السقف لخمسة عشرة دقيقة ثم قررت النهوض. في الطريق إلى المغسلة التقت بأمها التي كانت تبتسمُ ببساطة. لمّا عبرت بقربها قالت: "صباح الخير"، فاستمرت والدتها بالابتسام دون أن تتكلم.


فوق المغسلة مرآةٌ غبّشها الوقت ولم يستعد زجاجها لمعانه التام رغم كل النظافة التي تحرص عليها زهراء. يتبيّن وجهها طريقه الشفاف. لها بشرةٌ قمحيّة و"عينان خام" كما كان يقول لها رؤوف منذ سنين. شعرها مكنسةٌ مصنوعة من أوراق الخريف الناضح بخرابه الجميل، وكان لها غمازة واضحة في ذقنها الصغير تعطيها مسحة من الابتسامة الإجبارية. وهكذا كانت تبتسمُ عند المرآة في تمام الساعة السابعة كل صباح، ثم تنصرفُ لأداء واجباتها العادية متلخّصة في الترتيب والتنظيف والطبخ والغسيل. كل البيت كان يقوم على كتفيها. من بابه إلى محرابه. وكان والدها رجلًا قاسيًا وبلا عاطفة. انتهت رسالته السامية حين أنجب ثلاثة أولاد ورماهم نحو الحياة، وبهذا شارك في الجيل الجديد ولا يستطيع أحد أن يغيّب اسمه من بين المنجزين الذين تناسلوا على نحو جيد. لم تكن زهراء تحمل له أي عاطفة في المقابل مع أنها كانت تتمنى لو أنها تشعر أن لها سندًا أو صديقًا يتذكرها بقطعة شوكولا أو يحدثها بشيء غير الطلبات اليومية المجهدة.

