06‏/02‏/2017

مذاقها حلوى عراقية (قصة قصيرة)




أردتُها بقوة إرادة الجياع، وبعناد اللقطاء. أردتها.. كيف يمكن أن يحصل بوهيميٌّ متشرَّد على برج إيفل؟
عرفت أنني أريدها عندما صارت كالشوكة في حلقي. فجأة! صار كيانها الكثيف رفيقا لألمي وعطشي وجوعي وأنفاسي.
لكنني رجل بائس، لم أكن أستطيعها على كل حال. تصوروا كيف صارت فعلا من الأفعال في حياتي اللعينة.
كانت.. إنها الآن.. وإنها دائما عراقية. حينما تخطر ببالي أنسامها لا تأتي وحدها، بل تصحب معها أنين الحلَّاج وخطوات أبي نواس المتبختر في أزقة بغداد. كنت أشبه ببشار بن برد يتسكع بين ألذ غواني الرصافة بدون أن ينال واحدة منهن إلا بلسانه.
مددتُ لساني وتذوقتها.
وكما يستطيع أي بوهيمي أن يحتضن برج إيفل ويسرقه.. يصير جزءا منه أو يجعله جزءا منه، استحضرتُ جسدها بين يدي وحملته إلى دمي.
بحثت عن أرخص الأطعمة العراقية. فتشت مطبخي. إنها لدي ما دام لدي بعض الأرز والزيت والسكر والقرفة. أدركت في أسوأ حالات اليأس والجوع أنني أستطيع لمس وجودها بلساني.. أنني أستطيع السباحة في ملوحة عرقها.
وحقا، كان مذاق حلوى (طحين الرز) يشبه مذاق جسدها لمَّا ينثني لذاكرتي.
طراوة جسدها تشبه عجين الأرز المطحون فوق فقاعات الزيت. رضابها الدافئ كالسكر المغلي مع القرفة وماء الورد.
حصلتُ عليها.
فما الذي ناله الزناة غير جهنم؟


05‏/02‏/2017

علم النفس التطوري: فضيحة في سوق تجاري



السلوك البشري معقد، وكذلك طريقة تفكير البشر. يستند علم النفس التطوري إلى نظرية تقول أن عقول الكائنات الحية تطورت بالتدريج وليس دفعة واحدة. فكما أن أجساد تلك الكائنات تشكَّلت ببطء وبحسب ما اقتضته ظروف بيئاتها والتكيفات التي واجهتها، كذلك عقولها -السلوك والعاطفة والتفكير- لم تتشكل في يوم أو يومين، بل تطورت على طول ملايين السنين محكومة بظروفٍ وتكيفاتٍ معينة. 
يبدو علم النفس التطوري سهلا وجميلا وأنيقا إذا ما اكتفينا بقراءته وفهمه في أوقات الفرغ. فأي شيء أكثر متعة من أن نعرف لماذا نحب ونتحالف ولماذا نكره ونتقاتل، لماذا يفرحنا أحيانا ما يحزن الآخرين ولماذا يحزننا أحيانا ما يحزنهم، لماذا نرغب في شخص بعينه من الجنس الآخر ولا نرغب في شخص غيره، لماذا نغار ولماذا نشك ولماذا تغضبنا بعض الأمور وتوصلنا إلى حد التهور. كل هذه الحالات والظواهر لم تكن مفهومة بشكل جيد قبل أن يبدأ تشارلز داروين ومن بعده من العلماء بمحاولة تفسيرها وفقا لمبادئ نظرية التطور. 
لكن السؤال هنا: إلى أي مدى يمكننا توظيف علم النفس التطوري في حياتنا الشخصية اليومية؟
في هذه التدوينة وتدوينات أخرى سأسرد بعض المواقف الحقيقية من حياتي بلغة علم النفس التطوري. 

دعوني أبدأ بأقرب الأحداث إلى ذاكرتي.
الساعة العاشرة مساء، في أحد الأسواق التجارية، كنت أنتظر اثنتين من قريباتي عند السلَّم المتحرك، لمحتهما آتيتين من الطابق السفلي، إحداهما كانت تحمل وردة حمراء في يسارها. وحينما وصلتا إلى الطابق الثاني كان يقف رجلٌ يرتدي ثوبا أبيض وغترة حمراء، كان يحمل جواله الموصول بأذنيه عبر سماعة، اقترب منهما وأنا أتابعه بحرص، تكلم مع التي تحمل الوردة وأنا أحاول سماعه، كنت باردا وهادئا جدا، بل كنت أستبعد أن يزعجني مثل هذا السلوك. 
عندما وصلت قريبتاي كانتا خائفتين، كنت أنا قد أهملت الموقف تماما وتهيأت لنسيانه، فما الغريب في أن يتقدم رجل من كوكب الأرض إلى امرأة من نفس الكوكب ويسألها عن أحد المحلات؟ أو يبدي إعجابه بكل تهذيب؟
كانت إحداهما خائفة جدا والأخرى لا تقل ارتباكا عنها، ناولتني الوردة قائلة: هذه هدية مني! بينما قالت الأخرى: آه، يكاد قلبي أن يتفجر من الرعب. نظرت إليه نظرة مهتاجة ثم قلت لهما: هل آذاكما بكلامه؟ قالتا: قليل الأدب كان يطلب أن يتصور معنا. في ذلك الوقت تماما، في غضون بضع ثوانٍ كاد قلبي أن يتفجر أنا الآخر، ولكن ليس من "الرعب" بل من شيء آخر كنت أجهله حينها.
ناولتها الوردة ومشيت نحوه، كان برفقة اثنين من الرجال صاعدين إلى الطابق الثالث، عرفتُ أنه رآني وأدرك أنني سأفعل شيئا. كان يتجنب النظر إلي وكنت أقول في نفسي: لا يستحق الأمر عراكا، لكنني سأهينه بالكلام.
ناديته بهدوء وقلت له: قل لي، هل تحب أن تتصور مع كل امرأة تحمل وردة في هذا السوق؟! فاحمرَّ وجهه وقال فورا: من؟ لا.. ما قصدك؟ كان رجل الأمن قريبا، سألني رجل الأمن: هل من مشكلة؟ فقلت: نعم، هذا الرجل اعتدى على عائلتي وأريد أن أقتص منه.
لم يتكلم الرجل، لكن أحد أصدقائه قال بلهجة عنيفة لرجل الأمن: وما شأنك؟ وأخذا يتضاربان. تراجعتُ أنا لأنني لم أرد أن أخوض عراكا جسديا وأتورط، فقط حافظت على هدوئي وكان شعورٌ غريب يسيطر علي، لا أدري ما هو بالضبط، لكنه كان مزيجا من الرضى والسخط.

