24‏/03‏/2017

هل اللغة الفرنسية معقدة كالعربية؟



بالنسبة لي، نعم. تعقيد اللغات يكمن غالبا في عدد الضمائر، ونطق الحروف، وتصاريف الأفعال والكلمات. إذا جعلنا الإنجليزية هي نقطة المقارنة بين العربية والفرنسية سنجد الكثير من أوجه الاختلاف.  

ضمائر الخطاب

  • العربية (5 ضمائر): أنتَ، أنتِ، أنتُما، أنتم، أنتنَّ. 
  • الفرنسية (ضميران) : tu, vous.
  • الإنجليزية (ضمير واحد فقط): you. 

وهنا تظهر صعوبة العربية والفرنسية بالمقارنة مع الإنجليزية. فأنت عندما تريد مخاطبة شخص ما ستغير صوت الكلمة وفقا لعدده وجنسه. أما في الإنجليزية فيكفي أن تقول (you) لمخاطبة المفرد والجمع والذكر والأنثى. 

ضمائر الغائب

  • العربية (6 ضمائر): هوَ، هِي، هُما، هُمْ، هنَّ، هُوَ (لغير العاقل).
  • الفرنسية (4 ضمائر): il, elle, ils, elles. 
  • الإنجليزية (4 ضمائر): he, she, they, it. 

وهنا تبدو العربية أكثر تعقيدا من الفرنسية والإنجليزية التي لا تميزان المثنَّى بخطاب خاص. الفرنسية هنا أعقد من الإنجليزية لأنها تفرق بين الغائب المفرد (il) والغائب الجمع (elle) والغائب الجمع المذكر (ils) والغائب الجمع المؤنث (elles). وبهذا تكون أقرب إلى صعوبة العربية. 

نطق الحروف

  • العربية (28 حرفا): تنطق الحروف العربية بسهولة بالنسبة للعرب، لكنها صعبة جدا بالنسبة لغيرهم. في اللغة العربية حرف ليس في الفرنسية أو الإنجليزية (ض). هذا بالإضافة إلى مشكلة التشكيل الإملائي والتنوين التي تجعل الكتابة العربية مهمة شاقة حتى بالنسبة للعرب أنفسهم. 
  • الفرنسية (26 حرفا): تتشابه الحروف الفرنسية والإنجليزية من حيث الكتابة، لكن تختلف كثيرا من حيث النطق، وأحيانا جذريا. الحرف آر R ينطق في الفرنسية إيغ R، وقد ينطق كحرف الغين العربي أو الخاء. وهناك علامات تشكيل إملائية تشبه تلك التي في العربية خصوصا في الأحرف i,e,o,u,a. فمثلا، الحرف e يُنطق أصلا (أو) لكن نطقه يتغير إلى (إي) عندما يصير (é)، ويتغير إلى (إيه) عندما يصير (è). 
  • الإنجليزية (26 حرفا): لا تحتوي على علامات إملائية والنطق يتغير من كلمة إلى أخرى بقاعدة ثابتة نسبيا. 


تصاريف الأفعال 

  • العربية: في اللغة العربية الكثير من أشكال الأفعال، فالأفعال ليست ماضٍ ومضارع وأمر فحسب. بل تتغير حسب جنس الفاعل وعدد الفاعلين. ففعل (الكتابة) يمكن أن يأتي في عدة أشكل: أكتبُ، يكتب، تكتب، يكتبان، تكتبان، يكتبون، تكتبون، تكتبن، يكتبن، يكتب (لغير العاقل) < مصيبة! والفرق بين الأجناس والأعداد له أشكال خاصة فالمذكر يبدأ بـ (يـ) والمؤنث يبدأ بـ (تـ) والجمع قد يكون (ون) أو (ن) أو (ان). 
  • الفرنسية: تشبه في كثرة تصاريف الأفعال فيها اللغة العربية. فالفعل يرتبط أكثر بالجنس والعدد. ففعل (الكتابة écrire) يمكن أن يأتي في عدة أشكل: j'écris, tu écris, il écrit, elle écrit, nous écrivons, vous écrivez, ils écrivent, elles écrivent. والفرق بين الأجناس والأعداد له أشكال خاصة فالمذكر المفرد ينتهي بـ (s) والجمع ينتهي بـ (ves) أو (vons). 
  • الإنجليزية: تكمن سهولة الإنجليزية في قلة تصاريفها وقلة ارتباط الفعل فيها بعدد الفاعلين وجنسهم وكثيرا ما يُعرف جنس الفاعل من سياق الجملة وليس من شكل الفعل أو من صوته. ففعل (الكتابة writing) يمكن أن يأتي في عدة أشكل: I write, you write, he writes, she writes, they write, it writes. والفرق الوحيد بين الأفعال المضارعة البسيطة هو فقط حرف (s) فقط. 

مثال إيضاحي
سأكتب هنا جملة معينة باللغات الثلاث لأوضح الفرق في الصعوبة من حيث عدد الكلمات المستعملة، أنواع الضمائر، وتصاريف الأفعال. دعونا نقل مثلا: أعيشُ مع عائلة فرنسية. هناك شاب في نفس عمري. يُدعى هوغو. هو طالب في كلية الطب. هذه هي أخباري الأولى حول إقامتي في فرنسا. 

في الفرنسية، تُترجم هذه الجملة إلى: 
J'habite chez une famille française. Il y a un garçon de mon âge. Il s'appelle Hugo. Il est étudiant en médecine. Voilà, les premières nouvelles de mon séjour en France. 

في الإنجليزية، تترجم هذه الجملة إلى: 
I live with a French family. There is a guy of my age. He is Hugo. He is a medical student. These are my first news about my stay in France. 