كانت تبحث عن الحرية. لكنها لم تكن تعرف أن تحدد لها ملامح واضحة فقد كانت مفكرة دقيقة جدّا وملعونة للدرجة التي أنبت لها تفكيرها كل العوائق الكبيرة والاختلاطات التي يواجهها العالم من حولها. ولم تستطع أن تفهم لم وفي مكان آخر هناك امرأة تشبهها تعيش حياة أفضل منذ أن ولدت؟ "من أنا؟" ضاعت زهراء في ضباب هذا السؤال طويلًا. وكانت تدرك أنها في رحلة مضنية لإيجاد وجودها وإثباته. "حسنًا" قالت بتركيز وبدأت تكتب:
"أنا زهراء قادر الحاج حسن. عمري ثلاثون عامًا. كان عندي تجربة حبٍّ فاشلة لكن هذا يعني أنني أحببت. أعمل في التدريس. أوه! لقد تفاعلتُ مع أشخاص رائعين وشهدت على نطقهم لأول جملة صحيحة باللغة الفرنسية، ولم أكف يومًا عن سؤالهم عن أحلامهم. إنني أتساءل هل أصبح عزيز رسّامًا الآن؟ وهل سافرت غادة خارج هذا البلد حتى تنال حريتها كما كانت تقول؟ وهل صار أسامة خبّازًا؟
إنني موهوبة أيضًا في تنسيق الطعام. هل طبق السلطة الذي أقدمه -على أقل تقدير- يكون عاديًّا؟ أقسم ببشرتي الشفافة أن أخي يلتهمه ويقول لي متلمّضًا: "زهراء، هذا سعادة". بإمكاني أن أرقص ببراعة على أغنيات فيروز الكئيبة التي تندر فيها الموسيقى الشقية، وعلى جملة أم كلثوم البليغة جدا التي تختصر تمردي حين تقول: "عايزنا نرجع زيّ زمان؟" يزمّ جسدي نفسه مستفزًّا الهواء والمخلوقات اللطيفة، ثم يقهقه بصوت مدوٍّ: "ئول للزمان إرجع يا زمان!". حتّى أن صديقتي قالت لي أن أنتقل لإنشاء مدرستي الخاصة بالرقص وأن أخلص الناس من حركاتهم البليدة.
لديّ الكثير من المظلات الملونة التي تموج حول وجهي وبإمكاني أن أغير طقس المدينة من خلال قميصي البحري كما يمكنني أن أقرأ بسرعة بالغة، وأصطبغ بلون الورق حتى لو كان الكترونيًّا. في الأسبوع الماضي تتبعت أثر قطة سوداء في العتمة، وتغلبتُ على خوفي فيما يخصّ دناءة عينيها ولغتها المفاجئة، فنظرتُ إليها مباشرة حين ماج ضوء سيارة عابرة ثم ضربتُ الأرض برجليّ حتى طردتها من البقعة التي أردتُ أن أقف عليها، كما ذهبت إلى المقهى الذي في نهاية الشارع مع صديقتي التي أعتبرها "تحويشة عمري" أليس عظيمًا أن يمتلك الإنسان منا صديقًا حقيقيًّا لهذه الدرجة؟ كان المقهى يبدو غائرًا في بشرة الحياة مثل ندبة. تتراوح أضواؤه بين درجتي الأبيض والبرتقالي، وتنبعث منه رائحة الشاي والفاكهه، ويسمع صياح رجال متحمسين لكرة تحف على العشب لكنها لا تكمل طريقها تجاه الهدف.
هل أكون الكرة؟ كان النادل الذي كان يحدق بي شابًّا طويلًا يرتدي قميصّا تفاحيًّا وبنطالًا كحليّا ويحيط معصمه بساعة ضخمة على نحو مبالغ فيه، وكمعظم الرجال الذي التقيت بهم هذا الأسبوع فقد كان يستحم بالعطر ولا بدّ أن أشير إلى أن العطر كان فاشلًا جدا وأنني قررت في لحظة حماس أدبي أن أكوره في روايتي القريبة التي سأجمع فيها كل الرجال التافهين وعلى رأسهم أبي وعمي بلال وبائع الخضرة، صاحب الدهون السمكية المتراكمة في عقله.
إنني إذن موجودة. أسمع أنفاسي وأمتلك هذه اللحظة التي أكتب فيها وأجد الوقت رغم أمومتي المفروضة علي حتى أشذب شعري وأضع الكحل وأقهر الحشرات التي تخرج من رأسي. إنني لا أقل أهمية عن أي فنان يصفّق له الآخرون. أنا كل الآخرين وإنني أصفق لنفسي، وأعينها كل يوم على القيام لأمنح هذا الوطن فتاة حلوة تساهم في إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن.
أنا زهراء التي أرعى عصفوريّ دوري وأحرص على إطعامهما كل صباح. أضع الياسمين في شعر أمي حتّى لا تشقى وأسلّم على كل الأصدقاء الذين يختلفون عني ولا أبيع معتقداتي لأحد ولا أسول استعارتها أيضًا، وأعطر قميص أخي قبل أن يلتقي بحبيبته. ألا تعرفون؟ إنني أمنحها الرائحة الأبدية التي تدفعها إلى سماع دقات قلبه فأخي لا يعرف كيف يقول لها ذلك. وهي تبتسمُ مطولا وهي تتنفس منه.
أجزم أنني لن أشيخ ولن أشك في وجودي مرة أخرى، ولن أسمح لجمالي أن يصير لعنة كما حدث لجارنا المسكين. إنني أمنحكم عبقريتي كيفما أشاء. ووحدي أقرر متى أرفع يدي لأريكم الغبار الكوني العالق تحت إبطي".

