‏إظهار الرسائل ذات التسميات علوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علوم. إظهار كافة الرسائل

05‏/02‏/2017

علم النفس التطوري: فضيحة في سوق تجاري



السلوك البشري معقد، وكذلك طريقة تفكير البشر. يستند علم النفس التطوري إلى نظرية تقول أن عقول الكائنات الحية تطورت بالتدريج وليس دفعة واحدة. فكما أن أجساد تلك الكائنات تشكَّلت ببطء وبحسب ما اقتضته ظروف بيئاتها والتكيفات التي واجهتها، كذلك عقولها -السلوك والعاطفة والتفكير- لم تتشكل في يوم أو يومين، بل تطورت على طول ملايين السنين محكومة بظروفٍ وتكيفاتٍ معينة. 
يبدو علم النفس التطوري سهلا وجميلا وأنيقا إذا ما اكتفينا بقراءته وفهمه في أوقات الفرغ. فأي شيء أكثر متعة من أن نعرف لماذا نحب ونتحالف ولماذا نكره ونتقاتل، لماذا يفرحنا أحيانا ما يحزن الآخرين ولماذا يحزننا أحيانا ما يحزنهم، لماذا نرغب في شخص بعينه من الجنس الآخر ولا نرغب في شخص غيره، لماذا نغار ولماذا نشك ولماذا تغضبنا بعض الأمور وتوصلنا إلى حد التهور. كل هذه الحالات والظواهر لم تكن مفهومة بشكل جيد قبل أن يبدأ تشارلز داروين ومن بعده من العلماء بمحاولة تفسيرها وفقا لمبادئ نظرية التطور. 
لكن السؤال هنا: إلى أي مدى يمكننا توظيف علم النفس التطوري في حياتنا الشخصية اليومية؟
في هذه التدوينة وتدوينات أخرى سأسرد بعض المواقف الحقيقية من حياتي بلغة علم النفس التطوري. 

دعوني أبدأ بأقرب الأحداث إلى ذاكرتي.
الساعة العاشرة مساء، في أحد الأسواق التجارية، كنت أنتظر اثنتين من قريباتي عند السلَّم المتحرك، لمحتهما آتيتين من الطابق السفلي، إحداهما كانت تحمل وردة حمراء في يسارها. وحينما وصلتا إلى الطابق الثاني كان يقف رجلٌ يرتدي ثوبا أبيض وغترة حمراء، كان يحمل جواله الموصول بأذنيه عبر سماعة، اقترب منهما وأنا أتابعه بحرص، تكلم مع التي تحمل الوردة وأنا أحاول سماعه، كنت باردا وهادئا جدا، بل كنت أستبعد أن يزعجني مثل هذا السلوك. 
عندما وصلت قريبتاي كانتا خائفتين، كنت أنا قد أهملت الموقف تماما وتهيأت لنسيانه، فما الغريب في أن يتقدم رجل من كوكب الأرض إلى امرأة من نفس الكوكب ويسألها عن أحد المحلات؟ أو يبدي إعجابه بكل تهذيب؟
كانت إحداهما خائفة جدا والأخرى لا تقل ارتباكا عنها، ناولتني الوردة قائلة: هذه هدية مني! بينما قالت الأخرى: آه، يكاد قلبي أن يتفجر من الرعب. نظرت إليه نظرة مهتاجة ثم قلت لهما: هل آذاكما بكلامه؟ قالتا: قليل الأدب كان يطلب أن يتصور معنا. في ذلك الوقت تماما، في غضون بضع ثوانٍ كاد قلبي أن يتفجر أنا الآخر، ولكن ليس من "الرعب" بل من شيء آخر كنت أجهله حينها.
ناولتها الوردة ومشيت نحوه، كان برفقة اثنين من الرجال صاعدين إلى الطابق الثالث، عرفتُ أنه رآني وأدرك أنني سأفعل شيئا. كان يتجنب النظر إلي وكنت أقول في نفسي: لا يستحق الأمر عراكا، لكنني سأهينه بالكلام.
ناديته بهدوء وقلت له: قل لي، هل تحب أن تتصور مع كل امرأة تحمل وردة في هذا السوق؟! فاحمرَّ وجهه وقال فورا: من؟ لا.. ما قصدك؟ كان رجل الأمن قريبا، سألني رجل الأمن: هل من مشكلة؟ فقلت: نعم، هذا الرجل اعتدى على عائلتي وأريد أن أقتص منه.
لم يتكلم الرجل، لكن أحد أصدقائه قال بلهجة عنيفة لرجل الأمن: وما شأنك؟ وأخذا يتضاربان. تراجعتُ أنا لأنني لم أرد أن أخوض عراكا جسديا وأتورط، فقط حافظت على هدوئي وكان شعورٌ غريب يسيطر علي، لا أدري ما هو بالضبط، لكنه كان مزيجا من الرضى والسخط.

تجمَّع رجال الأمن والمتسوقون وأصحاب المحلات، عدتُ إلى قريبتيَّ وطلبت منهما الابتعاد عن المشهد والاطمئنان علي، كنت أتوقع أن يتطفل أحد المتسوقين ويصور الحادثة وينشرها على مواقع التواصل.
في ذلك الوقت كنت أشاهد الجدل العالي بين رجال الأمن وأصدقاء الرجل. شعرت بالحماس، أردت أن أهينه أكثر، فدخلت إلى المشهد. سألني كبير رجال الأمن: ما الذين فعله بك هذا الرجل؟ فقلت بهدوء: لقد اعتدى على عائلتي ولن أتكلم معكم إلا في المكتب. وبينما أنا أتكلم معه، لمحت صاحب الثوب الأبيض يحاول الفرار فطلبت من رجال الأمن الإمساك به.
هبطنا إلى الطابق السفلي وكان المتسوقون يتجمعون حولي محاولين معرفة ما حدث، أخبرتهم بأنه تجاوز حدود الأدب مع عائلتي، فأيَّدني بعضهم بالمطالبة بالاقتصاص منه، أما بعضهم فحاولوا تهدئتي. بيد أني لم أكن غاضبا بقدر ما كنت مضطربا.

كنت أراجع نظريات علم النفس التطوري في ذهني، كنت أتذكر دراسات ديفيد باس وروبن دونبار وتوبي وكوسميديس، فأفكر في ما يدفعني إلى الغيرة والغضب وفي الوقت نفسه فيما يدفعني إلى البرود والهدوء. فوفقا لعلم النفس التطوري، كان ذلك الرجل معتديا مثيرا للرعب، وكان في الوقت نفسه رجلا يحاول الوصول إلى امرأة. كنت أرى الناس الذين تركوا أعمالهم وتجمعوا وأنا أدرك أن الأمر الوحيد الذي دفعهم إلى التجمهُر هو البحث عن النميمة/الثرثرة، هذا البحث الذي طالما ساعد أسلافنا على تحديد الشاذين عن الجماعة ونبذهم، بل طور من روابطهم الاجتماعية ولغتهم، فكم رجلا كان سيهتم لأمري ما لم يحدث الذي حدث؟ كان شعوري بالرجولة يتضخم وأنا أرفع بصري إلى قريبتيَّ في الطابق الثاني وهما تشعران بالأمان والحماية والخوف علي. كنت أنظر إلى الرجل الذى آذاهما وهو محاط بشتائم المتسوقين وأصوات رجال الأمن المرتفعة. كنت أنا الرجل المنتمي إلى الجماعة وكان هو الخارج عنها المنبوذ منها.

ذهبنا إلى مكتب الأمن في انتظار وصول شرطة المدينة. قال لي الرجل: ماذا فعلتُ لك؟ أستطيع أن أعطيك ما تريد لكن لا توصل الأمر إلى الشرطة. فأجبته بهدوء: لن أتكلم حتى تصل الشرطة. وحينما أثقل علي بالكلام أحببت أن أكسب المزيد من تشجيع الآخرين فسألتهم: هل بينكم أحد يرضى أن تتعرض أخته أو أمه للإهانة؟ فأجابوا جميعا وبغضب: لا! فكسبتُ تأييدهم وخسر هو كل ما يمكن أن يخرجه من قبضتي.