ما هي أوجه الاختلاف بين اللغات الثلاث في هذا المثال؟

  1. طول الجملة. الفرنسية غالبا تكون الأطول بين اللغتين، وهذا عائد إلى تنوع ضمائرها واستعمال أدوات التعريف والنفي بكثرة. اتضح في المثال أن الترجمة الفرنسية تبدو أطول من الترجمتين العربية والإنجليزية. بالنسبة لي، أرى أن العربية هي الأطول في الجمل بعد الفرنسية، لكن هذا ليس واضحا في هذا المثال بالتحديد. 
  2. المذكر والمؤنث: مع أن العربية تعطي المذكر والمؤنث شكلين وصوتين مختلفين إلا أنها لا تظهر هذا التمييز بواسطة أدوات خاصة. في الفرنسية تستعمل (un) للإشارة إلى المفرد المذكر غير المعرَّف، و (une) للإشارة إلى المفرد المؤنث غير المعرف. لاحظوا هذه الفروق في (une famille)، (un garçon). أما في الإنجليزية فليست هناك أدوات تذكير أو تأنيث. 
  3. المعرفة والنكرة: في العربية تُستعمل الأداة (ال) لتعريف الأسماء، ولا يوجد فيها أداة تنكير. في الفرنسية تستعمل (le) للمذكر المفرد المعرف و (la) للمفرد المؤنث المعرف و(les) للجمع المذكر والمؤنث المعرف. في الإنجليزية، توجد أداة تعريف واحدة (the) وأداة تنكير واحدة (a). الفرق واضح في كل من (أخباري الأولى)، (les premières nouvelles)، و(my first news).
  4. الصفة والموصوف: في العربية يتقدم الموصوف على الصفة، كما في (عائلة فرنسية)، وكذلك الحال في الفرنسية (famille française). لكن الأمر يختلف في الإنجليزية إذ تتقدم الصفة على الموصوف (French family). 
  5. من الواضح بالعربية أن المتكلم مفرد مذكر (أنا أعيشُ). وكذلك في الفرنسية (J'habite) إلا أن الفعل في هذا المثال لا يتغير عند التأنيف. فالكثير من الأفعال المذكرة يتغير شكلها عندما تؤنث. فلو كان الفعل مثلا (j'arrivée) لعرفنا أن المتكلم مفرد مؤنث لأن الشكل المذكر للفعل هو (j'arrive). أما في الإنجليزية، فلن نعرف أن المتكلم مذكر أو مؤنث من جملة (I live) ولن نعرف إلا بفهم السياق أو بالتحدث مباشرة معه/معها. 

أخيرأ، اللغة ظاهرة بشرية مدهشة. والبحث في أشكال وحالات اللغات المختلفة يزيد المتعلم أو الباحث دهشة. كل لغة لها امتيازاتها، فهناك لغات أفضل في الكتابة وأوضح (كالعربية والفرنسية) وهناك لغات أفضل في الكلام والمحادثة (كالإنجليزية).هناك لغات سهلة ولغات صعبة. وكل هذه اللغات لم تظهر في يوم واحد ولا في عشر سنوات بل تطورت عبر آلاف السنين ومرت بالكثير من مراحل التعديل والتنوع والاختلاط باللغات الأخرى. 