30‏/05‏/2016

لوردي




كان كلّ ما في "لوردي" بسيطًا باستثناء اسمها الذي اعتبرهُ أستاذ اللغة العربية شيئًا خارجًا عن مألوف شخصيّتها، ولا يليق بتلعثمها حين تلقي قصيدةً ولا برداءة خطّها وهي ترسمُ الياء في نهاية كلمة "علي". كانت قليلة الأصدقاء. تصاحبها "سلمى" المصابة بفرط الفلسفة، و "علياء" التي كان همّها الوحيد أن ترسم خطوطًا غير مفهومة وتسمّيها لوحات فنيّة، ثم تسخرُ من بيكاسو ودافنشي، وهي تمضغُ اللّبان بالنعناع وتصنعُ منه بالونًا كبيرًا جدًّا. كانت لوردي تتخيّلُ أن البالون يمكن ألا ينفجر بل يأخذ بالاتّساع فقط حتّى يصير وطنًا لها، تجلسُ داخلهُ وتمدّ رجليها، ثمّ تشاهدُ غباشةَ العالم الخارجي. لكنّ صوت انتهائه وارتطامه بشفاه علياء الغليظة كان يوقِفُ مجرى خيالها ويعيدها نحو الواقع، ويلفتُ انتباهها أن لها ظلّا على الأرض يميلُ معها ويعكسُ شكل جسدها المكتنز الذي لم تكتشف بعد، فقد قالت لها أمها أن الجسد هو الجزءُ القذرُ منّا، لكنّ الروح هي الأهم وعليها تغذيتها بالصمت الطويل، والتأمل، وعدم التدخل في مشاكل العالم وبالتالي عدم التفكير في حلّها وبالتالي انعدامٌ نسبيٌّ للوجود. كانت لوردي تنتفضُ عندما تتذكر هذه المواعظ التي استمرت والدتها بتكرارها على طاولة الفطور كلّ يوم. وكانت تتساءل في كهفها العميق عن إمكانية أن يكون هذا سخيفًا جدًّا وتافهًا، وأرادت بكلّ عمق أن يكون لها صديقً وفيٌّ -غير "دبّها الأحمر" الكبير الذي يغنّي ذات الأغنية منذ خمسة سنوات- تحكي له عن الرعب الذي يرافقها، وكيف أنها تخاف من نفسها لكنها تريد أن تقرأها رغم كل شيء، وتريد أن تدرك شجاعتها المخبّأة وتكون قادرة على مناقشة صديقتها في القضايا الفلسفية برأي يخصها وحدها، والخربشة أيضًا، إذ لطالما شعرت لوردي برغبتها في رسم امرأة عارية مزهوة بجسدها. وكانت تتساءل: "هل تستطيع امرأة متّسخة الروح أن تزهو بجسدها؟" كانت ترى أن التصالح مع الجسد يحتاج إلى قوة روحية عظمى، وهذا ما حاول الأستاذ حسين "الخرفان"-كما يسمّيه الطلاب- أن يقوله يوم الأربعاء الفائت.

تسكنُ لوردي في حيًّ متوسط الرفاهية، فيه "دكان" كبيرة جدا تتلخص فيها كلّ مفاهيم الحرب اللعينة من غلاء الأسعار وانعدام الشفقة والمعلبات التي تجبر على شرائها. في الحيّ بضع سيارات لامعة يغلبُ عليها اللون "الرماديّ الفاتح" الذي كان يساعدها على التأكد من شكلها جيئة وذهابًا من المدرسة. وقفت لوردي أمام سيّارة "العم محمود" الأكثر فخامة. كانت مكتنزة على نحوٍ مغرٍ، شعرها بنيٌّ قد طُبخ للتوّ فسالت منه رائحة الشوكولا المدهشة. ممسّدٌ نحو الخلف تشعّ منه شموسٌ ضغيرةٌ ومشاكسة. لها بشرة بيضاء لا تخلو من التورّد وما يميّزها هي "الشامةُ" التي تعلو فمها المخلوق بتأنٍ تامٍ وملفت.
"قشطة يا قشطة" قاطع شابٌّ تأملها، ومن دون أن تفكر قالت له: "تضرب بشكلك" وكأنها تعني: "أنا حلوة جدا، أحلى منكم جميعًا، أحلى من كل خرابكم اللعين".
ثم مررت يدها على السيارة وقالت: "أبو محمود بنئ دايمًا إنو ما معو مصاري. نخر راس أبي وهوّ بنئ. إي وحياة هالشجرة إنو سيارتو لحالها حقها بلاوي. لك أنا بئدر إشتري فيها كومة كتب وإعمل بالبائي طيارات ورق وساعتها أبو محمود بينجلط طبعًا".