تجمَّع رجال الأمن والمتسوقون وأصحاب المحلات، عدتُ إلى قريبتيَّ وطلبت منهما الابتعاد عن المشهد والاطمئنان علي، كنت أتوقع أن يتطفل أحد المتسوقين ويصور الحادثة وينشرها على مواقع التواصل.
في ذلك الوقت كنت أشاهد الجدل العالي بين رجال الأمن وأصدقاء الرجل. شعرت بالحماس، أردت أن أهينه أكثر، فدخلت إلى المشهد. سألني كبير رجال الأمن: ما الذين فعله بك هذا الرجل؟ فقلت بهدوء: لقد اعتدى على عائلتي ولن أتكلم معكم إلا في المكتب. وبينما أنا أتكلم معه، لمحت صاحب الثوب الأبيض يحاول الفرار فطلبت من رجال الأمن الإمساك به.
هبطنا إلى الطابق السفلي وكان المتسوقون يتجمعون حولي محاولين معرفة ما حدث، أخبرتهم بأنه تجاوز حدود الأدب مع عائلتي، فأيَّدني بعضهم بالمطالبة بالاقتصاص منه، أما بعضهم فحاولوا تهدئتي. بيد أني لم أكن غاضبا بقدر ما كنت مضطربا.

كنت أراجع نظريات علم النفس التطوري في ذهني، كنت أتذكر دراسات ديفيد باس وروبن دونبار وتوبي وكوسميديس، فأفكر في ما يدفعني إلى الغيرة والغضب وفي الوقت نفسه فيما يدفعني إلى البرود والهدوء. فوفقا لعلم النفس التطوري، كان ذلك الرجل معتديا مثيرا للرعب، وكان في الوقت نفسه رجلا يحاول الوصول إلى امرأة. كنت أرى الناس الذين تركوا أعمالهم وتجمعوا وأنا أدرك أن الأمر الوحيد الذي دفعهم إلى التجمهُر هو البحث عن النميمة/الثرثرة، هذا البحث الذي طالما ساعد أسلافنا على تحديد الشاذين عن الجماعة ونبذهم، بل طور من روابطهم الاجتماعية ولغتهم، فكم رجلا كان سيهتم لأمري ما لم يحدث الذي حدث؟ كان شعوري بالرجولة يتضخم وأنا أرفع بصري إلى قريبتيَّ في الطابق الثاني وهما تشعران بالأمان والحماية والخوف علي. كنت أنظر إلى الرجل الذى آذاهما وهو محاط بشتائم المتسوقين وأصوات رجال الأمن المرتفعة. كنت أنا الرجل المنتمي إلى الجماعة وكان هو الخارج عنها المنبوذ منها.

ذهبنا إلى مكتب الأمن في انتظار وصول شرطة المدينة. قال لي الرجل: ماذا فعلتُ لك؟ أستطيع أن أعطيك ما تريد لكن لا توصل الأمر إلى الشرطة. فأجبته بهدوء: لن أتكلم حتى تصل الشرطة. وحينما أثقل علي بالكلام أحببت أن أكسب المزيد من تشجيع الآخرين فسألتهم: هل بينكم أحد يرضى أن تتعرض أخته أو أمه للإهانة؟ فأجابوا جميعا وبغضب: لا! فكسبتُ تأييدهم وخسر هو كل ما يمكن أن يخرجه من قبضتي.