20‏/03‏/2017

عذرا أيها الأطفال: هذا العقل ليس للإنجاب



لا أستطيع رؤية طفل جميل بدون أن أتألم على عجزي عن الحصول على طفل مثله يحمل صفاتي الجيدة... وأمراضي.
علم النفس التطوري هو مجال شاب ومتحمس بدأ على يد داروين بشكل رسمي لتفسير بعض المظاهر الشكلية التي لا تبدوا مفيدة إذا ما قورنت بالطاقة والجهد التي تتطلبها (ذيل الطاووس، مثلا). ثم استمر بعزيمة قوية وجهود جبارة محاولا تفسير كل العواطف والظواهر النفسية مفترضا أنها كانت تكيفات في زمن الأسلاف. أسس داروين مبدأ الانتخاب الجنسي (natural selection) ورأى أن الضغوط والظروف التي تفرضها الطبيعة علينا (الانتخاب الطبيعي) ليست كافية لتفسير كل شيء. ينجح الانتخاب الطبيعي في تفسير لماذا تملك بعض الطيور مناقير طويلة ولماذا تملك بعض الكلاب حاسة شم قوية، لكنه لا ينجح في تفسير لماذا نغضب عندما ننفصل عن حبيباتنا ولماذا قد نفكر في إيذائهن وقتلهن إذا قررن مواعدة رجال غيرنا. هنا يأتي دور الانتخاب الجنسي ونظريات علم النفس التطوري. كلما قرأت أكثر في هذا العلم اكتشفت أن المرحلة التطورية التي وصلت إليها عقولنا في العصر الحديث قد تكون مشكلة أمام الهدف الأساسي من وجود الكائنات: التكاثر والبقاء. يرى الباحثون الآن أننا نلجأ إلى اتباع استراتيجيات بدائية (mating strategies) جدا لجذب أفراد الجنس الآخر بعد أن نتأكد من أنه مصدر تكاثري ثمين ويستطيع أن يساعدنا في إنجاب ذرية وتربيتها حتى تكبر وتصل إلى سن التكاثر فتتولى أمورها بنفسها. لكن ثمة حالات تتعارض فيها الغريزة القديمة مع العقلية الحديثة. واحدة من هذه الحالات هي الغضب عند الانفصال عن الشركاء الرومانسيين (الحبيبة أو الزوجة). وفقا لديفيد باس في كتابه (The Murderer Next Door)، يبذل كل من الرجال والنساء جهودا كبيرة في عرض امتيازاتهم في سوق التزاوج. يحاول الرجل الإيحاء إلى المرأة بأنه شجاع ولديه الكثير من الموارد كالمال والأراضي، وأنه متاح في الوقت الحاضر للاقتران. كما تحاول المرأة إبراز إثارتها والإيحاء للرجال الآخرين بإمكانية الاقتران بها، لكنهم ما إن يقتربوا منها وتختبر قيمتهم التكاثرية حتى ترفضهم وتقترن بالرجل الوحيد الذي وجدته مناسبا ليكون أبا لأبنائها. تتعب المرأة في حمل الأطفال وإرضاعهم وتربيتهم وتمريضهم وإطعامهم حتى يكبروا. لذا تملك قوة المساومة في سوق التزاوج فهي لا ترضى بالاقتران بأي رجل حتى لا تندم على إنجاب ذرية بلا أب كفء يسخر موارده وجهوده لرعاية ذريته. هذا بخلاف ما يفعله الرجال أحيانا في علاقاتهم قصيرة المدى، عندما يكون كل همهم إشباع شهواتهم الجنسية [1]. في بعض الحالات، تتخلى المرأة عن الرجل أو تخونه مع رجل آخر لعدة أسباب ليس هذا المقال مكانا مناسبا لسردها. يغضب الرجال بطرق مختلفة: بعضهم قد يضربها، بعضهم قد يقتلها، بعضهم قد يحاول محاورتها، وبعضهم قد يحاول نسيانها ومواعدة نساء أخريات. تبدو هذه الحلول بديهية لأي واحد منا، ومسلية بالنسبة لعلماء النفس التطوري. لكن هل تتفق مع عقلياتنا المعاصرة ومعاييرنا الأخلاقية والحضارية؟ دعونا نتعمق في التحليل. يغضب الرجل من خيانة المرأة لأسباب عدة، منها: أنها ضيَّعت موارده لأجل رجل آخر، وصنعت له منافسين في سوق التزاوج، وقد تكون تركت أطفاله وحمّلته كل المسؤولية. يبدو هذا معقولا. لكن ماذا يفعل الرجل ليعوض النقص الذي أحدثه غياب حبيبته أو زوجته؟ ذكرت هذا قبل قليل. إذا افترضنا الآن أن معظمنا سيحاول فهم أسباب هجران الشريكة أو خيانتها، فإن الكثيرين منا قد ينتهون إلى مواعدة غيرها من النساء والقليلين جدا سيلجأون للحلول العنيفة. هنا يبدأ التعارض. إن محاولة الرجل البحث عن شريكة مناسبة وقيِّمة من الناحية التكاثرية بصحة جيدة وجمال فتان وسمعة نظيفة ومكانة اجتماعية محترمة سيصنع نفس السيناريو مع رجل آخر. قد نجد المرأة التي تحمل تلك المواصفات لكنها قد تكون خارجة من علاقة حميمية مع رجل آخر أو قد تكون مرتبطة بالفعل برجل آخر. ما الذي سيحدث بعدئذ؟ قد ننجح في الفوز بالمرأة التي نبحث عنها لكننا سنتسبب في مشكلة صعبة بالنسبة لشريكها السابق. إذا كنا غضبنا أول الأمر لأن شريكتنا السابقة ضيعت مواردنا وجهودنا ووقتنا لصالح رجل آخر، فنحن الآن ذلك "الرجل الآخر" الذي خانت المرأة شريكها السابق معنا. ماذا سيفعل بدوره؟ ستتكرر الدائرة بنفس المنطق الطبيعي الذي نعيش به. لم تكن هذه مشكلة بالنسبة لأسلافنا لأنهم لم يفكروا بطريقتنا. أقصد أن أسلافنا لم يجدوا الوقت الكافي والقدرات العقلية واللغوية المناسبة لهذا النوع من التفكير. كل ما كان يهمهم هو مصلحتهم المباشرة بدون التفكير في مصالح الآخرين. نعم قد يكون الأسلاف تجنبوا الارتباط بنساء الرؤساء والأشخاص ذوي القوة والسُّلطة، لكنهم ما كانوا ليرفضوا الاقتران بامرأة خصبة ومتاحة، سواء لوقت قصير أو في علاقة رومانسية طويلة المدى وملتزمة. إنها مشكلتنا نحن! نحن الذين قد نغرق في التفكير أكثر من اللازم، ونحن الذين حصلنا على الوقت الكافي (بفضل الحضارة) للبحث عن أسباب عواطفنا وقراراتنا. والآن، ما العمل؟ أتوقع أن الحياة ستسير على وتيرتها برغم الكم الهائل من دراسات علم النفس التطوري. فعلى كل حال، لم يزل الكثيرون في وقتنا الحاضر جاهلين بمنطق التكاثر، أو على الأقل مؤمنين بمنظمات ثقافية أو روحية أخرى تبرر لهم ما يفعلون. لكننا على كل حال، بصدد مشكلة من نوع "أترضاه لأختك؟ أترضاه لزوجتك؟". حقا إنها نفس المشكلة لكن بمصطلحات أخرى. هذا ما يقودني إلى استنتاج أن العقلية التي وصلنا إليها حتى الآن ليست في صالح النظام الطبيعي (أو الفوضى الطبيعية المنظمة) التي نجحت لملايين السنين في الإبقاء على الحياة بكل أشكالها. إننا نفكر بطريقة لن تثمر أي أطفال ولن تنتج أي وجه من أوجه الاستقرار في العلاقة الرومانسية. وإذا استمر تطورنا العقلي وتفرُّغنا للتفكير، وهذه هي الحال، فإننا نبتعد يوما بعد يوم عن عقول الأسلاف ونفكر بعقولنا الخاصة. ومن ثم، نبتعد عن منطق الأسلاف ونخضع لمنطقنا الخاص. ومن ثم، نبتعد عن هموم الأسلاف ونواجه همومنا نحن. قد نكون الآن في مرحلة انتقالية بين البشر البدائيين والبشر الصناعيين (أو الإنسان الآلي). ليس هذا هو الحل الوحيد، كما أنه ليس أكثر من نبوءة. إننا نسعى بكل قوة وسرعة إلى فكرة الإنسان الآلي التي ابتكرناها بأنفسنا وأملينا عليها منطقنا، ومع أننا لم نزل أشبه بالبشر البدائيين في معظم أحوالنا إلا أننا ننسلخ منهم بهدوء ونحن، ربما، لا نشعر. وبعد الكثير من الوقت، قد تصل هذه المعلومات المرهقة إلى الأجيال القادمة وينتبه الجميع إلى هذا التعارض بين العقلية المعاصرة والحاجة البدائية، وهنا لن تعود سياسة الإنجاب مجدية لأن البشر سيكونون قد فهموا "خديعة" الطبيعة وبدأوا يفكرون لا من داخل عقولهم بل من خارجها.

[1] الأجزاء الثلاثة الأولى من الكتاب مترجمة إلى اللغة العربية ومتوفرة على موقع العلوم الحقيقية.

