09‏/07‏/2016

الشوارع المظلمة والقهوة المتأخرة




ولّت المرأة وجهها نحو الجانب الآخر. بلعت ريقها ودمعها أيضًا، ثمّ عدّلت جلستها وابتسمت. قالت لي بينما يبرز همّ العالم من حلقها: "أنا بخير كثير. أنا حلوة وأنيقة. عندي ألوان وكتب، وأفكار وجوديّة عظيمة. لم أخسر أحدًا في الحرب اللعينة التي شهدتها، وهذا حكمٌ غير دقيق لأنني أشعر أحيانًا بأنني خسرتُ كل شيء، وفي أحيان أخرى تختلطُ عليّ المفاهيم فأتساءل عن حقيقة الحرب أولا. ما تعريفها؟ ما ملامحها؟ ما هي الشروط الواجب توفرها لنسمّي ما يحدث حربًا؟ أليست الدّنيا -كل الدنيا- في النهاية حربًا سيّئة وبشعة؟
اعتقلوني في الأسبوع الماضي ليوجّهوا لي أسئلة كثيرة. اسمي، بيتي، أصدقائي. أسئلة لا تخطر بالبال، وخيّل إليّ أنهم سيضعون أمامي ورقة مليئة بالمسائل المعقّدة التي من شأنها أن تستكشف كلّ تفاصيل حياتي مهما كانت محرجة وخاصة. خفتُ أن يعرف الرجل الذي يحدّق بي بجمود أن جوربي مثقوب من طرفه، وخفتُ أن يقول لي: "مثقوب؟ لأي جماعة ينتمي الثقب الذي في جوربك؟

حين خرجتُ بعد أن نلتُ كدمة على ذراعي بدا لي أنني أريكةٌ قديمةٌ جدًّا قد فضحتِ الشمس غبارها ولونها المبرِش. شعرتُ بالوحدة وبعزلة لم أبتغِها وتملكني شعور مناقض تمامًا وكأنني كنتُ عارية في سوق مزدحم يعدّ فيه الآخرون شامات رقبتي ويبصقون علي. للحظة، بدا السائق، وبائع الخضار، وأعقاب السجائر وحتّى السماء جوقة من المحققين. رحتُ أركض بسرعة لأتخلص مما علق بي. لأنفض كل الأوساخ، لكنّ هناك قذارةً ما تبقى عالقةً في روحك مهما حاولتِ إزالتها".

ارتشفتْ من القهوة الموضوعة على الطاولة. ابتعلت فمها لثوانٍ ثم ضحكت. كانت ضحكتها مشوبة بالألم الذي يتغذى حتّى على ابتسامات صاحبه. نظرت إليّ كأنها تبحث في وجهي عن شيء ما. النظرُ صار تحديقًا. التحديقُ صار حديثًا صامتًا. الحديثُ انفجر في النهاية حين قالت: "عيناكِ واسعتان مثل المرآة الخشبية الدافئة في غرفة جدّتي. بإمكانك أن تحاربي بهما البؤس كما تقول الأساطير المزعجة لكنّ هذا لن يدوم طويلًا إذ أن للجمال لعنة لا بدّ أن تنال صاحبها. حسنًا! هذا ليس أمرًا يمكن إثباته بالنقاش أو بالبحث العلمي لكنني لا أعرف نساء سعيدات بعينين واسعتين كعينيكِ". تشاركنا في الضحك العميق حتّى وضعتُ يدي على بطني، وتناولتُ حنجرتي في شهقة شديدةٍ ومتخرّشة. لا أعرف بالضبط لم انتابتني هذه القهقهة. ربّما لأنني ما حسبتُ أن تتنبّأ لي هذه المرأة التي تعتني بتفاصيل سترتها، وترتدي ساعة دقيقة جدّا بمستقبلي.

هدأت ثورتنا الصغيرة. ارتشفنا القهوة مجددا. في الحقيقة، شربنا ما تبقى منها مثلما يُشرَبُ قدحُ "العرق" الجبلي. دفعةً واحدة ومن دون تردد، ودون اقتراح نخبٍ ما. الجبليّون لا يقترحون أنخابهم، ولا يدقّون أقداحهم لأن هذا يضعف حماسهم، ويضيّع الفوضى، ويجعل من القدح حكرًا على أمنية واحدة بينما تكون وظيفته دعس العالم كلّه، وزجّه في القفص الصدريّ، وتحويله إلى غيمة.