تأملوا إجماع الجميع على قول "لا". إن هذا لا يعود إلى تربيتهم أو ديانتهم أو ثقافتهم بقدر ما يعود إلى سيكولوجيتهم/نفسيتهم التي تشكَّلت عبر تاريخ تطوري طويل لتتكيف مع مثل هذه المشكلات. إن الذين قالوا بصوت واحد "لا" كان يمكن أن يقولوا "نعم" لو أنهم في حفل زواج مرتَّب بين رجل متميز وامرأة عفيفة. ما الذي غير رأيهم؟ إنها الكُلفة التطورية. فإذا حسبنا هذه الحادثة تفاضليا وتكامليا فإن منفعة الرجل -إذا قبلت قريبتي بالتصور معه وأعطته رقمها- ستكون كُلفة في حُسباني. كيف؟

أولا، كان من الواضح أن الرجل لم يكن جادا ومخلصا في طلبه، وهذا يعني أنه أراد علاقة قصيرة المدى وليس علاقة طويلة المدى (الزواج). ثانيا، كونه غير جاد أو مخلص كان من الممكن أن يعود على قريبتي بتكاليف وخسارات عدة: قد يصل إليها جنسيا ويذهب إلى غيرها مدفوعا برغبته في التكاثر بأدنى التكاليف، وستخسر هي تسعة أشهر من حياتها في التعب والألم والخوف ثم ستقضي عمرا لا بأس به في تربية طفل بلا أب. ثالثا، من الممكن أن الرجل كان يريد قريبتيَّ له ولأصدقائه، وهذا التحالف ضد قريبتي كان يعني لي أنهما أعداء يجب التخلص منهم، فمن يدري هل يبتزُّونهما أو يقتلونهما أو يخطفونهما؟ كل هذه الاحتمالات التي خطرت ببالي فيما بعد كانت خسائر بالنسبة لي ولأسرتي ولكامل مجتمعي. رابعا، كان الرجل يمثل تهديدا صريحا لسمعتي وسمعة قريبتيَّ، هذا التهديد الذي ستترتب عليه خسارات أكثر، فقد لا يرغب أحد في الزواج من عائلتي ذات السمعة السيئة، وقد لا يرغب أحد في الاستثمار الاقتصادي معها، وقد لا يرغب أحد في التعامل معها بأي شكل من أشكال المعاملة الحسنة التكافلية الاجتماعية، أي قد تُنبَذ عائلتي من المجتمع كله بفعل رجل متهور يبحث عن لذة مؤقتة.

وصلت الشرطة. طلب مني الشرطي إحضار بطاقتي الشخصية وسألني إن كنت مصرا على إيصال الأمر إلى الشرطة أو التنازل وحل المشكلة بالتراضي. كنت أعلم أنني لن أوصل الأمر إلى الجهات الجنائية والقضائية حرصا على سمعة قريبتيّ. فلا أحد يدري كيف سينظر إليهما المجتمع بعدما يعرف أنهما استُجوِبتا في المحاكم لأجل قضية جنسية! لكنني افتعلتُ الإصرار لأرضي نفسي بالمزيد من إهانة ذلك الرجل.
أخذتُ قريبتيَّ بالسيارة وذهبنا إلى مركز الشرطة. كنت أشعر بالانتصار. التفتُّ إليهما وهما لم تزالا خائفتين من عواقب إصراري، وأشرتُ إلى الرجل ضاحكا وهو مقيَّد في سيارة الشرطة ومحاطٌ بكل الذل والصغار. طمأنتهما بأن الأمر سيبقى سرا بيننا وبأنني سأتنازل لكن بعد إرهاقه. سألتهما ونحن في الطريق إلى قسم شرطة المدينة: ما كان شعوركما وهو يطلب منكما التصور معكما؟ قالت إحداهما: كنت خائفة، وأردت أن أناديك. وقالت الأخرى: كنت أرى أنه غبي وحقير وودت أن أضربه وأدفع به إلى الطابق السفلي. ولا عجب أن التي فكرت في العنف كانت هي التي ستتحمل أكثر التكاليف، أي صاحبة الوردة التي تكلم معها مباشرة.

وصلنا إلى قسم الشرطة. اختلا الضابط بكل منا وعرف منه تفاصيل القضية، ثم جمعنا وسألني إن كنت لم أزل مصرا على رفع الأمر إلى الجهات الأعلى فأجبت بالإيجاب. عندها أدرك الرجل خسائره الشخصية مقابل منفعته المحتملة. فمن جهته هو كان سيُعاقب جسديا بالسجن وماديا بدفع الغرامة المالية ومعنويا بسوء السمعة. وإذا افترضنا أن ادّعاء أصدقائه بأنه "متزوِّج" صحيح فقد يخسر عائلته وطفلتيه. عندما أدرك كل هذا -ولو على مستوى اللاوعي- خرَّ ذليلا وطلب مني أن أسامحه. قال: أرجوك يا أخي، نحن مسلمون وأبناء عمومة وأنا وأصدقائي ضيوف عندكم فلا تورطني.
ولعلكم تلاحظون سيكولوجيا اعتذاره هنا، فهو يناديني بالأخ، ويذكرني بالانتماء الثقافي والعرقي وواجب الضيافة. لقد كان الأحمقُ يستعمل علم النفس التطوري بطريقة أفضل مني!
سامحته أخيرا بعدما طلبت أن يكتب إقرارا بخط يده وبصمة إبهامه، ثم عدت إلى عائلتي وسط موكب من الشكر والدعوات من أصدقائه الذين كانوا قد صاروا ثمانية.

في النهاية، لم أكن راضيا على افتعال كل تلك المشكلات تماما. فأنا رجل ناضج وأعرف أن من الطبيعي جدا أن يبحث الرجل عن علاقات جنسية طويلة المدى كانت أم قصيرة. وأعرف أيضا أنني كنت أستطيع إهمال موقفه والتغاضي عنه بدون أن يحدث شيء مما ذكرتُ لي ولعائلتي. لكنني كنت مدفوعا بغريزة أقوى مني... غريزة أطول عمرا بكثير من الحضارة وتعقيدات نمط الحياة العصري الذي نعيشه، غريزة لم تتركني مقيد اليدين بل هيَّجتني وأصابتني بسُعار غريب. وإذا نظرنا إلى الحادثة من جهتي، أي إذا كنت أنا المتورط وهو المطالب بحقه، فأنا لم أكن لأرضى بأن أُهان كل تلك الإهانة وأصاب بكل ذلك الرعب، لكن الفارق ربما يكمن في طريقة الطلب. فهل من التهذيب أن يقحم رجل نفسه بين امرأتين لا علاقة له بهما بتلك الطريقة؟ أما لو رجَّحنا رغبته في علاقة قصيرة المدى فالسوق التجاري ليس مكانها الصحيح، بل بيوت الدعارة وبائعات الهوى.

16‏/10‏/2016

كيف تقرأ ورقة علمية (بالتفصيل)؟



قد يواجه بعض المهتمين بالعلوم صعوبات في قراءة البحوث والدراسات العلمية. الأمر ليس معقدا جدا. المهم أن تكون لغتك الإنجليزية جيدة. في هذا الفيديو الذي أعدَّه موقع العلوم الحقيقية، ستجد تفصيلا بسيطا لكل أجزاء الورقة العلمية وطريقة التعامل مع كل جزء حسب الأهمية ونوع المعلومات التي يحتويها. 

للحصول على نسخة مكتوبة
http://real-sciences.com/?p=9163


22‏/08‏/2016

النميمة تطوُّريًّا: حيث لا توجد نميمة لا يوجد مجتمع!