13‏/03‏/2017

الشعر العربي: من الصولو إلى الجوقة


لعلكم قرأتم في كتب الأدب عن تميُّز الشعر العربي قديما بوحدة الوزن والقافية والموضوع أحيانا. كان الشعراء العرب مرهفي الآذان والأذهان فيما يتعلق بموسيقى الشعر. فأنتم تقرأون القصيدة من الشعر التي قد تزيد على مائة بيت ولا تشذ عن قالبها الموسيقي. جاء الخليل الفراهيدي لاحقا وحاول جمع الأوزان العربية الشعرية في قانون موحَّد لا يتجاوزه إلا شاذُّ الشعر وركيكه. كان الخليل كما يبدو مهووسا بالموسوعات وشخصا شموليا وبعيد النظر. لكنه كأي شمولي حاول فرض قوانين صارمة بقيت عبئا على الشعراء وما زالت إلى اليوم. يُقال أن الخليل حصر الموسيقى الشعرية العربية في 15 وزنا أسماها بحور الشعر، وهي تبدأ بالطويل وتنتهي بالمتقارِب في خمسِ دوائر عجيبة تشبه في تعقيدها وذكاء تصميمها تقاويم الوقت التي صنعها البشر الأوائل. لهذا السبب تميزت القصيدة العربية لقرونٍ بنمط واحد بارد هو وحدة الوزن والقافية. ومع اختلاط الحضارات وتوسع الثقافة العربية والانفتاح على آداب الأمم الأخرى، بدأت القصيدة تتحرر من قيد الوزن الواحد وتتنوع موسيقيا. فظهرت الموشحات والقصائد التي تتركب من أكثر من وزن شعري، وهذا أعطى الشعراء فسحة أكبر في التعبير عن مشاعرهم وقضاياهم بدون قيود. إحدى القصائد البسيطة التي تخرج على نمط الوزن الواحد هي قصيدة الأخوين رحباني (قصة الورد). القصيدة من البحر المُتدارَك الذي تجاهله الخليل لعدم وفرة نماذجه من الشعر الجاهلي ثم تدارَكه تلميذه الأخفش كما يُروى. لكن في منتصف القصيدة يموج بحر جديد وهو المُتقارِب، يطلُّ سريعا ثم يختفي ويترك فرصة للمتدارك ليستكمل مسيره. يتركب المتدارَك أساسا من تفعيلة (فاعلن) أي من سبب خفيف (فا) ووتد مجموع (علن). ويتركب المتقارِب من تفعيلة (فعولن) أي من وتد مجموع (فعو) وسبب خفيف (لن). ولو لاحظتم العلاقة بين البحرين ستجدون أن كل واحد منهما عكس الآخر. فلو مثلناهما بالأرقام سيكون المتدارك (2+3) والمتقارب (3+2). هذه العلاقة العكسية بين البحرين تؤدي دورها تماما في القصيدة. فتعدد البحور في قصيدة (قصة الورد) ليس الغرض منه استعراض المهارات الشعرية، بل تبديل الأدوار. يتميز وزن المتدارَك بالبطء خصوصا عندما تكون تفعيلاته سليمة (فاعلن). وقد يناسب تعبير السرعة والعَجلة عندما يصيبه زَحاف الخبن (حذف الحرف الثاني الساكن) فتتحول تفعيلاته إلى شكل آخر (فعِلُن) وقد يسميه بعضهم (الخبب) تشبيها بعدوِ الفرس (تت تك، تت تك...). لكن الوزن الذي بُنيَت عليه القصيدة هو الوزن السليم وهو الذي يفيد تعبير البطء ويناسب مشاعر الحزن ويشبه عزفا منفردا على آلة الكمان أو الأكورديون. أما وزن المتقارب فيتميز بالسرعة بعكس المتدارك. ومن ثم فهو يصلح أكثر للمشاهد السريعة في مسرحية أو المشاعر المضطربة ويشبه عزفا جماعيا على أكثر من آلة. تبدأ القصيدة باندفاعٍ مثقل بالحنين إلى الماضي والذكرى: (ذاكرٌ يا تُرى، سورَنا الأخضرَ)، وتسير بخُطًى متثاقلة كأنها مُرغمة على السير إرغاما. ثم تنفرط الذكريات واحدة تلو الأخرى في جو شديد الكآبة فتكادون تسمعون زقزقة (الطيور) المتعَبة العائدة إلى أوطانها المكللة بـ (لحن الزهور). ويلوح مظهر (الشعر الأشقر) و(الشريط) الذي يعقده و(شال الحرير) الذي يرتاح على كتفي فتاة سعيدة بحبها الوادع وهداياها البسيطة. كل هذا يؤديه عازف ناي واحد يزن آلته على تفعيلة وحدة هي (فاعلن). ثم فجأة تحتدم الذكريات ويستعر الألم الذي يمارس صوت فيروز عليه كبتًا رهيبا. يظهر وزن المتقارب لوهلة ليطرح موضوعا آخر ويمثل نوعا آخر من المشاعر: الغيرة والغضب اللذين تحملهما كلمة (الصبايا). فبالنسبة للفتاة الحزينة ذات الشعر الأشقر، لم يعد السور (سورهم الأخضر) بل صار مثقلا بحديث الفتيات الأخريات، لهذا السبب ترفع فيروز صوتها قليلا في اعتراض. استعمل الأخوان رحباني جملة (أثقل روضي الثَّمَرْ) للتعبير عن الوحدة والضياع. فالروض المثمر كان مكانا رائعا عندما كانت تلك الفتاة تقتسم مع حبيبها ثمار الحب. أما وقد هجرها ونأى عنها فقد تحول الثمر إلى عبء لا يُحتمل وصار يثير المتطفلين من كل مكان. هكذا يحتد الموقف وتنطلق جوقة كاملة بآلاتها المختلفة لتجسده أدق تجسيد. ومن هنا، تأتي ضرورة استعمال وزن آخر وإقحامه في جو القصيدة لأن لون العاطفة المراد رسمه لا يتوفر في الوزن السائد وهو المتدارَك. عموما، ظاهرة تعدد الأوزان ليست نادرة في الشعر المعاصر، وبالأخص في الشعر الرحباني، هذا لأنه شعر غنائي في الأساس ومسرحي غالبا، وسيكون مملا وباردا إذا تقيد بوزن واحد حتى النهاية. الشعر لغة رفيعة ومميزة وهو يختلف عن التعبير البسيط عن المشاعر. فالشاعر يعلن عن مشاعره ويغنيها في نفس الوقت. والشاعر كالرسام، يفضل أحيانا أن يلون لوحته بلون واحد ويختار أحيانا أن يلونها بكل ما لديه من ألوان. فينبغي على الشعراء في هذا الوقت من الزمان أن يرتاحوا وهم يكتبون قصائدهم ويتخلصوا من عُقدة الخليل. ففي عصرنا الحالي ثمة مشاعر لم يكن الناس في عصر الخليل يعرفونها. وإذا كان كل هم الشاعر الأول هو أن يصف مسرح الأطلال بنفسٍ طويل، فإن شاعر هذا العصر لديه ما هو أعمق من الأطلال وهو مصاب بقصر النفس في معظم الأحيان. فلتخوضوا في بحور الشعر وبحوركم فكلها من ملح اللغة.

08‏/03‏/2017

أنبياء وفيروز وبعض العشب



"جبل الثلج"، ليونيد أفريموف
بداية، اخترت اللوحة في الأعلى للرسام الإسرائيلي ليونيد أفريموف. لم أقصدها تماما، لكنني كنت أبحث عن صورة تمثلني: صورة تضم بين أُطُرها جبلا وماء وبعض العشب والشمس.
نشأتُ في مكان لا هو بالجبل ولا هو بالبحر. أستطيع أن أنتسب إلى الصحراء معظم الوقت، فلي حاجبان كثيفان وبشرة سمراء وشعر أغبر. ولكنني أزعم أن أفكاري دائما تأتي من الجبل وتمردي دائما يأتي من البحر. هكذا نشأت، عندما يهطل المطر أكاد أعجنُ الجبال بيديّ، وعندما أسهر فوق سطح البيت تسهر معي قواقع وأسماك البحر الذي يبعد عن وجهي بضع كيلومترات.
إذا شئتم أن تسمعوا رأيا غير متحيِّز عن الجبل، فاسألوني. فأنا الوحيد الذي لن يجيبكم بلغة أهل الجبل التي تملؤها المحسنات البديعية، وأنا الوحيد الذي لن يجيبكم بلغة أهل البحر التي تملؤها الجهات والأشرعة. سأجيبكم بحِياد الأنبياء والزهَّاد المتصومعين فوق التلال.