قالت وهي تقلّب يديها: "هل عشت مثلي في وهم الأشياء العظيمة؟ وبنيتِ لنفسك التمثال القوي الذي توهّمت أن بإمكانك العيش على الأفكار المجردة فقط؟ وأن بإمكانك أن تختصري العالم حقّا دون حاجتك إلى أحد؟ أريد أن أعمل، أن أكتب مجلدًا ضخمًا عن حياتي الزاخرة بالإنجازات. أريد أن أُبعد كل الأشخاص الذين قد يحتلون رفوف قلبي، وأتهم كل الرجال الذين ينظرون إلى فستاني الأصفر بالتحرّش. خفتُ جدا أن أنظر إلى داخلي. عميقًا كما تعرفين! في تلك الزاوية التي قلّما أقضي فيها وقتًا أو أراعيها. ومنذ يومين، عندما كنتُ أداعب قطتي المتسخة، وأعبث برأسها. سرحتُ في المنظر الذي تكشفه النافذة. إنه مشهد كئيبٌ في كل الأحوال. عبارةٌ عن شارع أقرع، في نهايته شجرة قد تكومت تحتها أكياس القمامة على نحو لا يصدّق، تتراشقه المنازل وبعض الأطفال المشردين الذين لا يشتري منهم أحد. فكرتُ في طفولتي السحيقة، وفي التجارب المجنونة التي كان من الممكن أن أحياها مع الرجل الوحيد الذي كان مستعدا لوهبي قلبه. كان الأمر يبدو لي سخيفا جدا. أن يهبني أحدهم قلبه؟ لكنني الآن أعي جمال الأمر ونبله، وأفتقد كتفًا صادقة أضع عليها شعري. كيف تُطاق الحياة دون محبّة؟ حين سألت هذا السؤال أوجعتني الزاوية القصيّة، وشعرتُ بيتمٍ ما. لكنني بدل أن أرقص، أو أتصل بصديقتي، أو أصنع كرات الشوكولا مثلًا. بدل أن أقوم بأي شيء عادي ومبهج، أمسكتُ هاتفي ورحتُ أردّ على كل الذين لا يعرفونني تمامًا. الذين يقولون أنني عظيمة جدا وملهمة. لا يعرفون أنني إناء مكسور من طرفه. هذا لا يفقدني شكلي في نهاية الأمر، لكنه لا يجعلني كاملة في نفس الوقت ولا عظيمة على النحو الذي أرجوه بعد كل هذا العمر".

صمتَتْ. صار وقع الموسيقى المنبعثة من سيارة "الغاز" التي تمر بجانبنا أكثر وضوحًا. "إنها موسيقى سنة عن سنة؟" سألتني فقلت لها: "نعم، ستكون أسطوانة غاز كلاسيكية ومعقدة مثل فيروز"، وعدنا للضحك.
"هل نطلبُ المزيد من القهوة؟" أجابتني: "حلّ الليل وأنا أخشى الشوارع المظلمة والقهوة المتأخرة، وعليّ أن أعود".

تودعنا عند الباب. حدقت بي مجددا، بعيني، وهذه المرة عجزت عن القهقهة. قبلتُ بطاقة عليها رقم هاتفها الأنيق جدا الذي يحتوي على الكثير من الرقم خمسة. لوحت لي: "اتصلي"
لوحتُ لها: "سأفعل، وسوف تعرفين أن رقمي أكثر أناقة" غابت ضحكاتنا في المسافة التي تفصل بيننا وهذا أفضل بكثير من انفصال الأيادي وانقطاع السخرية في أي لقاء عادي آخر. 

05‏/07‏/2016

مع خالص الغناء




صديقتي، قطعة السكّر التي ذابت أخيرًا.

هذه البقعة لا تضيءُ أبدًا. أشعرُ بالعطش وهناك كائناتٌ تتمشّى على جسدي. لا أعرف كيف أقول لك ما أودّ قوله، لكن يجبُ أن تدركي أن رحيلك لم يكن حدثًا عاديًا. لقد فجّر عندي البؤس والشكّ وهشاشة الحياة، وحين تهدّلت يدكِ فقدتُ القدرة على مصافحة العالم.

قبل يومين فكّرتُ في زيارتك. قطفتُ لك الورد من حديقة بيتنا. وردٌ عشوائيٌ جدًّا وملون. دخلتُ المقبرة وبحثتُ عنك طويلًا. أطول مما تظنين. ضعتُ بين الأشجار. وأخيرًا وجدتك تحت ظلال الزنزلخت.
وقفتُ محرجة تمامًا من انتصاب قامتي ولون بشرتي، وفمي، وملابسي. رحتُ أشدّ سترتي. أضغط بأصابعي على الحقيبة التفاحية. أسترعي انتباه العصافير حتّى تساعدني، وأحاول جاهدة استنبات مدىً يجمعنا. تنهدتُ بعدها لافظةً تعبي. جلستُ على حجرة عتيقة قرب رأسك على ما أظن. وزّعتُ الورد، رسمت به عصفورًا، وعدتُ إلى البحلقة من جديد. هناك شاهدةٌ بيضاء تختصر مجيئك وذهابك ببساطة. عروق من الريحان تركها حزينٌ قبلي. فركتُها بيدي، ولم أبكي. أنت تعرفين أنني بليدة، وقد أنشغل مثل الأطفال بطرح التساؤلات على كل شيء قائلة: "حقا؟ كيف حصل هذا؟". لكنّ طفولتي لم تدم طويلًا لأنني أذكر جيدًا كل تفاصيل اختفائك، وأعرف كما لا يعرف سواي أن هذه السنوات قليلة على شغفك بالرسم والنحت واختراع الفوضى. بسيّارة مفخخة إذًا؟ تبخرت كما تبخر الآخرون، لكنك حملت القليل من الأمل. حين أسعفوك إلى المشفى، قلتُ في نفسي: "هذه هي صديقتي القوية التي ستنتصر، ستقوم مجددا لنأكل الفوشار، ونصنع كرات الشوكولا، ونتابع فيلمًا مملا، ونقبل دعوات المعارض الفنية. ستقوم مجددا حتى نجتاز البحر ونخترع شكلًا للغيوم، ونبدّل أعيننا كل يوم". تغذيتُ على هذه الفكرة لأيام، وكنتُ أودّ أن تقومي حقا وتعطي الفكرة شكلًا. لكنك أغمضت قلبك أخيرًا، ونمت. دون أن يعرف أحدنا ما الذي كان يريد قوله. أغمضت قلبك آخذة معك الألوان، ورقعة الشطرنج، والمنزل الأزرق. وها أنا، أستوطن الجماد وأسمع صوت الحشرات وأنفض الحرّ عن جسدي. لا أبكي كما تعرفين، بل أغني من أجلك، إذ يمكن لأغنيتي أن تختصر الحكاية. أن تكون ناعمة مثل المشاوير العتيقة، وبطيئة مثل عصفور ثمل بالراحة والغناء. الأمر الذي يقولون أنه احتاج إلى تخطيط لا يعدو كونه ومضة من الرحيل والدمار والموت. حركة واحدة أرخيتِ فيها جدائلك فقصّها الكبار وباعوها. هذه الأغنية يمكنها أيضًا أن تنطق بالحزن الرقيق، والوداع الذي لم يتم، والصوت المبحوح أبدًا.
أنا مثلك يا صديقتي مركبّة من الفزع والفن وبعض السكاكر، لكن الفرق أنني لم أزل هنا -وهذا ليس شيئًا عظيمًا لو تعملمين- لكنني سوف أستغله حتى أحكي عنك. عن المنازل التي لم تُطلى، والأطفال الذين لم يكملوا "عروسة الزعتر".