ملخَّص: يرى عالم الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوري روبن دونبار (Robin Dunbar) في دراسة نُشرت عام 2004 بعنوان “النميمة  من منظور تطوُّري” أن النميمة gossip (بالمعنى الأوسع للكلمة وهو، حسب قاموس أوكسفورد، تبادل الأحاديث حول الأشخاص الآخرين.) كانت حاسمة لقدرتنا كبشر على تطوير جماعات اجتماعية كبيرة، ويعود السبب إلى أننا نستعمل اللغة غالبا لتبادل المعلومات الاجتماعية، خصوصًا للمحافظة على التواصل مع الأفراد الآخرين وللإعلان عن ميزاتنا ومساوئ أعدائنا. للنميمة أيضا، كجزء من اللغة المتبادلة يوميا، وظائف أخرى كتتبُّع المتطفِّلين (مشكلة الرُّكَّاب بالمجَّان) وخداع الآخرين. يُنهي دونبار الدراسة باستعراض الأسس المعرفية التي نحتاجها لممارسة النميمة، ومن أهمها نظرية العقل.

رابط المقال كاملا: 
real-sciences.com/?p=8387

19‏/07‏/2016

الأخلاقيات التطورية: مقدمة فلسفية (2)

موجز: في الجزء الثاني أستعرض أهم المشكلات التي واجهتها الأخلاقيات التطورية، وهي مشكلة اشتقاق ما يجب أن يكون عليه الشيء ought من حقيقة الشيء is التي طرحها الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم، ومشكلة المغالطة الطبيعية naturalistic fallacy التي طرحها الفيلسوف البريطاني إدوارد مور.

رابط المقال: real-sciences.com/?p=8031

14‏/07‏/2016

الأخلاقيات التطورية: مقدمة فلسفية (1)

موجز: في هذه السلسلة التي أنشرها على موقع العلوم الحقيقية real science أستعرض وجهة نظر نظرية التطور فيما يتعلق بالأخلاق. الجزء الأول تناولَ عدة تعريفات للأخلاق morality كما جاءت في قاموس أوكسفورد، ومنها أن الأخلاق هي "المبادئ الخاصة بالتمييز بين السلوك الصائب والخاطئ، وبين السلوك الجيد والسيء". تشارلز داروين هو أول من حاول إدراج الأخلاق في إطار نظرية التطور في كتابه الرائد نشأة الإنسان  The Descent of Man (عام 1871)، ورأى أن الجانب الاجتماعي والمعرفي يشكلان أهمية كبيرة في تشكيل ونمو المنظومة الأخلاقية. ينتهي المقال بذكر آراء هربرت سبنسر الجدلية حول الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح.

رابط المقال: 
real-sciences.com/?p=7986

30‏/06‏/2016

نظرية العقل: كيف نفهم اختلاف الآخرين عنا؟



مقالي في السعودي العلمي عن تعريف نظرية العقل، ومراحل تطورها منذ الولادة إلى سن البلوغ، وفهمها في علم الأعصاب. 
لقراءة المقال: http://www.scientificsaudi.com/ss/10328

19‏/06‏/2016

لغز الانتحار التطوري: متى قد تقتل نفسك؟





ليس هناك شيء أسوأ في الوجود من القتل، وليس هناك أفظع ولا أبشع من أن يقتل الإنسان نفسه. قد يقول البعض متحمسا: كيف لم يمنع الانتخاب الطبيعي الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية التي تدفع بالناس إلى الانتحار؟ كيف أؤمن بأن غاية التطور هي البقاء والتكاثر إذا كان مليون شخص حول العالم يموتون منتحرين كل سنة، أو إذا كان هناك شخص ينتحر كل أربعين ثانية؟ [1] .
لكن لا يجب أن نصوغ سؤالنا بهذه الطريقة قبل أن نعرف ما هي الفائدة التطورية من الانتحار؟ 

دعونا في البداية نعرف الأسباب [2] التي قد تجعل الإنسان يقتل نفسه. 
يزداد خطر الانتحار مع التقدم في العمر: 
الرجال الأكبر سنا معرضون لخطر أكبر. لكن ثمة استثناء، في سبعينات القرن الماضي (1970s) زاد معدل الانتحار بين الشباب، وخاصة الشباب الذكور، في البلدان ذات الدخل العالي. 

هناك أسباب بعيدة للانتحار (أقل ارتباطا)، مثل: 
- الحِمْل الوراثي Genetic loading (الحِمْل الجيني هو انخفاض في متوسِّط لياقة مجموعة من الناس بالنسبة إلى مجموعة مكونة من أشخاص مثاليين جينيا أو هو الفُرصة النسبية لموتِ أحد الأفراد في المجتمع قبل بلوغ سن التكاثر بسبب الجينات الضارة التي يحملها [3,4]). 
- نوع الشخصية (الاندفاعية، العدائية). 
- خلل نمو الجنين وظروف الولادة. 
- الأحداث المؤلمة المبكرة.
- الاضطرابات العصبية البيولوجية.

وهناك أسباب قريبة للانتحار (أكثر ارتباطا) مثل: 
- الاضطرابات والأزمات النفسية. 
الأمراض الجسدية. 
- وفْرة وسائل الانتحار. 
- مشاهدة نماذج الانتحار (عبر وسائل التواصل، مثلا).

سنستعرض في هذه التدوينة أهم الفرضيات التطورية التي ترى أن الانتحار تكيُّف بطريقة ما. ولكن قبل البدء، علينا أن نفهم "قاعدة هاملتون" جيدا. 
إذا أردنا الإجابة على سؤال: ما هي الفائدة التطورية للانتحار؟ فنحن في مأزق ما، وربما لن نملك إلا أن نزعم أن الانتحار تكيُّف. وبما أن المُنتحِر ينهي حياته، فلا بد أن يكون بهذا الفعل يمنح شخصا آخر أو مجموعة أشخاص آخرين بعض المنفعة، هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها فهم الانتحار بوصفِهِ تكيُّفا. وسنمر بقاعدة هاملتون لأنه هو عالم الأحياء التطوري الذي أثار القرن العشرين بتفسيره لسلوك الغيرية. 

رأى هاملتون William Donald "Bill" Hamilton في نظريته "اللياقة المتضمنة Inclusive fitness" أن سلوك الغيرية altruistic behavior بين الأشخاص الذين يتشاركون نسبة معيَّنة من الجينات سيسمح لهذه الجينات بأن تُمرَّر عبر الأجيال [5]. 
وقدَّم هاملتون حالة خاصة من اللياقة المتضمنة تُدعى "انتخاب الأقارب Kin selection" ومفهوم هذه النظرية هو أن الانتخاب الطبيعي سيفضِّل الجين المسؤول عن السلوك الغيري عندما تكون منفعة الأقارب الجينيين أكبر من كُلفة الشخص الغيري [2]. أي، بلغة الرياضيات، سيحدث سلوك الغيرية إذا كانت 


r × b > c 

حيث: r"" هي درجة القرابة relatedness degree الجينية، ""b هي المنفعة benefit التكاثرية لقريبٍ جيني، "c" هي الكُلفة cost التكاثرية على الشخص الغيري [6]. 

والآن من حقنا أن نسأل: ما هي المنفعة التي سيتلقاها أقاربنا البيولوجيون إذا انتحرنا؟ هذا إذا غضضنا النظر عن مأساتهم وحزنهم وتفشِّي سوء سمعتهم في المجتمع. 

سألخص الآن دراسة [2] حديثة (2013) نُشرت في المجلة العالمية للأبحاث البيئية والصحة العامة بعنوان "لغز الانتحار التطوُّري The Evolutionary Puzzle of Suicide". 

1- فرضية الانتحار الغيري The Altruistic Suicide Hypothesis: 
استعمل بروفيسور علم النفس والأعصاب والسلوك De Catanzaro نظرية "اللياقة المتضمنة" لتفسير لغز الانتحار تطوريا. اعتقد دي كاتانزارو أن الشخص سيُقدِم على الانتحار عندما تكون احتمالية نجاحِه التكاثري غير مشجعة، وعندما يدرك في نفس الوقت أن استمرار وجوده سيقلل اللياقة المتضمنة بتعارُضِهِ مع النجاح التكاثري لأقاربه الجينيين [7].