يتعلم أبناء الجبل منذ أيامهم الأولى أن يعتمدوا على أنفسهم. ويوما بعد يوم، يكتشفون أن البوصلة التي يحتاجونها ليست هي التي يحتاجها أهل البحر. فالشرق يطل عليهم متأخرا والغرب يغادرهم مبكرا. أما الجنوب فموطن أحبابٍ، وأما الشمال فرحلات سفر. إن ما يحتاجه أهل الجبل هو بوصلة باتجاهين: من الأعلى للأسفل، ومن الأسفل للأعلى.
لا أعرف الكثير من أشعار الجبليين الذين يسكنون مدينتي. لكنني أعرف امرأة لديها القول الفصل في الجبال. إنها فيروز التي نادت ذات مرة "يا راعي القصب" فتنبَّهت لصوتها الحشرات التي تستوطن الهمالايا منذ دهور.

يستعمل أهل الجبل لغة ملأى بالمحسنات البديعية كما قلت. إنهم لا يهوون الطِّباق والجناس والمجاز بل يجدونها مفروضة على كلامهم بحكم البيئة. فالشمس في أوائل الصباح هي مجازُهم، والعشب النامي على الصخور هو طباقهم، ونسائم الصيف والشتاء هي جِناسهم. خذوا هذه الصورة التي يستخرجها الشاعر اللبناني طلال حيدر من رحِم بعلبك.. بعلبك الصخور والسهول الممتدة، يقول: "يا رايح صوب مشرِّق، شرِّق ما بو ربيعي" مناديًا ذلك الشبح الذي يعرفه أهل الجبل جيدا، شبحُ الرسائل والأخبار وحركة القوافل وتبدلات الطقس، يخبره بأن الشرق لا يخبئ أي ربيع، وأن الربيع الحقيقي بين ضلوعه "راحوا يرعوا غنمهن، والعشب فوق ضلوعي".
عندما حمل إليَّ صوتُ فيروز هذه الصورة "العشب فوق ضلوعي" انفجر بداخلي حنين إلى الكتابة. كيف يمكن أن ترعى الأغنام في الضلوع؟ يجب أن تكونوا جبليين لتفهموا. أما إن كنتم ضائعين مثلي في ما عدا الجبل، فالأفضل أن تغمضوا أجفانكم وتستفزُّوا تلك الصورة البديعة حتى تجد لها مكانا في أذهانكم.

حاولتُ مرة أن أتصفح اللغة العربية وأصنفها إلى ألفاظ جبلية وألفاظ غير جبلية. لأنني أؤمن بأن الجبل يأتي أولا قبل كل شيء. لم أصنف كل الألفاظ بالطبع. لكنني أحصيت مجموعة لا بأس بها من الكلمات. مجموعة إذا شئنا تجسيدها حق التجسيد فلن تحمل سوى رائحة الكاذي وملمس القمم الباردة. "ضياع" "خيال" "فوق" "عالٍ" "غياب" "أليف". هذه المفردات يمكن أن ينطق بها أي إنسان عربي في العالم. لكن هل سيدرك حقيقتها كما يدركها إنسان الجبل؟

أخيرا، بالنظر إلى لوحة أفريموف في الأعلى، أود أن ألفت انتباهكم إلى فكرة طرحتها قبل قليل. تأملوا الجهات في الللوحة. هل تحتاجون إلى بوصلة لتسيروا شرقا أو غربا أو جنوبا أو شمالا؟ أم أن كل ما ستحتاجونه هو النظر إلى الأعلى والأسفل؟ هذا ما قصدته. إن لأهالي الجبل جهاتهم وأسفارهم الخاصة. قد نقطع نحن البحر ونحتل الجُزر الوحشية لكن بشر الجبل قد يصعدون إلى سدرة المنتهى ويهبطون إلى أصل الجحيم. تأملوا نهاية الأغنية "نازل من صوبن مرسال، ومن عيني نزلوا دموعي".

01‏/03‏/2017

آثار قُبل على سطح خيمة



هو لا يغازل أي امرأة، إنها مزيج معقد من السهل والجبل، وبرغم عفويتها وتساهلها في حجب وجهها عن الشمس والآخرين، لا يبدو الحصول على قربها محتملا.. حتى بعد عشرات القصائد التي كلُّها شوقٌ وحُمَّى. قد يجرب كل الطرق ليحظى بلحظة حديث، قد يجلب لها سلة من العنب والرسائل، لكنه يعلم أنها تنفر من الرجال نفورَ النعامة من الخيال. لكنه لم ييأس، فوقف عند عتبة بيتها مضحِّيًا بسمعته ومتناسيا احتمال أن يضربه أهلها، وأشعل سيجارته وناداها: "يا حلوة اللي بيتِك فوق، صوبِك عم ياخدني الشوق، عم حاكيكِ بلطف وذوق، بحياتِك لا تحتدِّي".
كان هو أيضا مزيجا معقدا مثلها، وآلمَه أنها هي التي "فوق" وهو الذي "تحت".
كل شيء بدأ عندما لمحها تجتاز الطريق ذات صباح صائف، كانت تبدي بعض الإهمال فيما يتعلق بسلامة بشرتها، وجهها القمحي اكتسى عرقا ككأس زجاجي مُلئ ماء باردا وتُرِك عمْدا وسط الظهيرة. لم يفُتْه أن يلاحظ أن تخلِّيها عن "منديلها" قد يفسد لونها ويجعلها "مسودَّة" بعد حين من الدهر. ناداها ببعض التسلُّط: "ردِّي منديلك ردي، بيضا والشمس حدّة" ثم أنهى أوامره بشيء من الخضوع: "بكرة بيجي محبوبك وبيلاقيكي مسودَّة". 
يكون الغزل في أقوى صيَغه عندما يُوجَّه إلى مُخاطَب غير آبه. يحكي الشعراء عن حسناوات بضمير الغائب كثيرا، لكن هذا لا يحرك ساكنا في الوجود. أما العشاق فيغازلون فتياتهم المُعرِضات ويمنحونهن (كاف الخطاب) إلحاحا في الطلب. يصف عينيها بلغة الفلَّاحين: "لمَّا عيونِك بتفيِّي، أوراق الزنبق بتندِّي". لم أعرف حقا كيف تفيءُ العيون. ما أعرفه عن الجذر (ف ي ء) هو أنه قد يكون بمعنى الظل أو الغنيمة. لكن المعاجم تتضاءل أمام الفلاحين كما تلين الصخور وتخف المعاول. ربما يكون فيء العيون أسلوبا غير قابل للتحديد بكلمة. ربما يكون لونا مما وراء الألوان أو شكلا مما وراء الأشكال. أو ربما لا تفيء إلا عيون هذه الفتاة دونا عن بقية فتيات العالم، وهنا تكون المسألة قد خرجت من يدي.
تتبقى ملحوظة أخيرة لتكتمل الأغنية. هذه الملحوظة تخصها هي.. فتاة السهل والجبل. لقد أجابت نداءاته بعد شقاء. هذا الشقاء الذي لا يبرزه سوى صوت فيروز الذي يتهدَّج وهو يطلق هذه الكلمات: "في لنا يا حب خيمة ع الجبل، ناطرة تا نزورها بليلة غزل، راكعة الغيمات عند أبوابها". وما ألذه من مشهد قد تصوغه فتاة صعبة المِراس حين تقول: "تاركة النجمات ع سطحا قُبَل".
إذن، فالموعد خيمة على الجبل تتميز بكل تلك الأوصاف السحرية لأجل اللقاء المحموم الأشد حدَّة من الشمس.