تدخلُ لوردي المنزل. تخلع حذاءها وجوربها الذي يكون غالبًا مخططًا بعدة ألوان. تسلم على والدها المتسمر أمام الأخبار ثم تتبع رائحة الأكل. "محااااااشي؟" تصرخ لوردي ببهجة، وحين تمدّ يدها نحو الوعاء تتلقى ضربة خفيفة. تصعد مسرعة نحو غرفتها. تبدل ملابسها. تغسل وجهها ويديها ثم تنزل. على المنضدة الخشبية المستديرة تبدأ بالتهام طعامها المفضل. دائمًا تكون أول من ينتهي. تبدأ بعدها بفتح أحاديثها البسيطة وتستخدم يد والدها كملهمٍ أساسي. أحيانًا تخترعُ أحداثًا وهمية لتنال ضحكته، وحين تنجح تمعنُ في الاختراع أكثر حتّى يقهقه. تشعرُ عندها بالانتصار الصغير الذي يعطي لوجودها معنى مقدسًّا، ويجعلها جذابةً بما يكفي لتغطّي على أصوات القصف البعيدة، ويجعل قامتها أكثر ارتفاعًا من "الدولار" اللعين. هكذا تقضي لوردي أيامها. أحيانًا تحاول أن تقول شيئًا مهمًا للمرأة الصغيرة، أو أن تحصل على فرصة للغناء لكنها تعجز دومًا عن إيجاد الأغنية الملائمة لذلك كانت تكتفي بالاستماع لدبها الوفي، وتصفق له بحرارة.

اليوم هو الأول من أيار والشتاء قد حلّ من جديد.  البلاد تحتفل -رغم كل شيء- بعيد العمال. لوردي  تتذمر دومًا من الاحتفالات والعطل وتضع نفسها ندًّا إذ تقول: "لماذا لا يحتفل أحد بيوم للطالبات؟ لماذا لا تحصل البلاد على عطلة في يوم ميلادي؟". قررت خالتها أن تصطحبها ليقوموا بإحضار صديقة نازحة كانت قد تركت بيتها بسبب الأوضاع الصعبة. فرحت لوردي جدا وفكرت أن بإمكانها أن تحصل على نافذة متحركة، وأن تحظى بالهواء الكافي لتستجلب أحلامها وقدرتها الخارقة. في تمام الساعة التاسعة كانتا تقفان على باب "كراج الحافلات". اندهشت جدًّا بالناس الذين يعافرون الحياة رغم اليأس، ويختارون لأسباب متعددة أن يتوجهوا نحو متابعة مشاغلهم رغم الثقب الواضح في ظهورهم. تقول وهي تستند على كتف خالتها: "كثافة سكانية ملفتة، لم ترد في كتاب الجغرافيا" تضحكُ بصوت مرتفع، تستمرّ بالضحك حتّى..
بوووم
تفر العصافير القريبة ويهتزّ سرير فتاة في الطابق الخامس من هول الانفجار. يسيطر الضباب الكثيف والصراخ. وهناك قريبًا جدًّا تركض لوردي. إلى أين تأخذها قدماها؟ وما هو الطريق الذي يجب أن تسلكه؟ حاملة عبء وطنها على كتفها ورامية ثقل الدماء فوق كفّها الأيمن وقابضة على سمكة حيّة بيدها اليسرى. أما قلبها فهو لوحة مليئة بالألوان التي يعبث فيها الخوف ثم يفر منها صوت داخلي يقول: "أنت قوية. أنت جبل. أنت حلوة جدا والحلوات لا يمتن هكذا. ليس عن طريق الخطأ، ولا قبل أن يرسمن رجلًا أسمر يدخن سيجارته العاشرة ويلعب الغمّيضة مع ذاكرته".يستحيل الخوف إلى قطعة هشّة من القطن ويطير حتى يصير شيئًا مجهولًا لا يعرف عنه إلا اختفاؤه بين ضفائر الفتيات اللواتي كنّ يصرخن أيضًا. من يمنحنا الحياة؟ كانت خطواتها تتساءل وكلما لهثت أكثر تأكدت أنها الآن مسؤولة عن منح الحياة لنفسها ومن الخطأ أن تتوقف عن الركض. فالتوقف الآن يعني الموت، انهيار القمة التي عمرتها واستنبتت منها مطرًا وبحرًا وقاربًا. كان يعني التخلي عن شجرة الزيتون في حديقة بيتهم الأول وعن مذاق القبلة الأولى وعن الذراع الرطبة التي ستعلق عليها خيوط الفجر وبدايات العالم وتحارب بها الأسئلة الكثيرة والحزن الذي لا يهدأ. أخيرًا تنال لوردي ما تمنته دائما وهي الآن بعد أن جلست على رصيف آمن تشعر أن روحها هي مجموعة من الدبابيس التي ثقبت عقدة الجسد حتى طار وتهشم. وسوف تعرف لاحقًا أنها فقدت خالتها وصديقة كانت موجودة في نفس المكان.