وُجِد سلوك تدمير النفس الغيري (الانتحار) في الكثير من الكائنات، من الكائنات وحيدة الخلية والطفيليات إلى الحشرات الاجتماعية social insects، ووجوده بين البشر مُختلفٌ فيه. تطور تدمير النفس في عدد من الحشرات الاجتماعية كاستجابة  دفاعية ضد الأعداء لأن له عواقب نافعة للياقة أفراد المستعمرة الناجحين تكاثريا (أي كأن الحشرة تعرض نفسها للخطر وهي تدرك أن الحشرات الناجحة تكاثريا في المستعمرة ستستمر في التكاثر، ومن ثم في نشر جيناتها). وتعرِّض الحشرات حياتها للخطر في حالات مختلفة: (1) حالة الدفاع اللحظي؛ عند وجود عدوٍّ ما. (2) حالة الدفاع الانتحاري الوقائي: أن يكون الموت هو نتيجة إصلاح أو إخفاء الوكْر (بيت الحشرات) لمجرد الوقاية قبل هجوم العدو. (3) تغادر الحشرات المريضة والمصابة بالعدوى الوكْرَ لئلا تُعدي الحشرات الأخرى، ومن ثم تتعرض لخطر الموت. 

ماذا عن البشر؟ وجدت الدراسات أن الفرد يكون ذا قيمة سلبية إذا كان عبئا على أقاربه (لسبب مرضي أو أسباب أخرى) أو كان ذا قدرة تكاثرية منخفضة. وارتبط الشعور بالعزلة والعبء على العائلة بالتفكير في الانتحار. بل إن بعض الأشخاص رأوا أن انتحارهم تضحية لمساعدة أقاربهم. وفي الماضي، كان شعب الإسكيمو يعُدُّ الانتحار سلوكا غيريا (تضحية لمصلحة شخص أو مجموعة أشخاص). البالغون الأكبر أو الأشد مرضا سيقتلون أنفسهم أو يُقْتَلون بطلبهم في أوقات المجاعة. 

باختصار، ترى هذه الفرضية أن الانتحار سلوكٌ تكيُّفي في حالات خاصة مثل "الشيخوخة، الأمراض النفسية، الأمراض الجسدية - خصوصا المزمنة منها، المثلية الجنسية". 

لكن إذا كان العبء على الأقارب تفسيرا معقولا للانتحار في كبار السن فإن من الصعب القبول بأن انتحار الشباب ذوي الصحة الجيدة سيحسِّن من لياقة الأقارب. وبدلا من هذا، من المحتمل أن يكون الانتحار في هذه الحالة (الشباب ذوي الصحة الجيدة) منتجا ثانويا غير تكيُّفي؛ أي ليس سلوكا أساسيا نتج من عملية تطورية مباشرة لأداء دور تكيفي.

2- فرضية المساومة The Bargaining Hypothesis:
دعنا نفترض أنك تعيش في منزل بين عشرة أفراد وتعاني باستمرار من إهمال والديك وصراعاتهم معك. في أسوأ الحالات قد تمثِّل مسرحية انتحار مضمونة النتائج لكنها غير قاتلة! 
ترى هذه الفرضية أن السلوكات الانتحارية قد تكون صرخات نجدة أو إشارة صادقة إلى الاحتياج يمارسها الأشخاص (المراهقون، مثلا) الذين وقعوا في مشاكل مع جماعاتهم الاجتماعية (العائلة، المجتمع...). 
في هذه الحالة ستكون محاولة الانتحار مغامرة؛ فقد تنجو وتحظى بما كنت تريده، أو قد تخسر حياتك. ومن وجهة نظر تطورية، ستتطور هذه الاستراتيجية عندما تكون فوائد الجينات المسؤولة عن "استراتيجية الإشعار" في المتوسط تفوق تكاليفها. ومن المهم في هذه الفرضية أن تكون معظم محاولات الانتحار غير قاتلة. 

3- فرضية التلاعب الطُّفيْلي The Parasite Manipulation Hypothesis: 
من المعروف أن الكائنات الطفيلية تستطيع التلاعب بسلوك المُضيف (الكائن الذي تعيش فيه الطفيليات). هذا التلاعب تكيُّف يعود على الطفيلي بالمنفعة، فهو يسهِّل له الانتقال من مُضيف إلى آخر. هناك طفيليات تعيش في أكثر من مُضيف، فهي تنتقل إلى مُضيف وسَطي (مؤقت) وتتغذى فيه، ثم تحاول الانتقال إلى مضيف نهائي لتستكمل دورة حياتها. 

من أشهر الأمثلة على هذا النوع من التلاعُب التكيُّفي هو ما يفعله طفيل توكسوبلازما غوندياي Toxoplasma gondii. يستطيع هذا الطفيل أن يعيش في الثدييات كمُضيف وسَطي له، لكن مضيفه النهائي هو السنُّوريات (كالقطط والأسود...)؛ لأنها الوحيدة التي تُخرج بُويْضات الطفيل مع فضلاتها. عندما يُصاب حيوان ثديي آخر (الفأر، مثلا) بعدوى توكسوبلازما غوندياي سعيش الطفيل في جهازه العصبي ويقوم بالتلاعب بسلوكه (يجعل الفئران أقل خوفا من القطط وأشد انجذابا لها) حتى يتمكن من الانتقال إلى مُضيفه النهائي وإكمال دورة حياته (يأكل القط الفأر الذي تعيش فيه هذه الطفيليات فتنتقل الطفيليات إلى القطط وتنضج). 

البشر أيضا يُصابون بعدوى توكسوبلازما غوندياي، بل إن بعض الدراسات ربطت بين العدوى الكامنة (ليست لها أعراض سريرية) والسلوكات الانتحارية في البشر. وإضافة إلى هذا، كانت السنُّوريات المفترسات الأولى للبشر في القرن العشرين، ومن المرجح أن هذه السنوريات الحديثة (بالإضافة إلى تلك التي عاشت في بيئات الأسلاف) كانت مفترسات خطرة للإنسان البدائي. لكن فرضية التلاعب الطفيلي (أن تتلاعب الطفيليات بالبشر لتستطيع الانتقال إلى مضيفها النهائي) لم تزل مُحاطة بالكثير من الجدل. 
ومن المُلفت في هذه الفرضية أن السلوك الانتحاري لا يعود بالمنفعة إلى المُنتحِر (الإنسان، مثلا) بل إلى الطفيلي. 

يستنتج الباحثون أن "خلفيتنا البيئية والثقافية قد تطورت جدا. ازداد تعاون الأفراد وقل اعتمادهم على الأقارب بخلاف ما كان يحدث في الماضي. نحن نعتقد أن الصلاح الاجتماعي المتطور في العديد من البلدان قد بدَّل قيمة الانتحار التكيُّفية، وصار يمكن فهم الانتحار بوصفه "غير مُلائِم" لبيئتنا الحديثة. ولأن بيئتنا تغيرت عما كانت عليه في زمن الأسلاف فلا توجد قيمة تكيفية للانتحار" – مترجم بتصرف. 

ملاحظات شخصية: 
- هذه الفرضيات التي قدمت لها في التدوينة لا تبرر الانتحار أو تشجع عليه، بل تحاول تفسير هذا السلوك الذي يبدو متعارضا مع المنهج التطوري الذي يعطي الحياة والتكاثر الأولوية على أي شيء آخر. 
- من الممكن تقليل نسبة الانتحار عالميا بمضاعفة الاهتمام بالفئات الأكثر عرضة للانتحار، ككبار السن والمرضى النفسيين وأصحاب الأمراض الجسدية المزمنة والمتشردين... ومضاعفة التوعية بالطرق المثلى لتحسين لياقة الأقارب، وهي: رعاية صغار الأقارب، والمساهمة في تحمل بعض الأعباء عنهم... إلخ. 