تأملوا إجماع الجميع على قول "لا". إن هذا لا يعود إلى تربيتهم أو ديانتهم أو ثقافتهم بقدر ما يعود إلى سيكولوجيتهم/نفسيتهم التي تشكَّلت عبر تاريخ تطوري طويل لتتكيف مع مثل هذه المشكلات. إن الذين قالوا بصوت واحد "لا" كان يمكن أن يقولوا "نعم" لو أنهم في حفل زواج مرتَّب بين رجل متميز وامرأة عفيفة. ما الذي غير رأيهم؟ إنها الكُلفة التطورية. فإذا حسبنا هذه الحادثة تفاضليا وتكامليا فإن منفعة الرجل -إذا قبلت قريبتي بالتصور معه وأعطته رقمها- ستكون كُلفة في حُسباني. كيف؟

أولا، كان من الواضح أن الرجل لم يكن جادا ومخلصا في طلبه، وهذا يعني أنه أراد علاقة قصيرة المدى وليس علاقة طويلة المدى (الزواج). ثانيا، كونه غير جاد أو مخلص كان من الممكن أن يعود على قريبتي بتكاليف وخسارات عدة: قد يصل إليها جنسيا ويذهب إلى غيرها مدفوعا برغبته في التكاثر بأدنى التكاليف، وستخسر هي تسعة أشهر من حياتها في التعب والألم والخوف ثم ستقضي عمرا لا بأس به في تربية طفل بلا أب. ثالثا، من الممكن أن الرجل كان يريد قريبتيَّ له ولأصدقائه، وهذا التحالف ضد قريبتي كان يعني لي أنهما أعداء يجب التخلص منهم، فمن يدري هل يبتزُّونهما أو يقتلونهما أو يخطفونهما؟ كل هذه الاحتمالات التي خطرت ببالي فيما بعد كانت خسائر بالنسبة لي ولأسرتي ولكامل مجتمعي. رابعا، كان الرجل يمثل تهديدا صريحا لسمعتي وسمعة قريبتيَّ، هذا التهديد الذي ستترتب عليه خسارات أكثر، فقد لا يرغب أحد في الزواج من عائلتي ذات السمعة السيئة، وقد لا يرغب أحد في الاستثمار الاقتصادي معها، وقد لا يرغب أحد في التعامل معها بأي شكل من أشكال المعاملة الحسنة التكافلية الاجتماعية، أي قد تُنبَذ عائلتي من المجتمع كله بفعل رجل متهور يبحث عن لذة مؤقتة.

وصلت الشرطة. طلب مني الشرطي إحضار بطاقتي الشخصية وسألني إن كنت مصرا على إيصال الأمر إلى الشرطة أو التنازل وحل المشكلة بالتراضي. كنت أعلم أنني لن أوصل الأمر إلى الجهات الجنائية والقضائية حرصا على سمعة قريبتيّ. فلا أحد يدري كيف سينظر إليهما المجتمع بعدما يعرف أنهما استُجوِبتا في المحاكم لأجل قضية جنسية! لكنني افتعلتُ الإصرار لأرضي نفسي بالمزيد من إهانة ذلك الرجل.
أخذتُ قريبتيَّ بالسيارة وذهبنا إلى مركز الشرطة. كنت أشعر بالانتصار. التفتُّ إليهما وهما لم تزالا خائفتين من عواقب إصراري، وأشرتُ إلى الرجل ضاحكا وهو مقيَّد في سيارة الشرطة ومحاطٌ بكل الذل والصغار. طمأنتهما بأن الأمر سيبقى سرا بيننا وبأنني سأتنازل لكن بعد إرهاقه. سألتهما ونحن في الطريق إلى قسم شرطة المدينة: ما كان شعوركما وهو يطلب منكما التصور معكما؟ قالت إحداهما: كنت خائفة، وأردت أن أناديك. وقالت الأخرى: كنت أرى أنه غبي وحقير وودت أن أضربه وأدفع به إلى الطابق السفلي. ولا عجب أن التي فكرت في العنف كانت هي التي ستتحمل أكثر التكاليف، أي صاحبة الوردة التي تكلم معها مباشرة.

وصلنا إلى قسم الشرطة. اختلا الضابط بكل منا وعرف منه تفاصيل القضية، ثم جمعنا وسألني إن كنت لم أزل مصرا على رفع الأمر إلى الجهات الأعلى فأجبت بالإيجاب. عندها أدرك الرجل خسائره الشخصية مقابل منفعته المحتملة. فمن جهته هو كان سيُعاقب جسديا بالسجن وماديا بدفع الغرامة المالية ومعنويا بسوء السمعة. وإذا افترضنا أن ادّعاء أصدقائه بأنه "متزوِّج" صحيح فقد يخسر عائلته وطفلتيه. عندما أدرك كل هذا -ولو على مستوى اللاوعي- خرَّ ذليلا وطلب مني أن أسامحه. قال: أرجوك يا أخي، نحن مسلمون وأبناء عمومة وأنا وأصدقائي ضيوف عندكم فلا تورطني.
ولعلكم تلاحظون سيكولوجيا اعتذاره هنا، فهو يناديني بالأخ، ويذكرني بالانتماء الثقافي والعرقي وواجب الضيافة. لقد كان الأحمقُ يستعمل علم النفس التطوري بطريقة أفضل مني!
سامحته أخيرا بعدما طلبت أن يكتب إقرارا بخط يده وبصمة إبهامه، ثم عدت إلى عائلتي وسط موكب من الشكر والدعوات من أصدقائه الذين كانوا قد صاروا ثمانية.