06‏/02‏/2017

مذاقها حلوى عراقية (قصة قصيرة)




أردتُها بقوة إرادة الجياع، وبعناد اللقطاء. أردتها.. كيف يمكن أن يحصل بوهيميٌّ متشرَّد على برج إيفل؟
عرفت أنني أريدها عندما صارت كالشوكة في حلقي. فجأة! صار كيانها الكثيف رفيقا لألمي وعطشي وجوعي وأنفاسي.
لكنني رجل بائس، لم أكن أستطيعها على كل حال. تصوروا كيف صارت فعلا من الأفعال في حياتي اللعينة.
كانت.. إنها الآن.. وإنها دائما عراقية. حينما تخطر ببالي أنسامها لا تأتي وحدها، بل تصحب معها أنين الحلَّاج وخطوات أبي نواس المتبختر في أزقة بغداد. كنت أشبه ببشار بن برد يتسكع بين ألذ غواني الرصافة بدون أن ينال واحدة منهن إلا بلسانه.
مددتُ لساني وتذوقتها.
وكما يستطيع أي بوهيمي أن يحتضن برج إيفل ويسرقه.. يصير جزءا منه أو يجعله جزءا منه، استحضرتُ جسدها بين يدي وحملته إلى دمي.
بحثت عن أرخص الأطعمة العراقية. فتشت مطبخي. إنها لدي ما دام لدي بعض الأرز والزيت والسكر والقرفة. أدركت في أسوأ حالات اليأس والجوع أنني أستطيع لمس وجودها بلساني.. أنني أستطيع السباحة في ملوحة عرقها.
وحقا، كان مذاق حلوى (طحين الرز) يشبه مذاق جسدها لمَّا ينثني لذاكرتي.
طراوة جسدها تشبه عجين الأرز المطحون فوق فقاعات الزيت. رضابها الدافئ كالسكر المغلي مع القرفة وماء الورد.
حصلتُ عليها.
فما الذي ناله الزناة غير جهنم؟


05‏/02‏/2017

علم النفس التطوري: فضيحة في سوق تجاري



السلوك البشري معقد، وكذلك طريقة تفكير البشر. يستند علم النفس التطوري إلى نظرية تقول أن عقول الكائنات الحية تطورت بالتدريج وليس دفعة واحدة. فكما أن أجساد تلك الكائنات تشكَّلت ببطء وبحسب ما اقتضته ظروف بيئاتها والتكيفات التي واجهتها، كذلك عقولها -السلوك والعاطفة والتفكير- لم تتشكل في يوم أو يومين، بل تطورت على طول ملايين السنين محكومة بظروفٍ وتكيفاتٍ معينة. 
يبدو علم النفس التطوري سهلا وجميلا وأنيقا إذا ما اكتفينا بقراءته وفهمه في أوقات الفرغ. فأي شيء أكثر متعة من أن نعرف لماذا نحب ونتحالف ولماذا نكره ونتقاتل، لماذا يفرحنا أحيانا ما يحزن الآخرين ولماذا يحزننا أحيانا ما يحزنهم، لماذا نرغب في شخص بعينه من الجنس الآخر ولا نرغب في شخص غيره، لماذا نغار ولماذا نشك ولماذا تغضبنا بعض الأمور وتوصلنا إلى حد التهور. كل هذه الحالات والظواهر لم تكن مفهومة بشكل جيد قبل أن يبدأ تشارلز داروين ومن بعده من العلماء بمحاولة تفسيرها وفقا لمبادئ نظرية التطور. 
لكن السؤال هنا: إلى أي مدى يمكننا توظيف علم النفس التطوري في حياتنا الشخصية اليومية؟
في هذه التدوينة وتدوينات أخرى سأسرد بعض المواقف الحقيقية من حياتي بلغة علم النفس التطوري. 

دعوني أبدأ بأقرب الأحداث إلى ذاكرتي.
الساعة العاشرة مساء، في أحد الأسواق التجارية، كنت أنتظر اثنتين من قريباتي عند السلَّم المتحرك، لمحتهما آتيتين من الطابق السفلي، إحداهما كانت تحمل وردة حمراء في يسارها. وحينما وصلتا إلى الطابق الثاني كان يقف رجلٌ يرتدي ثوبا أبيض وغترة حمراء، كان يحمل جواله الموصول بأذنيه عبر سماعة، اقترب منهما وأنا أتابعه بحرص، تكلم مع التي تحمل الوردة وأنا أحاول سماعه، كنت باردا وهادئا جدا، بل كنت أستبعد أن يزعجني مثل هذا السلوك. 
عندما وصلت قريبتاي كانتا خائفتين، كنت أنا قد أهملت الموقف تماما وتهيأت لنسيانه، فما الغريب في أن يتقدم رجل من كوكب الأرض إلى امرأة من نفس الكوكب ويسألها عن أحد المحلات؟ أو يبدي إعجابه بكل تهذيب؟
كانت إحداهما خائفة جدا والأخرى لا تقل ارتباكا عنها، ناولتني الوردة قائلة: هذه هدية مني! بينما قالت الأخرى: آه، يكاد قلبي أن يتفجر من الرعب. نظرت إليه نظرة مهتاجة ثم قلت لهما: هل آذاكما بكلامه؟ قالتا: قليل الأدب كان يطلب أن يتصور معنا. في ذلك الوقت تماما، في غضون بضع ثوانٍ كاد قلبي أن يتفجر أنا الآخر، ولكن ليس من "الرعب" بل من شيء آخر كنت أجهله حينها.
ناولتها الوردة ومشيت نحوه، كان برفقة اثنين من الرجال صاعدين إلى الطابق الثالث، عرفتُ أنه رآني وأدرك أنني سأفعل شيئا. كان يتجنب النظر إلي وكنت أقول في نفسي: لا يستحق الأمر عراكا، لكنني سأهينه بالكلام.
ناديته بهدوء وقلت له: قل لي، هل تحب أن تتصور مع كل امرأة تحمل وردة في هذا السوق؟! فاحمرَّ وجهه وقال فورا: من؟ لا.. ما قصدك؟ كان رجل الأمن قريبا، سألني رجل الأمن: هل من مشكلة؟ فقلت: نعم، هذا الرجل اعتدى على عائلتي وأريد أن أقتص منه.
لم يتكلم الرجل، لكن أحد أصدقائه قال بلهجة عنيفة لرجل الأمن: وما شأنك؟ وأخذا يتضاربان. تراجعتُ أنا لأنني لم أرد أن أخوض عراكا جسديا وأتورط، فقط حافظت على هدوئي وكان شعورٌ غريب يسيطر علي، لا أدري ما هو بالضبط، لكنه كان مزيجا من الرضى والسخط.