المراجع: 
[1] http://www.suicide.org/international-suicide-statistics.html
[2] http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3881146/
[3] http://www.els.net/WileyCDA/ElsArticle/refId-a0001787.html
[4] https://www.blackwellpublishing.com/ridley/a-z/Genetic_load.asp
[5] http://global.britannica.com/science/inclusive-fitness
[6] http://www.genetics.org/content/176/3/1375
[7] http://blogs.scientificamerican.com/bering-in-mind/is-killing-yourself-adaptive-that-depends-an-evolutionary-theory-about-suicide/

06‏/06‏/2016

جدال حاد في مقهى: كم نسبة DNA التي نتشاركها مع أقاربنا؟


عائلة لاوكون، رسمها بيل سندرسون، 1990
بدأ الجدال في منتصف حديثٍ فوضوي عن كل شيء، ناقشنا بعض فرضيات علم النفس التطوري (فرضية الانتحار، الشيخوخة...) وفجأة لوَّح لنا سؤال مثير: كم نسبة الحمض النووي DNA التي نتشاركها مع إخوتنا؟ كنت قد قرأت الإجابة في أحد الكتب لكنني نسيتها، فأجبت بأننا نتشارك الربع 25%، لكن أحد الأصدقاء قال إننا نتشارك 100% وهذا لأننا أخذنا 100% من الوالدين (النصف من الأب والنصف من الأم) وإخواننا أخذوا نفس النسبة! وقال أحدهم إننا نتشارك النصف 50%. انتهى النقاش بعد أن خضناه لساعتين من المساء الساخن، ولم نعرف النسبة الحقيقية. 

جمعت هذه المقالة من عدة مواقع متخصصة في علم الجينات، يجب أن تعلموا أن المقالات التي نقلت منها هذه المعلومات لم تكن تنتهي بأية مراجع، لذا فهذا هو كلام المتخصصين الذين أجابوا على أسئلة من هذا النوع، وقد يحتوي بعض الأخطاء أو التخمينات. 

مع الشمبانزي والدودة الحلقية؟ 
دراسات العلماء الطويلة للحمض النووي دائما تذكرنا بأننا لسنا وحيدين في هذا العالم، هناك أشخاص نظنهم "آخرين" لكنهم يشابهوننا كثيرا أو قليلا. بعض النسب والأرقام التي تقرأها هنا ليست لمجرد التسلية، بل من شأنها أن تجعلك تدرك كم أنت منتمٍ إلى الوجود الذي حولك.
 لعلك تعلم أننا نتشارك مع الشمبانزي الكثير من حمضنا النووي، لكنك ربما لم تفهم المعنى الدقيق لهذه المشاركة. أنت تشارك الشمبانزي (98%) وسمكة الزيبرا (85%) وذبابة الفاكهة (36%) والدودة الحلقية (21%) ونبات الخردل (15%) والبكتيريا (7%) بعض جيناتك، بل الكثير منها! وقد تسأل: كيف أكون أنا والشمبانزي متشاركين في قرابة 98% من معلوماتنا الوراثية بينما نتشارك أنا وأمي فقط 50%؟ [1]
الجينات التي تتشاركها مع الشمبانزي (ومع أي كائن من غير نوعك) هي مجرد تسلسلات الحمض النووي DNA القابلة للترتيب بطرق عشوائية واحتمالات لا نهائية تقريبا، بينما ما تتشاركه مع أمك هو الجينات نفسها، أي -في حالة الأمهات- أنت تملك تقريبا نصف الجينات التي تملكها أمك. لكنك بالطبع لا تملك 98% من الجينات نفسها التي يملكها أحد أفراد نوع الشمبانزي. 
هذه علاقتك بالشمبانزي، فما هي علاقتك بي أنا رمزي؟ 
نحن نتشارك حوالي 99.5% من جيناتنا مع كل شخص على كوكب الأرض تقريبا. لكن هذا فيما يتعلق بتركيبة الحمض النووي وشيفراته، أما فيما يتعلق بالتسلسل المشترك المتماثل الذي نتشاركه مع أقاربنا فتختلف النسب من 100% بين التوائم المتطابقة إلى 0.78% في صلات القرابة من الدرجة السابعة (الجد السابع مثلا) [الجدول رقم 3].

بعض الإثارة! [2] 
1- يمكن لجميع الناس الآن أن يتعقبوا أسلافهم إلى الشخص رقم 10000 من أقاربهم الذين عاشوا منذ 175000 سنة مضت.
2- الأشخاص الذين يربطك بهم سَلَف مشترك قريب (بضعة أجيال) يتشاركون معك أكثر من 99.5% من جيناتهم معك.
3- كلما كان لشخص أكثر قربا كانت نسبة الجينات المشتركة بينكما أكثر، والعكس صحيح. 

قبل أن تبدأ... [2,3,4]
سنجدد معلوماتنا عن علم الوراثة حتى لا يصعب علينا فهم المعلومات الكثيرة فيما بعد.
1- الحمض النووي منزوع الأوكسيجين DNA هو الجزيء الذي يتألف منه الجينوم genome -  الجينوم هو جميع المعلومات الجينية (الوراثية) للكائن الحي.
2- الجينات هي الشفرات الوراثية لصناعة البروتين.
3- البروتين هو وحدة بناء الأنسجة ووظائفها.
4- الحمض النووي مكون من سلسلة طويلة جدا من الحروف أو القواعد النيتروجينية (سايتوسين C، جوانين G، أدينين A، ثايمين T). كل واحد منا لديه قرابة 6 مليون حرفا مرتبة بترتيب مختلف؛ وهذا ما يجعلنا فريدين.
5- الكروموسومات ببساطة هي قطع كبيرة من DNA تقع في نواة الخلية.
6- الإنسان لديه 23 زوجا من الكروموسومات (46 كروموسوم). نصفها يحصل عليه من الأب والنصف الآخر من الأم. لكن هذه الكروموسومات لا تنتقل كما هي من الوالدين إلى الإبن، بل يحمل الإبن مزيجا من كل زوج منها. لذا فإن زوج الكرومسومات الذي تحصل عليه من أبويك (واحد من الأب + واحد من الأم) يختلف تماما عن الكروموسومات الأصلية لهما.
7- قبل أن تنقسم أزواج الكروموسومات في البويضة والحيوان المنوي تحدث عملية إعادة بناء recombination لجزيء DNA. أثناء عملية إعادة البناء تتوزع جزيئات الحمض النووي بين الكروموسمات المتصلة في كل زوج. يحدث هذا لإنتاج تركيبة فريدة (غير مشابهة لجزيئات الأبوين) من الجينات. 
8- الكروموسومات تضم معظم حمضنا النووي، ما عدا الحمض النووي الميتوكونديري mitochondrial DNA الذي هو خيط صغير من الحمض النووي المفصول عن الكروموسومات الـ 23 التي نرثها من كلا الأبوين، ويوجد في أجسام صغيرة داخل خلايانا تسمى (الميتوكوندريا) المسؤولة عن تكسير السكر (الطاقة). نحن نرث الحمض النووري الميتوكونديري من أمهاتنا فقط.
9- الأوتوسومات Autosomes هي كل الكروموسومات باستثناء الكروموسوم X والكروموسوم Y (كروموسومات جنسية).
10- هذان الكروموسومان يعملان بطريقة تختلف عن الأوتوسومات. المرأة لديها زوج من كروموسوم X يُمزَج shuffled أثناء تكوين البويضة. أما الرجل فلديه كروموسوم X واحد وكروموسوم آخر صغير (Y). كروموسوم Y يحوي فقط القليل من الجينات التي لا تُمزج أثناء تكوين الحيوان المنوي. 
11- أحد الجينات على كروموسوم Y هو الذي سيحدد أن يكون المولود ذكرا. كروموسوم X أيضا لا يُمزَج عند الرجل؛ لأنه لا يملك إلا كروموسوم X وحيدا. المرأة تمرر كروموسوم X إلى جميع الأبناء، بينما يمرر الرجل كروموسوم X إلى بناته وكروموسوم Y إلى أولاده.
12- يملك الإنسان ما بين 25000 إلى 100000 جينا، والإجماع الآن على أن عدد جيناتنا يبلغ قرابة 30000.