في النهاية، لم أكن راضيا على افتعال كل تلك المشكلات تماما. فأنا رجل ناضج وأعرف أن من الطبيعي جدا أن يبحث الرجل عن علاقات جنسية طويلة المدى كانت أم قصيرة. وأعرف أيضا أنني كنت أستطيع إهمال موقفه والتغاضي عنه بدون أن يحدث شيء مما ذكرتُ لي ولعائلتي. لكنني كنت مدفوعا بغريزة أقوى مني... غريزة أطول عمرا بكثير من الحضارة وتعقيدات نمط الحياة العصري الذي نعيشه، غريزة لم تتركني مقيد اليدين بل هيَّجتني وأصابتني بسُعار غريب. وإذا نظرنا إلى الحادثة من جهتي، أي إذا كنت أنا المتورط وهو المطالب بحقه، فأنا لم أكن لأرضى بأن أُهان كل تلك الإهانة وأصاب بكل ذلك الرعب، لكن الفارق ربما يكمن في طريقة الطلب. فهل من التهذيب أن يقحم رجل نفسه بين امرأتين لا علاقة له بهما بتلك الطريقة؟ أما لو رجَّحنا رغبته في علاقة قصيرة المدى فالسوق التجاري ليس مكانها الصحيح، بل بيوت الدعارة وبائعات الهوى.

01‏/11‏/2016

قبلة الكمان




صُول ،
صوت الكمان أقرب إلى صوتي. 

عندما أمنحها كتفي تمنحني كل جسدها. 
العلاقة بالكمان دائما قُبلة. قُبلة الكمان لا تعرف الكتمان. 
المعزوفة معركة. معركةُ احتكاك. 
أشبه بفعل الحُب. 
للكمان قوس مصنوع من ذيل الحصان، وأوتار مصنوعة من الحرير. 
معركة. 
صوت صهيل. 
تركض العادياتُ ضبحا، وتعزفُ نَوْحا.

رِي ،
نوتة البداية.
أعتقد أننا جئنا إلى الحياة بمجموعة فريدة من الجينات والنوتات.
نوتتي تبدأ بالـ ري. 

على مقام الصَّبا.
أستطيع أن أصنع من حلقي آلة كمان إذا وضعت يدي على هذه الدرجة من السلم كل مرة.
لاحظتُ مرارا أن الكمان هي الآلة الأقرب إلى الحنجرة.

لا ،
تانغو الحرية - بيازوللا
"لا" هي التصوير الأدق لزوجين يستعدَّان للرقص.
أنطقُ" لا" فتنفلت لساني من حنكي الأعلى، تضرب في أسفل الفم بشهوة.
ينحبس الهواء كسائل العطر حبيسِ القنِّينة.
حَبس، حُرية.
عندما يقفز الخيل، يبقى عالقا في الهواء، ترتاح خيوط الحرير قليلا،
تتنفس قليلا،
وتمسح العازفة عرقها.

مي ،
أفهم الآن لماذا يحلق بي صوت الكمان أعلى من صوت أية آلة أخرى،
تُصنع الكمان الجيدة من خشب الصنوبر.
في صوت الكمان اعتراضات دفينة، حنين اللحاء إلى دفء القشرة 

وحنين الجذع إلى ملوحة الجذور.
أنا والكمان أبناء عمومة في الحقيقة.
لذا أشعر بهذا الانتماء والإدراك عندما أتوسَّده.

لوحات حاتم



أكتب أحيانا لأجل الصورة، ألملم الحروف وعلامات التنوين لأعبر عن انفعالاتي وأربطها بصورة أحببتها. أكتب عن الليل، مثلا، لأستعير لوحة من فان جوخ، وعن الجسور لأستدعي لوحات مونيه، وعن غموض الملامح لأبحث عن صورة مناسبة لرينيه ماغريت. لكنني الليلة سأعلِّق الصور على ظهري المكشوف لأكتب. لأنني حقا أشعر بجفاء الإلهام.


حاتم هو صديقي في الكلية، يشاركني دراسة الطب ومقترحات الكتب الفكرية وبعض الجَدَل. عرفته منذ أكثر من ثلاث سنوات أنيقا وهادئا ومتحمسا لأفكاره. أعجبني فيه اطِّلاعه الواسع وتقديره للفنون وتميُّزه في النظرة إلى الأشياء حوله. إذا واجهتم صعوبة في تخيُّله فاستذكروا (خواكين فينيكس) بطل فيلم (Her) الذي ظل يبحث عن عالم آخر يتواصل معه حينما لم يكفه كل العالم الطبيعي. 
قبل عدة أسابيع، فاجأني بأسماء جديدة في عالمه: "الوجه الآخر للقمر"، "هذه هي توليبي". فصُعِقت. لم أكن أتوقع أن يتجه حاتم إلى الرسم. يجوز أن يذوب في حياة اللوحات والرسامين ليشبع أعصابه بالألوان والفراشات والجبال، لكن أن يصير رساما فجأة؟ هذا ما حدث. أرسل إليَّ مجموعة من اللوحات الجديدة مرفقة بمجموعة من أغاني فرقة الروك الشهيرة (Pink Ployd). 

"هذه هي توليبي" لوحة بسيطة، حيث تتوسَّط زهرة توليب مساحة هادئة من لونٍ بارد لم أجد له اسما في ذاكرتي. يمزج حاتم في هذه اللوحة بين الصمت والكلام، بين التجريد والتفصيل. يمكن اعتبار "هذه هي توليبي" لوحة شخصية لنبرر العجز عن الخوض أكثر في أسرارها. لكننا لن نتجاهل سحرها. عندما رأيتها خطرت ببالي فكرة: لم لا يتوقف الناس عن تأليف الكتب ويختصرون كل شيء في غلاف جميل؟ ربما تكون الفكرة أشد غموضا! 


