02‏/08‏/2016

عندما يصير لون شعرنا أبيض



إلى هداية،

أكتب إليكِ هذه الرسالة وأنشرها. أعلم أنني بنشرها قد أزعجك، فقد ترين أن حميمية الرسالة ستضيع في عوالم أخرى غير عالمنا. لكنني أنشرها لأنني أكسبها قيمة أكبر من لذة الحميمية.
قلتُ اليوم لأمي: "إنني لو عشتُ عمري كله في غرفة مظلمة لما احتجتُ إلى غير الماء والطعام لئلا أموت". فجأة قلتُ عبارتي الغريبة التي آذت مشاعرها. شعرتُ بالارتياح عندما انتهيت، وكأنني فرغت من قراءة ذاتي كاملة. لكنني احتجتُ إلى تعقيب، فقلت: "أنا ممتلئ، أنا أملأ نفسي بنفسي". فبدت على وجهها علامات الارتياح الممتزج بالارتياب.
تذكَّرتُ حديثنا منذ أيام. عمَّ كنا نتحدث يا حبيبتي؟ نعم، عن اللقاء. كنتِ تتمنين أن نلتقي قريبا. أدركت أنني المسؤول عن كل تلك الحواجز التي اعترضت يديك في طريقهما إليَّ. كنت مغرورا عندما تصوَّرتُ أنك آتية، وأنني وِجهتك. لم أضع أمنيتي إلى جانب أمنيتك فرحتُ أتفنن في المواساة قائلا: "سنلتقي قبل أن نموت، إذا عشتِ إلى السبعين فسوف نلتقي، سنلتقي حتى بعد مئات الأعوام". ضحكتِ حينها وأكَّدتِ لي صحة كلامي.
تحدثنا عن الحرب، ضغطنا كتب التاريخ كلها في دقيقتين وتوصلنا إلى أن ما تبقى من أعمارنا الافتراضية يمنحنا بعض الأمل في انتهاء الحرب، ثم لقائنا. "أنا لا أريدكِ في زينة شبابك على أية حال، أريدك حتى لو كنتِ عجوزا" قلتُ لمعابثةِ وجهك الذي أظنُّ أنه انكمش حينها. فقلتِ، وشعرتُ بأنك أصدق مني: "ستكونُ أروعَ في نهاية العمر". وانقطعَ الاتصال!

لويتُ في مكاني مرارا، نظرتُ إلى القاع وكنتُ في مكان شاهق. النظرُ إلى الأسفل أكسبني شجاعة انتظارك. وكم كنتُ بارعًا في المواساة حين قلتُ مرة أخرى: "لن تستمر هذه الحرب إلا ما يكفي لتغيير لون شعرنا، ما رأيك أن نلتقي عندما يصير لون شعرنا أبيض". ضحِكْتِ يا حلوة الضحكة، وأحسستُ اهتزاز نهديك.
لكننا لن نعوِّل على أجسادنا أكثر، صحيح؟ نحن كاتبان يا زوجة الروح. نحن لبلابتانِ راسختان في الوجود. نكتب على أجسادنا الجميلة حياتنا ثم نتساقط. نكون بعد السقوط الظاهري أعمقَ معنى وأشد تأثيرا. قد يكتب على جذعينا عاشقان بعد آلاف السنين، أو قد يحيلنا نحَّاتٌ ماهرٌ إلى تمثالين أبديين، أو قد نصيرُ أبوابا ونوافذ يعبُرها الناس ليصيروا لبلابات، وينتصر جمال الأرواح على جمال الأجساد. نحن قويَّان يا زوجة الروح، أو كما يقول كازانتزاكيس: "دمنا مرجانٌ أحمر، ونحن نبني جزيرة فوق الهاوية."

فاضحكي.. لينمو الياسمين من جديد حول غمَّازتيك. أنا من سيجعل ضحكتك أشهى من ضحكات كل الإناث. سأكوِّرها بين يدي وسأنفخ فيها بقوة رئتيَّ الشَّابتين لتصيرشيئا يعيد خلق نفسه من جديد كل مرة. وكذا ستفعلين أنتِ بضحكاتي ودموعي وعَرَقي وشعري المتساقط وأظافري، اتفقنا؟

أنهي الرسالة شاعرا بالنشوة. بقيت هذه السطور تطعنني يوما كاملا. والآن أنشرها لأنصِّب نفسي معلما للآخرين، لأعلمهم كيف يحبون وجودهم إلى الأبد.



0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.