الجدول رقم 1، أقارب الدرجة الأولى
إلى أي درجة نحن أقرباء؟ [2,3,4,5] 
لو أنني وأصدقائي ألقينا نظرة على الجدول في الأعلى وعرفنا أن الإخوان يتشاركون 50% لأنهينا النقاش وقضينا الساعتين في مكان آخر أقل حرارة! لكن هذه لم تكن مشكلتنا، لقد كنا بحاجة إلى تفسير علمي، كنا بحاجة إلى فهم الآلية التي وُزِّعت بها هذه النسب، فهل تحتاجون أنتم؟ 

التوائم المتطابقة (100%):
التوأمان المتطابقان يتشاركان نفس البويضة ونفس الحيوان المنوي (نفس الزيجوت)، إذن يتشاركان 100% من الجينات الموروثة من الوالدين. لكن هذا لا يعني أنهما نفس الشخص، فهناك عوامل أخرى تجعل كل واحد منهما فريدا، هذه العوامل تسمى epigenetics أي التي لا تتعلق بالجينات (مثل: البيئة).

التوائم غير المتطابقة (أكثر أو أقل من 50%):  
التوأمان غير المتطابقين يختلفان عن المتطابقين، فبرغم أنهما توأمان، إلا أنهما جاءا من بويضتين (لا من بويضة واحدة) لُقِّحتا بحيوانين منويين (لا بحيوان منوي واحد)؛ لذا فهما لا يختلفان عن بقية الأشقاء الذين يتشاركون 50% من معلوماتهم الجينية.

الإخوان الأشقاء (أكثر أو أقل من 50%)، لماذا؟
في حالة الإخوان يختلف الأمر. نحن نتشارك مع إخواننا الأشقاء 50% من جيناتنا، ولكن ليس بنفس الطريقة التي نتشارك بها مع والدينا. 
أخوك أو أختك ورث 23 كروموسوم من كلا الأبوين، لكن بسبب توزيع الحمض النووي تختلف هذه الكروموسومات عن التي لديك. لذا أنت في المتوسط تشارك أخاك أو أختك 50% من جيناتك. 
أنت لديك نسختين من معظم جيناتك، هذا معناه أن أبويك سينقلان إليك نسخة من هاتين النسختين، وكذا سينقلان إلى شقيقك أو شقيقتك.
تصور أن جينات والديك هي عبارة عن عُملة معدنية coin، وأن وجهيْ العملة -الرأس والذيل- هما نسختا الجين الذي سينقلانه إليك وإلى أشقائك.
فرصة حصولك على إحدى النسختين -رأس أو ذيل- هي محض صدفة عشوائية، كما يحصل عندما ترمي العملة المعدنية؛ قد تحصل على رأس أو ذيل.
وبما أننا نملك قرابة 25000 جين في حمضنا النووي، فإن فرصة حصولنا على أيِّ النسختين يشبه فرصة حصولنا على الرأس أو الذيل إذا قمنا برمي العُملة المعدنية 25000 مرة. وإذا قمنا بهذا، فمن المحتمل جدا أن نحصل على 50% رؤوس و50% أذيال! إذن أنت وأشقاؤك تتشاركون قرابة 50% الجينات؛ أي هناك احتمال النصف أن تحصلوا على نفس النسخة من الجين وهناك احتمال النصف أيضا أن تحصلوا على نسخ مختلفة.  
قد لا تحصلون على 12500 بالضبط. قد تحصل أنت على 12600 رأسا و12400 ذيلا، ويحصل شقيقك على 12550 ذيلا و12450 رأسا.. وهكذا. لكنكما تقتربان جدا من النصف.

الجدول رقم 2، أقارب الدرجة الثانية
الإخوان غير الأشقاء -من أب أو من أم- (أكثر أو أقل من25%)، لماذا؟
هناك تداخُل بنسبة 50% بين الحمض النووي الذي ترثه أنت وأخوك غير الشقيق من أبيكما (أو أمكما). إذن أنتما تتشاركان نصف الـ 50% التي ترثانها من الأب، أي 25%. 

في حالة الأجداد والأعمام (والعمات) والأخوال (والخالات)، نحن نتشارك معهم 25% من جيناتنا أيضا. إذا أردت أن تعرف كيف يحدث هذا، فأنت تملك الكثير من المعلومات. لاحظ أن أباك يشارك أباه (جدك) بنصف جيناته (50%)، وأنت تشارك أباك في النصف أيضا، إذن فأنت تشارك جدك في نصف النصف، أي 25%.

أما عن العمومة والخؤولة، فإذا كان أبوك يشارك إخوته (أو أمك تشارك إخوتها) في النصف، فأنت تشارك أعمامك وأخوالك في نصف النصف، أي أيضا 25%.
وبالتأكيد، إذا كنت أنت تتشارك مع أعمامك وأخوالك 25% من جيناتك، فأنت تتشارك النصف مع أبناء إخوتك وأبناء أخواتك (أي من أنت عم لهم أو خال لهم).

المعروف أن أبناء العمومة يتشاركون 12.5%، وذلك لأننا نشارك أعمامنا في 25%،  وأبناء أعمامنا يشاركون آباءهم (أعمامنا) في 50%، إذن نحن نتشارك مع أبناء أعمامنا في نصف ما نتشاركه مع أعمامنا، أي 12.5%. لكن هناك حالة خاصة، وهي أبناء العمومة المزدوجة double-cousins وهم الذين جاؤوا من أخوين شقيقين تزوجا أختين شقيقتين. أي يكون ابن العم في نفس الوقت ابن الخالة، وهنا تتضاعف نسبة المشاركة إلى 25%؛ ومن السهل فهم هذا التضاعف. فإذا كنت تشارك ابن عمك في 12.5% فأنت في نفس الوقت تشارك ابن خالتك في نفس النسبة كما ذكرتُ، ومجموع هذه المشاركات يصل إلى 25%.

آخر من يمكن أن تشاركهم رُبع معلوماتك الوراثية هم أبناء عمومتك في حالة التوائم المتطابقة. يحدث هذا عندما تتزوج أنت وتوأمك المُطابِق توأمين متطابقين، وهنا يتشارك ابن عمك 50% من جينات أبيك -بعكس الأبناء في حالة الإخوان الأشقاء غير التوائم الذين يتشاركون مع الأعمام فقط في 25% كما تقدم- وإذا كنت أنت تشارك عمك في النصف، إذن فأنت تشارك ابن عمك في هذه الحالة في الربع.

الجدول رقم 3، أقارب الدرجة الثالثة
أعمام الأبوين great uncles وأخوال الأبوين great aunts وأبناء أبناء الإخوان grandnephews وبنات أبناء الإخوان grandnieces (أقل أو أكثر من 12.5%):
ماذا عن أعمام أبيك أو أمك، أتوقع أنك تستطيع التخمين، فالأمر سهل، إن أباك يشارك أعمامه في 25%، وأنت تشارك أباك في النصف، فكم يساوي نصف الربع؟ الثمن، أي 12.5%. وكذا الحال مع أخوال الأبوين.
لكن إذا كان لأختك بنت وأنجبت بنتا أخرى، فمن تكون أنت بالنسبة لها؟ إنك عمُّ أمِّها. إذن فكم تشاركك من جيناتها؟ من كلمة "عم" نستنتج نسبة 25%، ومن كلمة "أمِّها" نستنتج 50%، إذن عدنا إلى نصف الربع الذي يساوي الثمن 12.5%. وكذا الحال مع أبناء أبناء الإخوان.