في المرة القادمة سأجلب لك بعض الأصداف، والكثير من أحلام البحر بلقائك مجددا. فلترقدي في قلبي. في نافذته المفتوحة، في ثقبه الأسود، على رصيفه الرمادي المليء بالمنافي. في الغيمة التي نالها "الجبل البعيد"، في غصّة "اشتقنا ع المواعيد" وكلمة "ياريت" العقيمة.

30‏/06‏/2016

إلى الرجل الخشبي



صفوان داحول

مرحبًا، من بلاد الشمس والعزلة، من هذه الزاوية التي وصلتُ إليها أخيرًا، بعيدًا عن الجميع.
اخترعتُ حصانًا من قطع الخردة ، وهيأتُ أوراقي لأرسم فستانًا جديدًا حتّى أهبهُ لفتاة صغيرة وأقول لها: "موتي في سبيل الألوان". اقتنصتُ الوقت -الضيق جدًّا- حتى أطعم الحمام مع جارنا. جارنا النحيلُ الذي يريد أن يصير رسّامًا والذي يؤجّل هذا دومًا لأن يده مستنزفة من العمل. قلتُ له: "لا تعمل" فضحك كأنما أغمى عليه من البكاء. أخبرني أنني سأكبر يومًا وأعرف كم أن الحياة موحشة وبشعة. لكنني أصرّيت، لم أجد ما يمنع شخصًا من اللحاق بشغفه. وأصرّ هو أيضًا ولم يجد ما يدفعني إلى العناد.
مرحبًا، من البلاد التي تمطر ياسمينًا، وأحذيةً، وأشلاء.
من هذا السرير المحموم بالأرق الذي سيصير نهرًا مقدّسًا من الأفكار والغضب.
أنا غاضبة جدا، منك، من نفسي، من هذا الجدار اللعين الذي لا يتحرك. من قطعة الدانتيل الصغيرة التي لا تكفي لتصير زنّارًا لشعري. من طبق الشوكولا الفارغ الذي ابتلعه الحزن عني ولم يجعلني سعيدة. غاضبة من أمّي التي قررت الصمت دون أن تترك قرب يديها فلّتين. ليتها و-نحن نقف على أعتاب هذه المأساة- تقوم من تحت الردم وتعيد بناء المنزل معي. أنا أعرف أن منازلنا في النهاية لا تعدو كونها وهمًا. لكنني أريد أن أسترجع اللحظة الأخيرة التي سبقت هذا الانهيار، لأقول لهم: "وجهوا البندقية إلى صدري، لا تعافوا فيه أيّ عصفور، لا تتركوا لحماقته أثرًا، أنا أموت في سبيل المحافظة على اللون الأخير في هذه اللوحة، ولا أصير رمادّا أو مادة إخبارية بسهولة".
غاضبةٌ من الليل، والأسرار، ومن صوت "هدى حداد" الذي سلّمني إلى الحلم و"ضوّ القمر" وأقنعني أنّ أحدًا سوف "يوصلني إلى المنزل" ويقول "منبع الضوء أنت".
مرحبًا، من البلاد التي تشقى بالقسوة مثل أي أنثى رقيقة تتهاوى رويدًا رويدًا. من هذه الزاوية التي وصلت إليها أخيرًا. اخترعتك ، وهيأت أوراقي لأكتب رسالة .

فمرحبًا أيها الرجل الخشبي.
سأحكي لك ما حدث منذ أيام.