24‏/05‏/2016

أنا وريتّا وتبًّا للبندقية





أنا راقصةٌ مبتدئةٌ وهذه الموسيقى تشرحُ كيف أخطو بارتباك. كيف أتعثّرُ بالفراغ، بوهمِ أن تكون هنا. ملاصقًا للعرق النابت على جبهتي. هذه الموسيقى تلخّصُ استعدادي للصراخ. كيفَ أنني زرّرتُ فستان "الجينز" المنقّط وكيف ارتديتُ الصّندلَ المقصّب، وكيف رفعتُ شعري كي لا تناله العصافير المتوحشة التي تخرجُ من حنجرتي وكي لا ينزل على وجهي ويمنعني من رؤية كل هذا الدمار الذي سأرقص فوقه وأدفنه تحت قدميّ دون صلاةٍ ودون رحمة. هذه الموسيقى تنقرُ على كلّ حقائبي المقفلة التي جهّزتها للسفر مرات عديدة ثم اكتشفتُ ألا أحد كان لاستقبالي وألا أحد كان مستعدًّا ليأخذني "بقلبه وأصابعه وكفّيه". تفتح الموسيقى الحقائب فتنزلُ أحلامي وتتمشى، وتفيضُ بعض الديدان أيضًا وتصطفّ على السرير.

أمدّ يدي ويمسك بها صوته إذ يقول: "بين ريتّا وعيوني بندقيّة". تكسرني هذه الشفافيّة المفرطة فأنحني وأصلّي لإله في العيون العسليّة لأنني أعرفُ ريتّا جيّدا وأعرف شجرة الزيتون التي نالت تحتها أول قبلةٍ، وأحمل صورة ذراعه الممشوقة المغطّاة بضفيرة قمحيّة.  أموجُ مثل بحرنا الصيفي حين يقول: "وأنا أذكرُ ريتَا مثلما يذكرُ عصفورٌ غديره"، ثمّ تصيرُ الأجنحةُ حطامًا. يغضبُ البحر أكثر. يصيرُ زبدهُ واضحًا مثل ازدحام الفانيليا فوق قطعة كعك.
هكذا إذًا؟ تتحركُ عيناي بسرعة. بخفة من يفكرُ بمخرجٍ وهو يرى الموجة الضخمة تقتربُ منه. برجاء العالق في منطقتين من الموت حاملًا بذرة الحياة الوحيدة وهو يتحمل مسؤولية استمرار نسل الأسماك والأشجار. هكذا إذًا؟ كلّ ما بيننا. "مليون عصفور وصورة؟"، كلّ "المواعيد الكثيرة"؟ تذهبُ دخانًا حين " تطلق نارًا عليها بندقية؟" وتنفجر موجةٌ على صخرة عنيدة. تتشظّى ويتطايرُ دمها الأبيض عاليًا. يصيرُ ذراتٍ خفيفة ومنعشة يتلقّفها وجهي بكل اشتياق ويحس بطعمها المالح.
المجد، كلّ المجد للدماء المالحة التي لا تنسى ولا يستطيعُ الطغاة ابتلاعها أو التحكم بخلودها. المجد، كل المجد لجسد ريتّا المرسوم باللهفة على كلّ الحدود الملغّمة. المعجون بكل هذه الأسلاك الشائكة دون أن يتجرّح. المجد، كل المجد "لعرس جسدها المقيم في دمه"، لهذا الضياع الذي اختصر الوصول "بسنتين". المجدُ للعهد المعتّق بالنبيذ الذي يحكي قصة الاحتراق بين شفتين أطبقتا على العالم بقبلة. القبلةُ تجعل من رقصي أكثر ألمًا. يفرّ من معصمي غرابٌ صغيرٌ ويقطرُ النحاس من رأسي مشكّلًا طريقًا أملسًا كنتُ قد هيأته لتتزحلق عليه وتضحك. هل تدرك ما معنى أن أشذّب أدغال عقلي المتعب لألتقيك فوق سطح هذه النعومة المعتّقة؟ إنك لا تعرف، ولا تدرك دورتي البطيئة على هذه الموسيقى التي تتبع العهد. ولا ترى بهجة بساطته وكم أن من الجميل أن "نولد مرتين".