هناك بعض الحالات التي تشارك فيها الآخرين 12.5% من جيناتك، وهي أنصاف الأعمام half-uncles وأنصاف الأخوال  half-aunts الذين هم أعمامنا وأخوالنا ولكنهم ليسوا إخوان آبائنا الأشقاء، أي هم الأشخاص الذين يشاركون آباءنا في 25% وليس في النصفكما تقدم في الإخوان غير الأشقاء، إذن فنحن نشاركهم في نصف الربع 12.5%. وكذا الذين أنت نصفُ عمٍّ لهم، أي أبناء إخوانك غير الأشقاء، فأنت لا تشاركهم 25% كما هو الحال في أبناء إخوانك الأشقاء، بل بالثمن 12.5%.

الأقارب من الدرجات بعد السابعة (الثامنة، التاسعة...) يتشاركون معنا القليل جدا من عدد الجينات، أي أقل من 0.78%. هناك فرصة قليلة جدا (أقل من 50%) في أن نتشارك أوتوسوما واحدا مع الجد الرابع عشر، أو مع أحدهم بعد مرور 15 قرنا. هذا لا يعني أننا لا ننتمي إليهم بالنسب، بل أننا معلوماتنا الجينية لا تحمل منهم إلا بعض الفرص.  


المراجع:
[1] www.quora.com
[2] genetics.thetech.org 
[3] freepages.genealogy.rootsweb.ancestry.com (الجداول منسوخة من هذا الموقع) 
[4] humanorigins.si.edu
[5] learn.genetics.utah.edu

04‏/06‏/2016

نظرية الحركات الإيقاعية: هل كان الانتخاب الطبيعي ثملا عندما طور الموسيقى والرقص؟


جينيفر جراي وباتريك سوايزي يرقصان على جذع شجرة، من فيلم dirty dancing
"تبدأ حياتنا بتهويدة،
 تنضج على وقع موسيقى الزفاف،
 ثم تنتهي بالموسيقى الجنائزية" Tianyan Wang, 2015

هل كان الانتخاب الطبيعي ثمِلا عندما طوَّر الموسيقى والرقص؟ نحن نؤمن بأنه حكيم ويبحث دائما عن مصلحتنا الوجودية، فهل أصاب حينما انتخب الرقص والموسيقى - هذه الأشياء الدنيوية الفانية؟ إذا كانت الموسيقى تكيُّفا، فما هي المشاكل التطورية التي واجهها الإنسان والحيوانات الأخرى بعذوبة الموسيقى وحرارة الرقص؟

"الموسيقى موجودة دائما في تاريخ وثقافات الإنسان، ولديها القدرة على استحثاث المكافآت rewards وإثارة العواطف emotions الإيجابية والسلبية"، "والموسيقى لا تكون وحدها أبدا، بل تكون مصحوبة بالرقص والحركات المتناغمة الأخرى، ليس في الإنسان وحده، بل حتى في الحيوانات الأخرى". "وإلى جانب الرقص، تتشارك الموسيقى الكثير من الصفات والدوائر العصبية neural circuits مع الكلام". لكن برغم هذا يبقى وجود الموسيقى مُلغِزا وسرُّ نشوئها محيِّرا. "منذ داروين (1871)، الكثير من العلماء اعتقدوا أن موسيقى الإنسان يجب أن تكون تكيُّفا adaptation" أي يجب أن يكون الإنسان واجه بعض المشكلات التطورية التي تطورت الموسيقى لحلها. دراسات التوائم وعَمَهِ الموسيقى الفِطري congenital amusia (عدم القدرة على ملاحظة، تذكُّر، إدراك الموسيقى منذ الولادة) أكدت أن للقدرات الموسيقية أسسًا وراثية. لكن السؤال هنا "ما هي الضغوط التطورية المسؤولة عن نشوء الموسيقى والمشاعر الموسيقية؟".

هناك العديد من النظريات التي أجابت على هذا السؤال:
1- نظرية الانتخاب الجنسي sexual selection لداروين (1871): الموسيقى والرقص تطورا لفوائدهما في اجتذاب القرناء الجنسيين.
2- نظرية اتصال الأم بالطفل mother-baby connection لديسيناياكي (2000): احتياج الطفل إلى الاتصال بأمه يمكن أن يؤدي إلى تفاعُل مبني على الموسيقى [1].
3- نظرية التماسك الاجتماعي لبراون (2000) [1]. 

لكن في دراسة مثيرة (2015) [2] يقدِّم  Tianyan Wangمن جامعة تسينغ-هوا الصينية فرضية أخرى لتفسير نشوء الموسيقى والرقص والكلام من منظور أحيائي اجتماعي. وفقًا لتأثير دوبلر (نسبة إلى الرياضي الفيزيائي النمساوي كريستيان دوبلر: هو تغيُّر التردد أو الطول الموجي بالنسبة لمُستمِعٍ يتحرك نحو مصدر الصوت أو بعيدا عنه) [3] يرى Tianyan Wang أن الموسيقى والرقص يشكلان نوعا واحدا من الحركات (الحركات الإيقاعية rhythmic movements). ثم يفترض أن نظام المكافأة والشعور المتعلِّقين بالحركات الإيقاعية RRRE)) الذي يدفعنا للبحث عن الموسيقى والأحداث الإيقاعية نشأ لتكييف المتعضِّيات -الكائنات- مع بيئاتهم الداخلية والخارجية. ويرى أن نظام RRRE يستدعي نوعا آخر من المكافآت والمشاعر المتعلقة بالمجتمع تُدعى (SRRE).

ما هي علاقة الموسيقى والرقص ببقائنا؟ 
كما عرفنا، الموسيقى والرقص ينشطان نظام (RRRE) الذي بدوره يؤدي إلى تنشيط وظائف بيولوجية مثل الانتخاب الجنسي، ووظائف اجتماعية مثل تقوية علاقة الأم والطفل، ويعزز التماسك الاجتماعي. وهنا تغدو هذه الوظائف التي اعتُقِد أنها هي الضغوط التطورية التي جعلتنا نبحث ونستمتع بالموسيقى، تغدو هذه الوظائف ضغوطا ثانوية للضغط الأولي البيولوجي الذي هو نظام RRRE المسؤول عن نشوء الموسيقى كتكيُّف مع الحركات والأحداث الإيقاعية الداخلية والخارجية.
الحركات الإيقاعية موجودة بكثرة في البيئات المختلفة (الماء، الهواء، الأشجار) وتنتج بسبب قوى الطبيعة (الرياح، المد والجزر) أو بفعل الحيوانات؛ لذا تكيَّفت الكائنات المائية aquatic والبرية arboreal مع هذه الإيقاعات لمعايشة البيئات المرنة التي تحيط بها. الحيتان المفترسة وأُسود البحر مثلا طوَّرت حركات سباحة مميزة للتوافق مع بيئة المحيطات المتقلِّبة. من هنا يكون إدراك وإنتاج الحركات الإيقاعية وأيضا التناغم مع الإيقاعات الخارجية والداخلية بالغ الأهمية لبقاء الكائن المتعضي وتكاثُره؛ لهذا السبب طورنا نظام المكافأة RRRE من أسلافنا المائيين والبريين.

سبب بيولوجي أولي؟
هذا يعني أن الموسيقى تطورت لمواجهة ضغوط تطورية مهمة لبقائنا. وفي الواقع، تذكر دراسة حديثة (Sescousse et al., 2013) أن المكافآت المتحصلة من الأحداث الإيقاعية هي مكافآت أولية، أي كتلك المتحصلة من الطعام والجنس. بل إن تناغم الكائن المتعضِّي مع الأحداث الإيقاعية يمكن أن يكون أكثر أهمية لبقائنا من الطعام والجنس!
إذن ببساطة، نحن نستمتع بالموسيقى ونتراقص معها لأننا نبحث عن إرضاء أنفسنا وإشباع مشاعرنا، ما نبحث عنه يوفِّره لنا نظام تطور منذ القِدم لدى أسلافنا السابحين ومتسلقي الأشجار؛ وهؤلاء الأسلاف أصلا طوَّروا هذا النظام (RRRE) ليتغلبوا على تقلبات البيئة الإيقاعية (المتكررة) مثل حركات المد والجزر وهبوب الرياح.