أوقفنا الجدار الضخم قائلُا: "أين الهوية؟". أنت تعلم أنني مواطنة صالحة جدًّا وعادية. لذلك، أخرجتُ صكّ براءتي من جيب سترتي ثم قلتُ بثقة: "هذه هويتي". انتابتني بعدها رغبة عارمة بالضحك، لكنني لم أضحك طبعًا، لأنني مواطنة صالحة، عادية، و"خائفة". حدّق بها، قلّبها، حدّق بها مجددا. لم ألمْه، فهذه الفتاة التي يبحلق في صورتها تختلف كثيرًا عن الفتاة التي تقف أمامه، فقد صرتُ أحلى. ونحنُ -هنا- كلّما ازددنا جمالًا تبعتنا لعنة البؤس والمذلّة. راح يضربُ الهوية على كفّه. كنتُ أعرف أنه يريدُ إرهابي فصمدتُ أكثر. صمودي النفسي كان يقول: "اكسرها إن شئت، لا يهمني". نطق: "بإمكانك أن تذهبي".
وأثناء تمريرها إلي، ظلّ يحدّق بي. شعرتُ أنه نفذ إلى داخلي ورأى العصفور المختبئ المرعوب، ولذلك -ربما- ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة. قلتُ وأنا أضع يدي على حقيبتي: "هكذا يا نور، هزيمة أخرى يحققها رجل عابر".
مضيتُ بسلام إذًأ، لكنّ هذا لم يحدث مع الجميع. اقتِيد أكثر من سبع شبّان نحو المجهول، ونجح واحد فقط في الاختباء. كان المنظر مروّعًا، وصوت الرصاص الذي اخترق الهواء قادر على أن يصيبك بالهلع. الهلعُ المتكرر الذي تحظى به هنا والذي يصيرُ شيئًا عاديًّا. أعني أنك بمرور الوقت لا تتعامل معه بالهرب، بل تقف متسمّرًا وأنت تنظر في عينيه، ثم تتفقد ذراعك ووجهك وكلّك قائلًا ببهجة: "أنا حي". هذه البهجة سرعان ما تتحول إلى حزن بالغ ومعقد لأنك تتذكر أن الآخرين ماتوا أمامك للتو.

وهكذا تسمّرنا جميعًا. التقطنا كل شيء لنحوله إلى موسيقى حين نعود إلى منازلنا. لا لشيء، فقط لأن الموسيقى تُعين التعساء على تحضير العشاء، والرقص، ومتابعة القمر المنقوص، والتهيؤ لممارسة الحب على ضوء شمعة.

وأنا أجلسُ على الرصيف شعرتُ أنه بيتي، وأن أحجاره ما هي إلا غرفي المتعددة التي يمكن أن أملأها باللوحات والمصابيح الزرقاء وحفنة لا بأس بها من القبل. لم ينبع هذا من كوني مشرّدة، لكنني أويت إليه حين عزّ عليّ إكمال الطريق وخارت قواي عن رؤية العمود الذي ينتصب جانب بيتنا المطليّ بالأبيض، في ذلك الشارع الطويل الذي تفوح منه رائحة الطماطم وتتقاذفه السيارات كاتمةً أنفاسه الطبيعية، ومُحوّلةً إياه إلى سترة ضيقة جدا يريد أن يرتديها الجميع.
فكرت: "ما رأيك أن تجلس معي، وتكتشف العتمة الملساء التي يمكن أن نسبح فيها؟ وتجرب الرعب المتمخّض عن تبرير نفسك؟ وتعطيني رأيك بالفستان الذي ابتعته قبل أن يحدث كل هذا؟ أجده شيئًا حقيقا، عليه بومة ملونة تختصر تاريخ حياتي.
انظر؟ أنا مستعدة لعد أصابعك الآن وهي تمتد نحوي. إنها كثيرة وجذابة لكنها عاجزة رغم كل شيء".


مرحبًا من هذه الزاوية
سوف أكشف الغطاء وأصير قطة. ألف نفسي حول نفسي وأسمح لهواء الساعة الرابعة فجرًا أن يحرك كتفي الطري ولن أستجدي أحدا. فقد اكتشفت أنني قوية. عدتُ من الموت للتو وعمري في حسبان الحياة صرخة واحدة فقط.

نظرية العقل: كيف نفهم اختلاف الآخرين عنا؟



مقالي في السعودي العلمي عن تعريف نظرية العقل، ومراحل تطورها منذ الولادة إلى سن البلوغ، وفهمها في علم الأعصاب. 
لقراءة المقال: http://www.scientificsaudi.com/ss/10328

28‏/06‏/2016

مع جدّي قبل السّفر








على ظهري حقيبةٌ كبيرةٌ جدًّا كنتُ قد ورثتُها من جدّي الذي أوصاني أن أموتَ في سبيلها ثم قال لي: "ستكونين شهيدة الحماقة"، بينما كان يجلسُ ويأكل البطيخ الأحمر ويتابعُ مقطعًا لنجوى فؤاد. عندما مرّ شريطٌ عاجلٌ قال بنزق: "اقرأيه". "انفجارُ عبوةٍ ناسفة في أحد المتاجر، الضحايا خمسة والفاعل مجهول". علّق باستهجان: "وهل يحتاجُ هذا الأمر إلى خبرٍ عاجل؟ لقد مات صديقي في الأمس القريب محترقًا ولم يعره أحدٌ انتباهه، ومات قطّي الأبيض متأثرًا بجراحه ولم يجد من يمجّدهُ. أليست هذه مأساة يا صغيرتي؟". كنتُ قد بلعتُ لساني حينها حتّى عجزتُ عن مجاراته، وتقيأتُ عقلي في الحقيبة حتى لم أجد وسيلةً لأستوعبَ فكرتهُ تمامًا، لكن قلبي كان يشعرُ بالأسى على الحزن أينما حلّ وكيفما كان شكله, مُمَجَّدًا كان أم منسيًّا، بسطًا أم معقّدًا. أعاد جدّي جلستهُ الهادئة وارتختْ أعصابهُ حتّى قال لي: "لا تقرأي لي الأخبار العاجلة حتى لو طلبتُ ذلك".
راح يحرّكُ رجليه كما يفعلُ طفلٌ صغيرٌ يركبُ أرجوحةً تفوقهُ في الحجم والضخامة، ويدندنُ موسيقى عذبة لم استطع تمييز فيما إذا كنتُ قد سمعتُها من قبل أم لا. الزّغبُ الأبيض على رأسه كان يكتسبُ وهجًا إضافيًّا من أشعة الشمس التي أحاطت به، وكان يتمثّلُ جدّتي كما أعتقد إذ كان بصره معلّقًا على أريكتها، ثمّ توقّف عن الدندنةِ وقال: "روحٌ مليئةٌ بالجمالِ قد عبَرتْ "!