"آآآه ريتّا" تصرخُ أصابعي في الهواء. تصيرُ حبالًا منتصبةً وقابلةً للكسر، ويتحرك رأسي جيئةً وذهابًا بفضول من يريد أن يرى ماذا يوجد خلف الضباب الكثيف. يصيرُ جسدي رهن التساؤلات العبثية ويتحول إلى علامة استفهام زرقاء مستنكرة: "سوى إغماءتين وغيوم عسليّة؟" حقا؟ آه ريتّا، هذا أصغر من أن يفرقنا. أصغر بكثير. لا يساوي في عمر شوقنا شيئًا، ولا يهم حتى عصفور الدوري الذي يقفز من يدي الغيمة إلى قلبكِ السماء.

يتحرر جسدي أخيرًا. تسترد أصابعي ليونتها. يفتح لون فستاني حتى يصير أزرقا شفافا. ألفّ مرتين وأقف على رؤوس حنيني. ثم أتركُ شعري. يلفّ معي مشدّدا: "كان يا مكان" فتردّ كل الأشياء من حوله: "ماذا كان؟". يضربُ خصلاته مثل الأطفال: "قمري هاجر في الصبح وحيدًا في الغيوم العسلية" وضحكُ وهو يدري أن "قمره" دائم الوجود في أصابع الشوكولا التي تركها على أوراق قصائده، وأن المدينة التي "تكنّس المغنين" لا تستطيع أن توقفهم عن النموّ في مكان آخر. العالم واسعٌ جدا، ألا ترى؟ وبإمكان ريتّا أن تحيا أينما تريد وهي اختارت أن تحيا فيك وتمسك بذراعك مجددا أمام البندقية. البندقيّة ليست "بينكما" إنها وهم يا عزيزي. ليس أكثر!

يلوي خصري عدة مرات ثم أبتسم. تصفّق لي الديدان الصغيرة وتتحول إلى قطار.

في لحظاتٍ عاطفيّةٍ متفرقة (3)






*صاح عزيز: "تعالي" ورفرف بيديه. من يومها وأنا أحبّ العصافير وعندما يموتُ عصفورٌ أحزن بشدّة لأنّ العالم يكون قد فقد حينها رجلًا حقيقيًّا.

*يستفيقُ العالمُ كلّ يومٍ على الكثير من المصائب. لقد تصالحتُ مع الانفجارات والسّيول والانهيارات الثلجيّة والجرائم الساديّة لكنني لم أعتد على غياب ابتسامتك بعد.