تجمَّع رجال الأمن والمتسوقون وأصحاب المحلات، عدتُ إلى قريبتيَّ وطلبت منهما الابتعاد عن المشهد والاطمئنان علي، كنت أتوقع أن يتطفل أحد المتسوقين ويصور الحادثة وينشرها على مواقع التواصل.
في ذلك الوقت كنت أشاهد الجدل العالي بين رجال الأمن وأصدقاء الرجل. شعرت بالحماس، أردت أن أهينه أكثر، فدخلت إلى المشهد. سألني كبير رجال الأمن: ما الذين فعله بك هذا الرجل؟ فقلت بهدوء: لقد اعتدى على عائلتي ولن أتكلم معكم إلا في المكتب. وبينما أنا أتكلم معه، لمحت صاحب الثوب الأبيض يحاول الفرار فطلبت من رجال الأمن الإمساك به.
هبطنا إلى الطابق السفلي وكان المتسوقون يتجمعون حولي محاولين معرفة ما حدث، أخبرتهم بأنه تجاوز حدود الأدب مع عائلتي، فأيَّدني بعضهم بالمطالبة بالاقتصاص منه، أما بعضهم فحاولوا تهدئتي. بيد أني لم أكن غاضبا بقدر ما كنت مضطربا.

كنت أراجع نظريات علم النفس التطوري في ذهني، كنت أتذكر دراسات ديفيد باس وروبن دونبار وتوبي وكوسميديس، فأفكر في ما يدفعني إلى الغيرة والغضب وفي الوقت نفسه فيما يدفعني إلى البرود والهدوء. فوفقا لعلم النفس التطوري، كان ذلك الرجل معتديا مثيرا للرعب، وكان في الوقت نفسه رجلا يحاول الوصول إلى امرأة. كنت أرى الناس الذين تركوا أعمالهم وتجمعوا وأنا أدرك أن الأمر الوحيد الذي دفعهم إلى التجمهُر هو البحث عن النميمة/الثرثرة، هذا البحث الذي طالما ساعد أسلافنا على تحديد الشاذين عن الجماعة ونبذهم، بل طور من روابطهم الاجتماعية ولغتهم، فكم رجلا كان سيهتم لأمري ما لم يحدث الذي حدث؟ كان شعوري بالرجولة يتضخم وأنا أرفع بصري إلى قريبتيَّ في الطابق الثاني وهما تشعران بالأمان والحماية والخوف علي. كنت أنظر إلى الرجل الذى آذاهما وهو محاط بشتائم المتسوقين وأصوات رجال الأمن المرتفعة. كنت أنا الرجل المنتمي إلى الجماعة وكان هو الخارج عنها المنبوذ منها.

ذهبنا إلى مكتب الأمن في انتظار وصول شرطة المدينة. قال لي الرجل: ماذا فعلتُ لك؟ أستطيع أن أعطيك ما تريد لكن لا توصل الأمر إلى الشرطة. فأجبته بهدوء: لن أتكلم حتى تصل الشرطة. وحينما أثقل علي بالكلام أحببت أن أكسب المزيد من تشجيع الآخرين فسألتهم: هل بينكم أحد يرضى أن تتعرض أخته أو أمه للإهانة؟ فأجابوا جميعا وبغضب: لا! فكسبتُ تأييدهم وخسر هو كل ما يمكن أن يخرجه من قبضتي.

تأملوا إجماع الجميع على قول "لا". إن هذا لا يعود إلى تربيتهم أو ديانتهم أو ثقافتهم بقدر ما يعود إلى سيكولوجيتهم/نفسيتهم التي تشكَّلت عبر تاريخ تطوري طويل لتتكيف مع مثل هذه المشكلات. إن الذين قالوا بصوت واحد "لا" كان يمكن أن يقولوا "نعم" لو أنهم في حفل زواج مرتَّب بين رجل متميز وامرأة عفيفة. ما الذي غير رأيهم؟ إنها الكُلفة التطورية. فإذا حسبنا هذه الحادثة تفاضليا وتكامليا فإن منفعة الرجل -إذا قبلت قريبتي بالتصور معه وأعطته رقمها- ستكون كُلفة في حُسباني. كيف؟

أولا، كان من الواضح أن الرجل لم يكن جادا ومخلصا في طلبه، وهذا يعني أنه أراد علاقة قصيرة المدى وليس علاقة طويلة المدى (الزواج). ثانيا، كونه غير جاد أو مخلص كان من الممكن أن يعود على قريبتي بتكاليف وخسارات عدة: قد يصل إليها جنسيا ويذهب إلى غيرها مدفوعا برغبته في التكاثر بأدنى التكاليف، وستخسر هي تسعة أشهر من حياتها في التعب والألم والخوف ثم ستقضي عمرا لا بأس به في تربية طفل بلا أب. ثالثا، من الممكن أن الرجل كان يريد قريبتيَّ له ولأصدقائه، وهذا التحالف ضد قريبتي كان يعني لي أنهما أعداء يجب التخلص منهم، فمن يدري هل يبتزُّونهما أو يقتلونهما أو يخطفونهما؟ كل هذه الاحتمالات التي خطرت ببالي فيما بعد كانت خسائر بالنسبة لي ولأسرتي ولكامل مجتمعي. رابعا، كان الرجل يمثل تهديدا صريحا لسمعتي وسمعة قريبتيَّ، هذا التهديد الذي ستترتب عليه خسارات أكثر، فقد لا يرغب أحد في الزواج من عائلتي ذات السمعة السيئة، وقد لا يرغب أحد في الاستثمار الاقتصادي معها، وقد لا يرغب أحد في التعامل معها بأي شكل من أشكال المعاملة الحسنة التكافلية الاجتماعية، أي قد تُنبَذ عائلتي من المجتمع كله بفعل رجل متهور يبحث عن لذة مؤقتة.