آمنتُ دائما بقوة الفن ليس على إنعاشِ أيامنا الخاملة فحسب، بل على إيجاد معنى فريد لحياةٍ واحدة لا آخر لها. قطع الإنسان، ولم يزل يقطع، أشواطا كبيرة من وجوده على هذه الأرض فنَّانا. أصبح البشر فنانين قبل أن يكونوا فلاسفة وعلماء وقتلة. رسموا قبل أن يكتبوا، صمتوا طويلا قبل أن يستطيعوا الثرثرة. يعيش الفنان في سلام مع نفسه. سلام وجودي على الأقل. قد يكون كئيبا أو فقيرا أو متشرِّدا لكنه لن يشعر بأن ذاتَه خذلته أو أنه يخذل ذاته. كيف وهو ينام على مرتاحا على لوحاته أو كتبه أو أغانيه أو منحوتاته كما ينام نبيٌّ على جبال من الحسنات؟ 


إن النبيَّ والفنان يدعوان لنفس النوع من الأفكار: تلك الأفكار التي تعينك على مسالمة الوجود وتضمن لك الخلود. إنهما يتحرَّقان لأن يدرك الناس ما يدور في ذهنيهما. ينتظران الوحي قليلا أو طويلا ثم يجيء ويريح جسديهما الكادحين. يسهر النبي راكعا لأنه أدرك أن الحياة يجب أن تكون أطول من الزمن، لأنه يدرك ويعلِّم الناس أن تدرك أن الذوات العظيمة الصبورة الواسعة يجب أن تفوز بالخلود. ويسهر الفنَّان لأنه يدرك أن كيانه الروحي: أفكاره، انفعالاته، حاجاته، احتجاجاته، ظلامه، نوره يجب ألا يندثر لحظة الموت. الموتُ يرعبُ الفنان ويُفرح النبي. لا يريد الفنان أن ينتهي في لحظة واحدة "كما يموت البعير". يريد الفنان أن تشعر به الأجيال القادمة.. أن تتصفَّحه وتسمعه وتتأمله وتلمسه وتشمَّه ما دامت الحياة. 



لم يسمِّ حاتم كل لوحاته. لم يوقِّع أسفلها. وربما ينتبه إلى هذه الخطوات المهمة لاحقا. فالتاريخ لا يرحم الأشياء الثمينة المجهولة. والتخمين موهبة بشرية قديمة. قد تفتنني الأوديسَّة لكنني لا أرتاح لخلاف العلماء حول كاتبها. أحب أن أضع يدي على توقيع (بيكاسو) البسيط. الاسم يعطي العملَ الفني كينونة. الطبيعة تُبدعُ كل يوم أجمل الأعمال: ندف الغيم وسراب الصحراء وأنين الرياح في الغاب، لكننا لا نستطيع فهمها ككينونة تنفعل وفق فلسفة مفهومة. قد نرى الكينونة في الطبيعة لكنها كينونة غير ثابتة وغير مستقلَّة، تفتقر إلى أبسط مبادئ التواصل. نستطيع بناء صومعة بسيطة فوق تلَّة بعيدة لفهم كينونة الطبيعة، لكن من ذا يرغب في بناء صومعة على لوحة؟ 


لا معنى للجبال ذات القمم المدببة التي يكسوها الضباب حيثُ يعيش حاتم. لا معنى لهذه الصورة بالنسبة لعينيه، لكن قد تجدون المعنى هناك... ربما في تلافيف دماغه التي التقطت هذه الصورة في بداية فيلم أو في ألبوم صور قديم أو في حلم. هذه اللوحة طقس متحرِّك يكاد يزيد برودة أو يقل. أكاد أرتعش من الخشوع والصقيع. أكاد أبحث عن شمس تبتلعني. يعيش حاتم في نفس مدينتي، لذا أدركُ تماما حاجته اللاواعية في التلحُّف بجبلين باردين والشعور بألم مفاصل طبيعي ولو مرة واحدة. سأتدخَّل هذه المرة وأسمِّي هذه اللوحة "الحاجة إلى برد". وأرجو أن تلاحظوا توقيع (H2) أسفل اليمين. قد يكون لهذا الحرف علاقة باسمه، أو إذا شئنا الذهاب بعيدا، بعنصر الهيليوم. عنصرُ النجوم والبدايات والانفجار العظيم! 


أول انطباع شعرت به تجاه هذه اللوحة هو أنها تجسِّد الوحشة. قرصٌ ذهبي يضمُّ زهرة بيضاء وفراشة. تبدو الفراشة جامدة محنَّطة ممنوعة من الحركة برغم إغراء الرحيق والنور. في مركز القرص ثمة ثقب صغير. قد نسمعُ صُراخا إذا وضعنا هذا القرص في جهاز فونوغراف؟ ربما أراد الفنان أن يُسمعنا صوت اعتراضات الفراشة ورفضها لهذه الوحشة. أو ربما أراد المزج بين عناصر الطبيعة وعناصر الصناعة ليصدمنا بحقيقة عدم انسجامهما. هذه اللوحة سجن. أنا أحترم الفراشات وطريقة حياتها. لذا يزعجني حبسها. لكن ماذا لو كان حاتم يريد أن يصور لنا فراشةً تؤدي عرضًا حركيا على خشبة مسرح؟ ما المانع؟ هذه البقعة المركَّزة من الضوء تشبه الأضواء التي تطارد الراقصين والممثلين الصامتين. والفراشة لم تبدأ الرقص بعد. 