_جدّي رجلٌ ضخمٌ جدًّا ويحبّ أن يقول للآخرين أنه كذلك، لكنه يوم وفاة جدتي راح يبكي بحرقة. ولم يكترث بتجفيف دموعه ولا إقامة أي اعتبار للرجال الذين كانوا يقفون مثل جداريّات سخيفة. قالت امرأة حمقاء أنه حزن لأن التي كانت تصنع له الحلويات قد ذهبت، وقالت أخرى أنه بكى لأنه لن يجد من تتحمّل نزقه كما كانت تفعل.
جدّي لم يبحث عن غيرها أصلًا، ولم يفكّر في الحلويات من بعدها. لأنه أدرك أن الفانيليا مضت أيضًا وأن هذا العالم صار مرتعًا للانتظار، لابتغاء الخلود لهما بطريقة أو بأخرى. وبهذا، خرج -هذا الرجل الجبل- مرة أخرى نحو الضوء، وضع قبّعته وارتدى ثوبه الرمادي وقال: "مرحبا"، ردّ عليه الجميع خوفًا من قسوة سلامه، وابتسمتُ مطوّلا في وجهه، وأنا ألحظ العصفور الصغير الذي قفز من عنقه واستحال بخارًا._

وبينما كنتُ أقول كل هذه الجملة المعترضة في بالي، أعاد جدّي جلسته اللا مبالية، توقف عن الغناء وقال: "ألا تسمعين؟ قلت لك اجلبي المزيد من البطيخ "!   

26‏/06‏/2016

رسائل منّي إلي (1) ~ حتّى لا أنسى


اللوحة للفنان السوري، صفوان داحول
نور العزيزة جدًّا. الأغلى على الإطلاق:

لن تصيري سمكة مهما تدهّنت بالماء وسبحتِ. لن تصيري عصفورًا مهما تسلّقت شجرة التين في الفناء الخلفي لبيت جدّك، ولن تحترقي مهما قلت أن ضلوعك من خشب. لن تتحوّلي إلى دالية عنب مهما قالوا أنّ جمالكِ مُسكرٌ، وأن عينيك خمّارتان ماجنتان غارقتان في الليل والوحدة. لن تُرجعي الأشياء من العدم مهما قرأتِ من نظريات وخضتِ في نقاشات وأشعلتِ آخر فتيل في رأسك. لن تعيدي اللحظة التي سبقتْ افتراق يدك عن يد والدك في ذلك البهو المريض المليء برائحة الرزّ المطبوخ بالخضار مختلطًا مع القليل من المعقّمات ومصحوبًا بضربات الفتاة التي كانت تنظّف جدارًا قريبًا، مُمسكة جمود العالم في ملامحها ومبتسمةَ في آن.
لن تنتصب أعواد روحك المكسورة مهما تحدّثتِ عن الأمل والعودة والحنين، ومهما أضأت الشموع وصليتِ، ومهما هشّمت اللوح الزجاجيّ ودستِ عليه. لن يصير فستانك الورديّ أسود مهما جرتِ عليه وحاولتِ تجاهلَ فجرهِ ولهيبه. لن يقول لك أنه آسف، فالأسف أمر معقد للغاية ينبعُ من مفهوم الخطأ الذي يكون بدوره نسبيّ وضبابي. لن يعود ذلك الخيال من الماضي ليقول لك : "خذيني، اصطفيني" لأنّ الأخيلةَ لا تعود، ولا تصير حقيقة بعد كلّ هذا الوقت من النّأي، ونكران القلب، واجترار الأسى. لن تفهم أمك لماذا بكيت حين فقدت مشبك شعرك البنفجسي لأنها ستعتبر أن شعرك طويل جدا وأن الدنيا مليئة بالمشابك الأكثر جمالًا وألوانًا. لن تتحرك ستارة نافذتك في حزيران بفعل النسيم بل سوف تتعرق وتتقبل انحناء الشمس في دورة مهمة لا تبدي خلالها أي انزعاج.

أنت في قوقعتكِ الملتفّة، المشبوكة. مثل أية بلهاء تحدق في جدار وهي تنتظر أن تخرج الصراصير من شقوقه وتعتذر عن سوادها. ماذا عن الفراشات التي تحلق حولك؟ ماذا عن النور النابع الذي ينعكس على الشقوق ويعقّم عفنها؟ ماذا عن الماضي الذي يستقيم ويمارس صفته من ناحية المضيّ والسكون؟ ماذا عن الآن الذي ينظر إليك بعين واسعة جدا آخذًا جمالك بعين الاعتبار وكاسيًا كتفك الأيمن بشالٍ من "الدّانتيل الأخضر"؟

24‏/06‏/2016

تفاصيل (11)







مرتان في اليوم وأحيانا أكثر، أقطع ذلك الطريق الطويل الممتدّ كأنّ آخره العالم، وأحيانًا في -لحظات التّعب- يبدو بلا آخر. يهيّئ له "حزيران" في هذه الأيام تيّارات مليئة بالحرارة، وتلوّحه الشمس من كل الجوانب. لا مظلّة فيه ولا ظلا للاحتماء. فقط طريق ضيّق بعض الشيء على جانبيه رصيفان رماديان يحملان على كتفيهما عمارات ومنازل مهجورة. كان "محمّد" الصبي الذي اعتدتُ مقابلته كل يوم، يتسلّق جدارًا متوسّط العلوّ ليجلس على حافّته. في الأسفل كانت تقف "لارا" الفتاة التي ترافقه دومًا. خُيّل إلي أنه مشهد كلاسيكيّ جدًا من ذلك النوع الذي يستعرض فيه البطل مهارة معيّنة حتّى تصفق له الأنثى ويصير قلبها أشدّ احمرارًا. ابتسمتُ بهدوء وأنا أنظر إلى محمّد المزهوّ بنفسه كأنما وصل أعلى قمّة في العالم.