وصلت الشرطة. طلب مني الشرطي إحضار بطاقتي الشخصية وسألني إن كنت مصرا على إيصال الأمر إلى الشرطة أو التنازل وحل المشكلة بالتراضي. كنت أعلم أنني لن أوصل الأمر إلى الجهات الجنائية والقضائية حرصا على سمعة قريبتيّ. فلا أحد يدري كيف سينظر إليهما المجتمع بعدما يعرف أنهما استُجوِبتا في المحاكم لأجل قضية جنسية! لكنني افتعلتُ الإصرار لأرضي نفسي بالمزيد من إهانة ذلك الرجل.
أخذتُ قريبتيَّ بالسيارة وذهبنا إلى مركز الشرطة. كنت أشعر بالانتصار. التفتُّ إليهما وهما لم تزالا خائفتين من عواقب إصراري، وأشرتُ إلى الرجل ضاحكا وهو مقيَّد في سيارة الشرطة ومحاطٌ بكل الذل والصغار. طمأنتهما بأن الأمر سيبقى سرا بيننا وبأنني سأتنازل لكن بعد إرهاقه. سألتهما ونحن في الطريق إلى قسم شرطة المدينة: ما كان شعوركما وهو يطلب منكما التصور معكما؟ قالت إحداهما: كنت خائفة، وأردت أن أناديك. وقالت الأخرى: كنت أرى أنه غبي وحقير وودت أن أضربه وأدفع به إلى الطابق السفلي. ولا عجب أن التي فكرت في العنف كانت هي التي ستتحمل أكثر التكاليف، أي صاحبة الوردة التي تكلم معها مباشرة.

وصلنا إلى قسم الشرطة. اختلا الضابط بكل منا وعرف منه تفاصيل القضية، ثم جمعنا وسألني إن كنت لم أزل مصرا على رفع الأمر إلى الجهات الأعلى فأجبت بالإيجاب. عندها أدرك الرجل خسائره الشخصية مقابل منفعته المحتملة. فمن جهته هو كان سيُعاقب جسديا بالسجن وماديا بدفع الغرامة المالية ومعنويا بسوء السمعة. وإذا افترضنا أن ادّعاء أصدقائه بأنه "متزوِّج" صحيح فقد يخسر عائلته وطفلتيه. عندما أدرك كل هذا -ولو على مستوى اللاوعي- خرَّ ذليلا وطلب مني أن أسامحه. قال: أرجوك يا أخي، نحن مسلمون وأبناء عمومة وأنا وأصدقائي ضيوف عندكم فلا تورطني.
ولعلكم تلاحظون سيكولوجيا اعتذاره هنا، فهو يناديني بالأخ، ويذكرني بالانتماء الثقافي والعرقي وواجب الضيافة. لقد كان الأحمقُ يستعمل علم النفس التطوري بطريقة أفضل مني!
سامحته أخيرا بعدما طلبت أن يكتب إقرارا بخط يده وبصمة إبهامه، ثم عدت إلى عائلتي وسط موكب من الشكر والدعوات من أصدقائه الذين كانوا قد صاروا ثمانية.

في النهاية، لم أكن راضيا على افتعال كل تلك المشكلات تماما. فأنا رجل ناضج وأعرف أن من الطبيعي جدا أن يبحث الرجل عن علاقات جنسية طويلة المدى كانت أم قصيرة. وأعرف أيضا أنني كنت أستطيع إهمال موقفه والتغاضي عنه بدون أن يحدث شيء مما ذكرتُ لي ولعائلتي. لكنني كنت مدفوعا بغريزة أقوى مني... غريزة أطول عمرا بكثير من الحضارة وتعقيدات نمط الحياة العصري الذي نعيشه، غريزة لم تتركني مقيد اليدين بل هيَّجتني وأصابتني بسُعار غريب. وإذا نظرنا إلى الحادثة من جهتي، أي إذا كنت أنا المتورط وهو المطالب بحقه، فأنا لم أكن لأرضى بأن أُهان كل تلك الإهانة وأصاب بكل ذلك الرعب، لكن الفارق ربما يكمن في طريقة الطلب. فهل من التهذيب أن يقحم رجل نفسه بين امرأتين لا علاقة له بهما بتلك الطريقة؟ أما لو رجَّحنا رغبته في علاقة قصيرة المدى فالسوق التجاري ليس مكانها الصحيح، بل بيوت الدعارة وبائعات الهوى.

01‏/11‏/2016

قبلة الكمان




صُول ،
صوت الكمان أقرب إلى صوتي. 

عندما أمنحها كتفي تمنحني كل جسدها. 
العلاقة بالكمان دائما قُبلة. قُبلة الكمان لا تعرف الكتمان. 
المعزوفة معركة. معركةُ احتكاك. 
أشبه بفعل الحُب. 
للكمان قوس مصنوع من ذيل الحصان، وأوتار مصنوعة من الحرير. 
معركة. 
صوت صهيل. 
تركض العادياتُ ضبحا، وتعزفُ نَوْحا.

رِي ،
نوتة البداية.
أعتقد أننا جئنا إلى الحياة بمجموعة فريدة من الجينات والنوتات.
نوتتي تبدأ بالـ ري. 

على مقام الصَّبا.
أستطيع أن أصنع من حلقي آلة كمان إذا وضعت يدي على هذه الدرجة من السلم كل مرة.
لاحظتُ مرارا أن الكمان هي الآلة الأقرب إلى الحنجرة.

لا ،
تانغو الحرية - بيازوللا
"لا" هي التصوير الأدق لزوجين يستعدَّان للرقص.
أنطقُ" لا" فتنفلت لساني من حنكي الأعلى، تضرب في أسفل الفم بشهوة.
ينحبس الهواء كسائل العطر حبيسِ القنِّينة.
حَبس، حُرية.
عندما يقفز الخيل، يبقى عالقا في الهواء، ترتاح خيوط الحرير قليلا،
تتنفس قليلا،
وتمسح العازفة عرقها.

مي ،
أفهم الآن لماذا يحلق بي صوت الكمان أعلى من صوت أية آلة أخرى،
تُصنع الكمان الجيدة من خشب الصنوبر.
في صوت الكمان اعتراضات دفينة، حنين اللحاء إلى دفء القشرة 

وحنين الجذع إلى ملوحة الجذور.
أنا والكمان أبناء عمومة في الحقيقة.
لذا أشعر بهذا الانتماء والإدراك عندما أتوسَّده.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.