* للتواصل مع حاتم على تويتر: Z_AXIZ@


16‏/10‏/2016

كيف تقرأ ورقة علمية (بالتفصيل)؟



قد يواجه بعض المهتمين بالعلوم صعوبات في قراءة البحوث والدراسات العلمية. الأمر ليس معقدا جدا. المهم أن تكون لغتك الإنجليزية جيدة. في هذا الفيديو الذي أعدَّه موقع العلوم الحقيقية، ستجد تفصيلا بسيطا لكل أجزاء الورقة العلمية وطريقة التعامل مع كل جزء حسب الأهمية ونوع المعلومات التي يحتويها. 

للحصول على نسخة مكتوبة
http://real-sciences.com/?p=9163


13‏/10‏/2016

رائحة التمر



إلى هِداية،

نُشُوز.. نُشُوز. نَشَزَتْ عظامي مني إليك. 
أنا هنا كتمثال مدفون. تصوَّري كم أنا عاجز عن الحس والحركة. 
كل قطعة مني انسحقت هنا وذَرَتها قوَّة غامضةٌ إلى غرفة نومك. 
لكن برغم هوْل القوة ووحشيَّتها لم يتزحزح عقلي من مكانه. 
فأيُّ جمودٍ أنا فيه؟! 
أن يكون لديكِ كُلِّي وفي الوقت نفسه أستطيع أن أعيَ مكاني الوحيد وفقاعات الفراغ المحيطة بي. 

أشتهي أن أتجاوزَ ذاتي. 
جربتُ أن أدورَ حولي كالصوفيين لكنني كنت ضعيف الإيمان. 
مدَّدتُ أطرافي ورأيتُها أطولَ، لكنها لما تجاوزت مجالَ رؤيتي لم تعد أطرافي. 
أتمنى لو أستطيع أن أؤدي طقسا أو أكذوبةً أو أهمهم وأغمغم فأنسى ذاتي قليلا وأهوي إليك. 

حينما أدركتُ أنني أحبك تخيَّلتُ رائحتك. 
كيف يتخيَّل المرء رائحة؟ 
كنتِ تقولين إن رائحتك يقطين، خوخ، زنجبيل، جوز. 
لكنني شممتُكِ دائما فكنتِ أقرب إلى التمر. إلى التمر المجفف أكثر. 
صنعتُ من انعدام الرائحة شيئا ألمسه بيديَّ القصيرتين. 
وفي كل مرة أقبض قبضة من التمر وأقرِّبها من وجهي أشعرُ بك. 

اعتاد إنسانُ الصحراء، وأنا ذلك الإنسان، أن يخلُق ما لا يجد وما لا يطال وما لا يفهم. 
يخلق الجنَّ والماء والأبطال الخرافيين بأجنحتهم العملاقة وتحمُّلهم لحرارة النار والأعمال الشاقة. 
ماذا يفعل إنسان الصحراء عندما يحبُّ أو يتخيَّلُ حبيبة؟ 
لذا على شبهِك خلقتُ عصافير بيضاء تحملني إليك بقدر ما أحملها في جيوب ملابسي وذاكرتي. 
أنا إنسان الصحراء حيث يُزرع الأنبياء وأنت إنسانة الجبل حيث تتكلم الآلهة. 

يا جسد التمر الذي بلا رائحة، يا جسد الغياب، يا جسد الحنين والاختناق، 
طعمُ التراب يحجبُ صوتي، وأنا مكبَّلٌ في واقعٍ سيءِ الملمس. 
ما هي احتمالات أن تنشز عظامي وتنسحق عند سريرِ نومك؟ 
سألغي عقلي وأنام. 


05‏/10‏/2016

المبتسمون على حبال الموت



في ذلك اليوم المشهود اجتمع كل الناس ليمتعوا أنفسهم بمشاهد الموت. خرج الرجال والنساء والأطفال متجردين من همومهم ومخاوفهم، غير مبالين بمظاهرهم، حفاة، فارغي البطون، يحدوهم إلى ساحة الموت شعورٌ دفينٌ بالتجدُّد والخلود وحاجة إلى خوفٍ حقيقي ينسيهم أوهامهم. 

انتصب قاضي القرية بثبات ووزَّع وجهه بين الحشود وقال: يا أيها الناس، إن هؤلاء الثلاثة مجرمون بموجب دستورنا العادل والحكيم. فالأول يتبع دينا غير دين آبائنا وأجدادنا، والثاني لا يتبع دينا ولا يؤمن بإله، والثالث ما عرفنا له حقيقة، فلا هو بالمتدين ولا هو بالكافر. فوجب التخلُّص من أفكارهم الفاسدة وأرواحهم الملوَّثة. وكما تعارف الناس الذين هم منا ونحن منهم سيُشنقون بعد إتمام الطقوس المحترمة التي لا نفرط فيها.
وكانت عادة أهل هذه القرية أن يستمعوا إلى الكلمات الأخيرة التي يقولها المحكوم عليهم بالموت ثم يودعوهم قائلين بصوت واحد: الوداع واللعنة.. الوداع واللعنة. كنوع من الانتقام مع حفظ الجميل. 