وأنا أمشّط الإسفلت الحارّ بقدميّ  أحببتُ خطواتي وقدّستُها. وربما اكتسبتُ حبّ الرقص لكثرة ما مشيت في حياتي، واكتشفتُ كم من الممكن أن نحوّل أقدامنا إلى أوتار نابضة وخيوطا من الألوان، علّنا بذلك نبطئ من عدْوِ الخراب السريع، أو نجتذبه إلينا بحركة أو دوران مجنون. وفي لحظات كثيرة -في الصباح تحديدًا- عندما يكون الطريق خاليًا كنتُ أتفاعل مع الموسيقى المنبعثة من سماعات أذنيّ. أكثر من يعرف أسرار هذه اللحظات الخاصة هي الموسيقى الهنديّة التي كانت تستنبتُ لي جناحين وتجعل نبوءة صديقي -صاحب الشعر الخفيف الجميل والسترة المقدّسة- حقيقة إذ كان يقول دومًا: "أنت عصفورة، عصفورة قلبي".


على ذات الطريق أيضًا، شهدتُ المآسي. آخرها كان ذلك الحريق الهائل الذي شبّ في الدكان الوحيد الموجود فيه. كان دكانًا صغيرًا مليئًا بأكياس البطاطا وعلب البسكويت والسكاكر والفحم و "البينزين". ملاذ الأطفال الصغار الذين يقيمون في المنازل القريبة منه، وفي أحيان كثيرة كان ملاذ طفولتي أيضًا، عندما كنتُ أشتهي كأس الذرة المسلوقة مجيبة "بنعم" على سؤال الرجل الذي كان يقول: "ذرة بالزّبدة والملح؟". فاردةً يدي ومستعدّة للمتعة الكبرى.
لا زلتُ أذكر الصراخ الذي كان ينبعث في ذلك اليوم حادًّا وموجعًا. فكرتُ في البداية -بسبب الأوضاع السيئة عموما- أن هناك انفجار أو اعتقال أو مشكلة قائمة على اختلاف طائفي أو حتّى فكري. وكل هذه كانت أحداثًا مؤلمو طبعًا، لكن الصراخ حينها كان بسبب النار التي اندلعت في جسد طفل صغير علق داخل الدكان وتكوم على نفسه غير قادر على النهوض. رأيت الذي كان يبيعني البهجة خارجًا هو الآخر بكمية بائسة من الأذى. كان قد نجح في إنقاذ طفلين وعجز عن أنقاذ الثالث. حاولنا مساعدته لكن النار كانت جائعة جدّا بحيث ابتعلت كل شيء. لم تبقَ أي علامة على أنّ الألوان مرت من هنا يومًا ما، أو أن هذه البقعة الصغيرة -التي بدت سوداء على نحو لا يصدق- كانت نافذة للحياة والضحك. تلاشى كل شيء في لحظة واحدة. وكانت أم الطفل تبكي على الرصيف بل تنوح. تنوح معها الأحجار وأبواب المنازل الحديدية والماء الضعيف والسوائل السوداء التي كانت تجري آخذةً معها آخر ضحكة له وآخر سؤال. حتّى الآن، لم يزل المكان خرابًا، ولا يبدو أنّ أحدًا -بمن فيهم أنا- سوف يتصالح مع هذا الخراب أو ينسى تفاصيله بهذه السهولة. فالدكان لم يكن مجرّد مكان عادي. كان يمثّل شيئًا أعمق لكلّ الذين يعبرون الطريق كجزءٍ من حياتهم وشقائهم.

ذلك المنزل الأخضر على ضفة الطريق اليمنى يبدو أن بابه قد طلي للتو. كان علامة تغير لافتة وسط تكرار المشهد كل يوم. توضعت أمامه سيارة بلاتينية نظيفة جدا يبدو أنها غُسلت للتو أيضًا. لم يعد المنزل مهجورًا بعد الآن. صار على حافة جداره أصيص زهر وردديّ قاني -وهذا من ألواني المفضلة- يجاوره أصيص آخر تنام فيه عروق خضراء وتتشقق التربة البنية الرطبة دالة على عبور خيوط الماء فيها. فكرتْ "يال السعادة" وأنا ألتقط بعيني صورة سريعة لهذه الحياة الجديدة. ابتسمتُ بعمق شديد، ثم رددتُ تحية محمّد الذي اعتاد بعد العشرة التي لا بأس بها أن يناديني من الطرف الآخر "نوووور" مبتسمًا وفخورًا بصوته، غير مبالٍ بملابسه القديمة وحذائه الذي هرسته الخطوات ربّما. إذ كان يبدو جقيقيًّا جدا ومليئًا بالحياة، مستعدا أكثر من أي رجل ناضج وكبير أن يغني ويقول ل "لارا": "سوف أستمر في التسلّق من أجلك. هذا ليس شيئًا مؤقّتًا".