*تحيطُ بي غابةٌ بنيّةٌ داكنة. أنا القهوة والشوكولا والوحلُ الذي يخلّفهُ المطر. أنا التّمر الذي يغمّسهُ الأطفال بالحليب، وأنا الخشبُ المطليّ للتو ليصير كرسيّ قراءةٍ أو جسرًا جديدًا.أنا معطفٌ من الرّمل الذي يختار غروره ودفئه وأنا كستناءُ الشتاء المدللة التي تطيبُ كلّما احترقت. أنا البنيّ عندما يختلطُ بجوع الألوان فيصيرُ عالمًا وبدايات.

*بنيتَ لي بيتًا صغيرًا بنوافذ حمراء، واعتنيتَ بأصُص الورد والممر الخلفي، ووضعتَ في الصالة لوحةً لعريشة عنبٍ في أسفلها جرة نحاسيّة، ثمّ قلتَ لي: "أكسرُ رجلكِ إن دخلتٍ. آه كم أحبّك حين لا تأتين".

*كلّ "المثقّفين" الذين أعرفهم يحبّون "Frida" الفريدة، و "Van Gogh" الأب الروحي للسماءِ المتاهة، ويمجدون "محمود درويش" ويلعنون "نزار قباني"، ويستخدمون أسماء أنهار غريبة ومدن نائية. ويصورون عقربًا راقصًا بهاتف الجوال، ويضيفون رغبتهم العميقة في إنجاز فيلم قصير، ونيل قسط كافٍ للرسم وتحليل الأفلام وتعلّم اللغة اليابانية. أما أنا فأحبّ فقط طائر "الفلامنجو" وأرى أن فساتيني لوحات عظيمة جدًّا وملهمة.

* منذ أن عرفتُ أن هناك انفجارًا عظيمًا وأنا أعاتبُ السماء. طال عتبي جدًّا حتّى صرتُ نجمة.

*ليس عاديًّا أبدًا أن ينشأ الإنسانُ في بيتٍ فيه شجرة غاردينيا وياسمين وأصيص فلٍّ مزدحمٍ، وعريشةُ عنبٍ وزهر فتنةٍ وبعض الأعشاب التي تداوي الخوف والكثير من التراب المتعطّش للمزيد. ليس عاديًّا أبدًا. إنّ في هذا لعنةً وجمالًا يؤذي صاحبهُ أولًا، فالعالمُ خارج هذه الحديقة مزروع بالشوك. وسيكون شاقًّا جدًّا على زهرة غاردينيا حسّاسة أن تنمو في أي مكان.

*لن نتقاسم الكعكَ مرةً أخرى، ولن نتعارك بالموسيقى. لن يكون لنا مقهى مشتركًا وأصدقاء مشتركين، ولن أحكي لك كيفَ حرقتُ أصابعي وأنا أقلي السمك أو كيفَ تزحلقتُ في الممر وأنا أنظف الأرض بالماء والصابون، ولن أطلعك على فكرتي الجهنمية بتغيير العالم عن طريق الألوان والفساتين. لن ألوي ذراع حنيني أو أضحي بزهرة من المخمل من أجل انتظاركَ مرة أخرى.

*وجهكَ مثل الجراد. طويلٌ جدًّا وكثيف، ويؤمن بفاعليّة الغزوات الجماعية. لكنّ له مبيدًا ناجعًا وهو الرقص. كلما رقصتُ أكثر، كلما التهمك الحريق وأنهاك. إنني أدفنكَ بكلّ ما أوتيتُ من ميلان، وأواريك في حنايا خصري ثمّ أشدّ ما تبقّى منك بذراعيّ وأجعلك تغرق في الجزء الأيمن من رقبتي. تغرقُ تمامًا.

*أيّار المسكين الذي يأتي كلّ سنةٍ بمصيبة. يلصقون به اسم الغراب ثم يضيفونه إلى قائمة الأشياء التي تجلبُ النّحس. لا عليك يا أيار! سأحبك أنا، فإنني أفهم ما معنى أن يعيّركَ الآخرون لأنك فقدتَ ابتسامتكَ إثر حادث أليم.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.