بدأ القاضي بالمجرم الأول، فأشار إليه بأن يبدأ خطبته ويوجز، فقال مبتسما: ما عساكم آخذين مني؟ جسدي المتعب الفاني؟ خذوه هنيئا لكم، فإن روحي صاعدة إلى الحقيقة التي اخترت أن أعبدها، ولو كانت مختلفة كل الاختلاف عن الحقيقة التي ورثتموها. عودوا إلى دياركم أيها الرجال، وعدن إلى دياركن أيتها النساء، فإنني عائدٌ إلى ربي. 

وسُحِب الكرسي من تحت رجليه المرتعشتين، فهلل الجميع: الوداع واللعنة.. الوداع واللعنة. 

ثم أشار القاضي إلى المجرم الثاني، فقال مبتسما: ما بال أقوام يقتلون العقول التي تفكِّر عنهم؟ سحقا للجهل الذي أنتم فيه! لو تركتموني في مختبري وتجاربي وأبحاثي لما آذيت ذبابة ترفرف حول أجسادكم النتنة. 

وسُحِب الكرسي من تحت رجليه المرتعشتين، فهلل الجميع: الوداع واللعنة.. الوداع واللعنة. 

ثم أشار القاضي إلى المجرم الثالث، فقال مبتسما: إنني أنا الفنان، وهذه جريمتي. ما هو الموت الذي جئتم للتلذذ بصوته ورائحته؟ إنه لا شيء. هل تتصورون أن حبلكم هذا الذي يلتف حول رقبتي سيُلغيني؟ كلا. أنا آسفٌ عليكم، وآسف على صديقيَّ اللذين بردت أنفاسهما منذ لحظات، فكلكم لم تفهموا الموت كما فهمته. إن الحياة امتداد أيها الحمقى.. إنها امتداد واستمرارية. إنكم جميعا في مرحلة الوجود المادي، تأكلون وتنامون وتتكاثرون وتلعنون الموتى، فأين ستكونون بعد عام أو عامين أيها الشيوخ القذرون؟ وأين ستكُنَّ بعد عام أو عامين أيتها العجائز القذرات؟ وأين ستكونون بعد ستين أو سبعين سنة أيها الأطفال المساكين؟ في اللاشيء، ينتظركم دود المقابر وظلامها، تنتظركم لعنات الناس من بعدكم.
أما أنا، حتى لو كنت سبب جدلكم وأرقكم وآلام رؤوسكم، فإنني خالد فوقكم، معكم وبعدكم، في عقول شبابكم المتمردين وفي عقول أبناء شبابكم. إنني لا أخاف الموت الذي تخافون، فما هو إلا نهاية سيئة لقصة الرعب التي حُكيَت لكم. فأخبروني إن شئتم كيف يشعر الميت بموته؟ وكيف يتحسس آثار الطعنات على جسده؟ وكيف يبحث عن أطرافه المشوهة أو المسروقة؟ وكيف يسمع اللعنات والصلوات؟
ما الموت إلا نوم طويل، أخرج فيه كالحلم وأزعجكم بأفكاري، أكون حلم فتياتكم وقدوة صبيانكم، وأكون فيه صوت الناي في أغصان حقولكم، ووقع الرقص في ساحات أعراسكم، أخرجُ، أعيدُ تشكيل ذاتي، أتجدد، أنمو، أكبر كأسطورة، أستمر، أخلُد. فعودوا إلى دياركم إني معكم وبعدكم. 

وسُحِب الكرسي من تحت رجليه المرتعشتين، فنظر الناس إلى بعضهم، ثم هللوا: اللعنة، اللعنة، اللعنة. 


01‏/10‏/2016

دعوة لإعادة النظر إلى الحياة



الحياة بكل بساطة
البقاء، التكاثر. هاتان الكلمتان هما الأهم في قاموس الحياة. البقاء هو الاستمرارية التي ينجزها التكاثر. يحدث كل شيء في الطبيعة. بلا سبب وبلا غاية. لا معنى للحياة الشخصية. ومن ثم لا معنى للمتعة، اللذة، الحرية، الاستقلال... فكل هذه مجرد منتجات ثانوية للنمو الاستثنائي لقدراتنا المعرفية. الحبُّ هو وسيلةُ التكاثر لتحقيق البقاء. والبقاء ليس قوة أو إنجازا نُريدُه أو نحققه، بل هو، بكل بساطة، الذريَّة. لكن الذرية في ذاتها ليست غاية. فلا أحد يفهم لم عليهِ أن يحصل على أطفال. حتى صفاتنا التي تنتقل إلى الأجيال الأخرى لن تبقى صفاتنا. الصفة لا تدرك ذاتها.