على الهامش: للطريق بقية
للطريق تفاصيل أخرى.

20‏/06‏/2016

أربعون ساعة من الاستيقاظ



كنتُ أودّ أن أطلعكَ على بعض الأشياء المهمة ولكنني نسيتها الآن. إنني أنسى كثيرًا في هذه الأيام وكلّما ازداد النسيان في حدّته أستمع إلى الموسيقى أو أسجّل مقطعًا صوتيًّا أغني فيه أغنية ناقصة محاولةً بذلك الاعتذار عن شطحاتي وسكوني لأيام طويلة. أودّ أن تعرف أنني أتهاوى كلّ يوم أكثر، ولا تقلق فهذا لا يمنعني من الابتسامة والتنزّه ولعن الحر الشديد وتحويل معاناتي اليومية إلى قصيدة. كما أنني أحاول الاحتفاظ بحسّ السخرية قدر المستطاع.

مضى وقتٌ طويلٌ على نومي الأخير. ما يزيد عن أربعين ساعة وإنني أحاول الآن أن أصل إلى هاتفي لأرى كيف باع "الدكتور فاوست" روحه إلى الشيطان. كان عندي صديقة بسيطة جدًّا تنتقد هذه التسمية لا لشيء إلا لأنها تفكر فيها بطريقة كلاسيكية. الشيطان في نظرها كان مخلوقًا غريبًا قادمًا من مكان سفليّ جدًّا ووضيع. له عينان غائرتان ويده سيفٌ من نار، وصوته فحيحُ أفعى. كانت تنفخُ على ملابسها عندما تتحدث عنه وتتلفظ بأشياء لا أفهمها. واليوم، أودّ أن ألتقي بها لأخبرها كم أنها مخطئة. "فالشيطان" يمشي بيننا. وقد تكون له بشرة ناعمة جدًّا وابتسامة هادئة. قد يكون فينا أيضًا. ما يكون استسلامنا إذًا؟ ما يكون هذا الكره الذي يسكننا؟ ما تكون هذه الفروع الخضراء التي نقصّها لنمنع شجرة من التعريش؟ ما يكون الأرق؟ الحزن؟ ليتني ألتقي بها لأخبرها أن الشيطان مجازٌ معقد جدا وغريب، وأنه في كلّ شيء يفرض سيطرته علينا ويدوس على وجوهنا مصرًّا على عقد صفقته مهما كان الثّمن.لقد أقسمتُ وأنا أصنع الرزّ الأبيض منذ أسبوع ألا أبيع روحي له أبدًا. لذلك فإنني أشاركك هذه التفاصيل وأصنع لنفسي فساتين ملونة وأمجّد الأشياء البسيطة وأربّت عليها، وأقول لعزيز -رجلي الصغير- وهو يلوح لي من بعيد أنني أحبّهُ جدًّا وأننا سوف نذهب معًا لشراء دفتر ألوان وسوف نستخدمُ حاسّة الموسيقى لعبور شارع مزدحم. لذلك فإنني أرسم بقلمٍ مكسور، وأدور حول متاهات الغبار، وأستدرج نوري لأمنح هذا الليل الرابض على صدري سببًا للرحيل. ما تفعل أنت حيال أرقك؟

منذ قليل، مرت طائرة فوق بيتنا، وهذا ليس خبرًا مميّزًا لكنها كانت قريبة جدا. أكاد أجزم أنه رآني وربّما قال: "لا، ليس الآن. مازال عندها دفتر يجب أن تملأه، وطبق من ورق العنب لا بدّ أن تأكله. سأعود في وقتٍ لاحق. سآخذها بكامل نضوجها وجمالها ولن يسأل أحد إلى أين تذهب".
أنا أيضًا لا أريد أن أموت الآن. مجرد حدث عابر ينتهي باستفاقتك دون أن تراني. هل كنت لتتساءلَ كيف عبرت؟ من أي خرم؟ من أيّ شقٍ صغير مددت نفسي وصرتُ خيطًا رفيعًا وانتهيت؟ يقول بعض الأشخاص أننا حين نموت نصير غبارًا ونتحد بالكواكب ثم نشعّ إلى الأبد. ولكن، ما هو الأبد يا صديقي؟
إن الأوهام تقتلني، ولا أدري كيف أشرح لك الأمر، وكيف أعبر لك عن مدى أسفي. لقد رأيت الحقيقة الهشّة أمامي قبل أسابيع. كانت تتوضح مع كل بقعة دم تنصبغ على ثوبي، وكان صراخ الرجال -الذين حسبتُ أنهم لا يصرخون- يشقّ روحي ويدلف إليها ثم يقتل مجموعة لا يستهان بها من العصافير. الجروح التي اكتسبتها في ذلك اليوم راحت تتعمق وتصير خنادق لعينة يجري فيها الدم ويصب في قلبي مانحًا إياي سببًا آخر للخوف. توجعت جدا. استعدتُ حياتي للحظات، ولكنني لم أكن قادرة على الحفاظ عليها رغم كل شيء. حاولتُ كما كان يحاول الجميع أن أقول أنني صامدة، وأن عيني التي اصطادت صديقتي وهي تموت لن تحتفظ بهذه الذكرى إلا قليلًا، وسوف تحوّلها إلى حدث سيء يُضاف إلى كومة المصائب لا أكثر. وأنّ الأب المسكين الذي كان يلطم وجهه سوف يجدُ في جثّة ولده الهامدة سببا ليقوم ويغني. كم قدمًا تلزمنا لنمشي مرة أخرى؟ كم روحًا نحتاجُ لنرقص؟ حجمُ الدمار كبير جدًّا، وليس خطأ كما كانت تقول حافلة محترقة أن نبكي. وليس خطأ كما تقول طائرة عابرة الآن أن ننتظر. هل تنتظرُ معي؟
لا تقلق. ليس ضروريًّا أن تقول نعم. فأنا أدرك اختلافنا، وأدرك ألا أحد مستعد لانتظار كهذا. حتى أنا لست مستعدة، وأشقّ أنفاسي من قلب الحديد البارد حتى أمنح هذه الأصابع التي تكتبُ الآن سببًا للاستمرار، وقدرة على المرور حول عينيك وصولًا إلى صدغك الأيسر الحبيب، ونزولا عند صدرك الضبابي الذي يشبه انعجان الصخور بشلال يهطلُ من الأعلى. الأعلى هو فمك المزموم على أحاديثه الطويلة والمعتمة.

دخلت أمي الغرفة. قالت لي: "تعالي نشربْ الشاي". الطاولة مستديرة وصغيرة. تتسع ليدينا فقط. ترمي أمي بضع قطع من الكعك الهش، ثم تحرك السكر بملعقة بيضاء وتضعها جانبًا بتأنٍ ملفت. ثمّ تُعيد جسدها نحو الخلف مستندةً على وسادة ذهبيّة مبرشّة. تحدثني عن مخاوفها وأفكارها بشأن تحسين ما يمكن إنقاذه. منذ زمن. عندما كان عندي ضفائر. كنتُ أعتقد أن الكبار لا يخافون، وأنّ لديهم كلّ الحلول مما يدفعهم لعدم البكاء والصراخ. لذلك -ربما- كنتُ أقول في نفسي: "متى أكبر؟ يالها من فكرة مدهشة!". والآن، وأمي تتحدث بهذا الرعب، وتنقر بيديها منفعلة وقد غشاها التعب. مستجلبة الوجوه من ذاكرتها، لاعنةً فيروز والكتب التي قرأتها، آسفة على ضياع دفتر رسوماتها ومعاتبة جدّي طويلًا. أكتشفُ أنني - الكبيرة الصغيرة- سأكون الحضن المتكفّل برعايتها وإخبارها بجدوى الرقص، وأنّ الكثير من الكتب التي نقرأها قد تتخلى عنا عند أول تجربة حقيقية وأن أمل فيروز رومانسي مخصوص بزمن سحيق وبعيد، ولا حقيقة في هذا الكون الذي يأكل نفسه سوى امتلاكنا لهذه اللحظة، وإحساسنا بسخونة الشاي على شفاهنا وبقايا الكعك على أصابعنا. وقد أحتضنها، وأقول لها بكلّ هدوء: "لا تقلقي، تحدث معي أشياء كهذه". متى احتضنتَ "حضنكَ" آخر مرة؟

أعود إلى غرفتي. الهواء ساخن جدًّا. حزيران يفرقعُ أصابعه عند الشباك ويدخّن سيجارته العاشرة ثم يسحب قطع الشوكولا من درجي القريب. يقشّرها ويبتلعها ثم يمضي تاركًا أثر لمساته المحمومة في هذا الجوّ الدبق. تدور أصوات الموسيقى مخمورة في كلّ شيء. في مشبك شعري الأزرق. في قميصي الأصفر المتروك على الكرسي. في حذائي الكهرماني المتعَب من العَدْوِ الأخير. في الغطاء البحريّ المائج بأزهاره كأنما حلّ به عشق أو أصابته قذيفة ملونة. في زجاجات العطر الفارغة وتلك الوحيدة الممتلئة حتّى منتصفها. ما يمكن أن تقولَه عن فتاة تستخدم عطرًا اسمه "هزار"؟ من المؤكّد أنك لم تسمع به من قبل. الجميلاتُ لا يحتجن إلى عطور معروفة، وربّما لا يحتجن العطر أبدًا. لكنه وفي مرحلة من مراحل الذكرى يغدو مهمًا بل جوهريًا ليكتمل نصابُ هذا الحفل الصاخب. ما اسم عطرك؟

أسمع جارنا وهو يصرخ. هو ذاته من رمى طفله من السيارة اليوم بطريقة همجيّة بعد أن امتنع عن النزول. أقول لك. لم أستطع امتلاك نفسي. قلت له: "هذا ضد الإنسانية تمامًا. ما تظن أنك تفعل؟" فقال بكلّ وقاحة: "أربّي إبني". تكفل جارنا الآخر بالنقاش بينما كان الطفل الصغير يبكي. أمسكت يده ومسحتُ وجهه وقلت له ما خطر ببالي حينها. ثم تمشينا قليلًا واشترينا السكاكر وأطعمنا دجاجة "إم مصطفى". أوصلته إلى منزلهم حيث فتحت لي أمه الهزيلة التي اعتبرتها مشاركة في هذا المسار التربوي الأحمق. إنه يصرخ الآن. مثل أي شيء سيّء يحصل هنا. مثل الموت والتفخيخ وصعوبة العيش والابتسامات الناقصة. متى شعرتَ بالرغبة في قتل أحدهم؟

استوى عقلي الآن. صار شديد الاحمرار ومحتقنًا. يبدو أنني استعدتُ ذاكرتي في النهاية...


على الهامش: Yanni - الصديق الوفي

يتم التشغيل بواسطة Blogger.