الحياة بكل تعقيد
الحياة مفهوم شديد التعقيد. نستطيع أن نؤلف ونرسم ونغني ونهذي آلاف السنين في فلسفات الحياة. لكنها تبقى محصورة في شكلها الأكثر بدائية: أزواج وأطفال. كان البشر في القديم البعيد يمارسون حياتهم بفارقٍ بسيط عن الحيوانات الأخرى: الوعي. تكاثرت الأجيال مدفوعةً بسيكولوجيا الحب والخوف، ثم تضخَّم الوعي فجأة! فجأة بلا هدفٍ واضح. وبينما بقيت الكائنات الأخرى ترتع وتعاني في أبسط أشكال الحياة، صرنا نحن البشر أكثر تعقيدا بشكل غير معقول. أدمغتنا كبرت واستهلكت نسبة كبيرة من طاقتنا الحيوية، واتَّجهنا نحو نوع آخر من الحياة: الحضارة.
لقد كان لدينا، بلا شك، الاستعداد للتطور بسرعة نسبية واختراق الطبيعة. أدركنا رعشة الحب وجرَّدناه من طبيعته النفعية، فابتكرنا العشق والهُيام وسهر الليالي. وجرَّدنا الخوف من طبيعته الوقائية، وابتكرنا الشجاعة والحرية وكوَّنَّا التحالفات وهاجمنا الأعداء وأطلنا الحروب ودمَّرنا البيئة.

الخلود.. الانقراض
لا تعرف الحيتان معنى الحب، لكنها تملك الهرمونات التي تؤدي وظيفة التكاثر. لم تنقرض الحيتان. أما نحن البشر فهوينا في دوَّامة غامضة اسمها الوعي، وتهنا تيها حقيقيا قد آن الأوان لإعادة النظرإليه. إننا نبتعد يوما بعد يوم عن البساطة متجهين إلى التعقيد. نتوقف عن التفكير في العائلة والمجتمع ونفكر في أنفسنا وفي أشياء أخرى أقل أهمية. بل في أشياء غير ممكنة كالخلود أو عبور بوابات الزمن (غير ممكنة على الأقل في الوقت الحالي). فهل هذا هو الوقت الأنسب للاعتراف بقلة أهمية الوجود الذاتي؟ وإعادة الأولوية إلى الوجود الجمعي الكائن في الذرية والمجتمع؟

الأفكار بدلا من الأطفال؟
لا فائدة حيوية من الغرق في التفكير، وعشر سنوات لتأليف رواية أقل بكثير من عشر دقائق للمعاشرة. الأمران سيَّان في العبثية والغموض. لكن هناك مقدِّمات نفسية وجسدية للثاني أكثر من الأول. أي نحن ندرك ونشعر بالفائدة المباشرة من المعاشرة: اللذة، الفائدة طويلة المدى: الذرية. لكن من ذا الذي يعلم ما هي فائدة كتابة رواية في عشر سنوات؟ ربما تكون الأفكار شكلا آخر للذرية؟!

أمراضٌ حضارية، انتحارٌ حضاري
نظرةٌ سريعة إلى قائمة الأمراض العشرة الأولى المسببة للوفاة عالميا تكفي لإقناعنا بإعادة النظر إلى معنى الحياة الذي أنتجته الحضارة. أمراض القلب والأوعية الدموية، أمراض الجهاز التنفسي، السُّكري... الانتحار.
إنهاءُ الحياة هو نتيجة منطقية لعدم القدرة على فهمها أو موازنتها. في 2013، ذكر 8.3 مليون شخص بالغ حول العالم أنهم فكَّروا في الانتحار السنة الماضية (2012). من هؤلاء، مليون شخص حاولوا الانتحار فعلا، وبين كل 25 محاولة انتحار تنجح واحدة! لم الانتحار؟ مع أن الانتحار يتعارض مع المعنى الجوهري للحياة وهو البقاء الشخصي بما يكفي للوصول إلى سن التكاثر وإنجاب الذرية ورعايتها حتى تصل إلى سن التكاثر، ينتحر الناس عندما يعجزون عن مواصلة الحياة، أي عندما تكون الحياة عبئا في ظلال الاكتئاب والإديولوجيا والفقر. ولن أتكلم عن القتل والحروب هنا.
ما أقصده هو أننا نملك من الوعي ما يتعدَّى متطلبات الحياة بمراحل. هذا الوعي الحديثُ نسبيا لم يتحصّل بعدُ على الركائز السيكولوجية والفسيولوجية الكافية. نحن نثرثر هنا وهناك ونبتعد أكثر وأكثر عن جوهر الحياة. لدينا في أدمغتنا مراكز للمكافأة. تنشط هذه المراكز عندما نتمكن من إيجاد شريكٍ مناسب أو عندما نحصل على مولود لطيف. وتنشط أيضا عندما ننهي ورقة علمية في فيزياء الكم. لكن شعورنا بالراحة في المقابل لا يعني أننا نسيرُ في الاتجاه الصحيح من الطبيعة، فالحصول على مولود أهم بكثير من معرفة أشكال الكوارك!

لم أقصد التنظير ضد العلوم والمعارف في هذا المقال. كل ما قصدته هو الدعوة إلى نظرة تحليلية شاملة للحياة ككل. فقد يكون ثقل الوعي هو سبب انعدام توازننا. وقد نستطيع إذا ما عدنا إلى أساسيات الحياة أن نقلل نسب الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية التي تغلغلت فينا بعدما تركنا الطبيعة إلى الصناعة.


يتم التشغيل بواسطة Blogger.