هذه الدراسة معقدة ومتعددة الأهداف، فهي تبحث عن أصول الموسيقى والرقص والكلام معا، ولكنها على كل حال تنوِّرنا بافتراضٍ جديد يمكن أن يكون هو الضغط التطوري الذي أدى إلى تطويرنا هذا الشغف بالموسيقى والحركات الإيقاعية المصاحبة لها.

شكرا عزيزتي الطبيعة، تسقط التُّهمة! 
الخلاصة هي أن الانتخاب الطبيعي لم يكن ثملا، بل عاقلا جدا وحكيما كما نعرفه، إذ جمع بين الضرورة البقائية (التواؤم مع البيئة المتقلبة) والفوائد التكاثرية (الانتخاب الجنسي وعلاقة الأم بالطفل) ولمَّ شمل المجتمع في النهاية.


المراجع: 
[1] ir.lib.uwo.ca/cgi/viewcontent.cgi?article=1069&context=lme
[2] www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4332322

01‏/05‏/2016

قصور الانتباه وفرط الحركة: بقايا مجتمعات الصيد؟



ألبرت آينشتاين وغاليلو ودافينشي وغراهام بل وموزار والكثير من العلماء والمشاهير شخصوا بقصور الانتباه وفرط الحركة أو كانت لديهم الكثير من أعراض هذا الاضطراب [1]. 
التعريف [2]: قصور الانتباه وفرط الحركة (Attention Deficit Hyperactivity Disorder) هو اضطراب عقلي يتميز بنمط مستمر من قصور (نقص) الانتباه inattention و/أو فرط الحركة والاندفاعية hyperactivity-impulsivity ويؤثر سلبا في النمو والأداء.
لكن ليس كل نقص انتباه أو فرط في الحركة يُعد مرضا. هناك تعريفات محددة لكل جزء من هذا التعريف. 
قصور الانتباه يعني أن الشخص يعاني من الشرود (التشتت) أثناء أداء الأعمال، ومن صعوبة التركيز، وعدم الثبات، واللا انتظام، بشرط ألا تكون هذه المشكلات نتيجة عدم الفهم (أي يكون فهم الشخص سليما للمهمة التي يؤديها). 
فرط الحركة يعني أن الشخص يتحرك باستمرار حتى عندما لا تكون الحركة مناسبة أو ضرورية، ويتململ، يتنصَّت أو يتكلم بإفراط. وفي البالغين، قد يكون الشخص غير مستقر ويُتعب الآخرين بنشاطه. 
الاندفاعية تعني أن الشخص يُقدم على أفعال طائشة بلا تفكير، ولديه رغبة في الإيذاء أو رغبة في المكافأة المباشرة أو عدم القدرة على تأجيل المُتع. الشخص المندفع قد يكون فضوليا ومتطفلا، وقد يقاطع الآخرين ليُدلي بقرارات متسرعة بدون احتساب عواقبها.

انتشار ADHD حول العالم بالتفصيل، الحد الأعلى في
أميركا الجنوبية تقريبا 12%، والحد الأدنى في الشرق الأوسط تقريبا 3%
والسبب في رأيي أن دراسات الشرق الأوسط قليلة. 
الإحصائيات [2]:
عالميا، الأطفال 5.29%، المراهقون 7.1%، البالغون 3.4% (2007).
كان يُظن أنه مرض مرتبط بالطفولة، لكن هناك دراسات أثبتت استمراره إلى سن البلوغ في أكثر من نصف المرضى (50-66%).
الشيوع بين الذكور غالبا أكثر من الإناث.
في السعودية [3,4,5,6]: 
الرياض: ازداد معدل الانتشار من 12.6% (1996) إلى 25.5% (2003).
الدمام: 16.4% (2008).
جدة: 11.6% (2013) . 
جازان: 13.5% (2013).

انتشار ADHD في بعض الدول،
حيث يصل إلى 5.2% في أميركا وإلى 1.2% في أسبانيا
الأعراض والعلامات [7,8]:
أهم أعراض هذا الاضطراب هي نقص الانتباه (صعوبة الإصغاء، سهولة المقاطعة، إصدار أخطاء تدل على اللامبالاة، النسيان، إضاعة الأشيا...) وفرط الحركة (يصعب على الشخص أن يبقى هادئا، يتململ دائما، الأطفال يتحركون في كل مكان، يقفزون على الأثاث...) والاندفاعية (يكون الشخص عجولا ومنطلقا ويجد صعوبة في انتظار دوره...). بعض الأشخاص قد يعانون من أحد هذه الأعراض، بينما قد يعاني بعضهم منها كلها combined ADHD.
لكن للحظة قد تسأل: ألسنا كلنا نمر بحالات من نقص الانتباه وكثرة الحركة والاندفاعية؟
نعم، لكن في هذا الاضطراب، تكون الأعراض أشد وأكثر تكرارا، وتتعارض مع أداء المصابين في أعمالهم وحياتهم الاجتماعية. لذا، يتطلب تشخيص أحدهم بهذا الاضطراب أن تكون الأعراض مزمنة (تبقى لمدة طويلة)، وأن تعيق أداءه وتؤخره عن النمو الطبيعي المتوافق مع سنه.
تبدأ الأعراض من العام الثالث إلى السادس، وقد تستمر إلى المراهقة والبلوغ.
تتغير أشكال الأعراض مع التقدم في السن، ففي الطفولة المبكرة يغلب أن يكون المصابون مفرطين في الحركة hyperactive، ثم بعد دخول المدرسة يبدأ قصور الانتباه في السيطرة على السلوك العام، وهكذا حتى أن فرط الحركة يقل عند الوصول إلى سن المراهقة، ويُعبر عنه بالتملمُل وعدم الاستقرار.

عوامل الإصابة [7,8]:  لا يوجد سبب محدد لاضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة، لكن هناك بعض العوامل التي ارتبطت به في العديد من الدراسات، منها:
1- الوراثة
2- التدخين، شرب الكحول، المخدرات أثناء فترة الحمل
3- التعرض للسموم البيئية (الرصاص، مثلا) في سن مبكرة
4-  الوزن المنخفض، أو نقص الأكسجين عند الولادة
5- إصابات الدماغ
6- بعض الأطعمة مثل: المأكولات ذات الألوان الصناعية والمواد الحافظة

العلاج [7,8]: اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة من الاضطرابات النفسية العقلية المزمنة، لكن هناك مجموعة من العلاجات النفسية والأدوية وأساليب التعليم ومهارات السيطرة على القلق قد تخفف من الأعراض وتحسن جودة الحياة.
في الحالات الخفيفة mild أو المتوسطة moderate قد يكون العلاج النفسي والتعليمي كافيا. هذا يعتمد على شدة الاضطراب وتأثيره في حياة الطفل والعائلة، ويعتمد أيضا على الجزء الغالب من الاضطراب؛ بعض الأطفال يكونون مفرطي الحركة في الغالب، وبعضهم يكونون ناقصي انتباه في الغالب. 
في الحالات الشديدة، وعندما يخفق العلاج النفسي والتعليمي أو يكون غير كاف يفضل البدء بالعلاج الدوائي. الأدوية الأشهر هي التي تندرج تحت مجموعة "المنشِّطات stimulants".
قد يبدو من غير المنطقي أن يُعالج هذا المرض الذي يتميز بفرط الحركة بالمنشطات، لكن هذه الأدوية تحسن التركيز والتفكير عن طريق زيادة مستويات الدوبامين dopamine والنورإبينفرين norepinephrine. أكثر الأدوية استعمالا هو Methylphenidate. وقد تستعمل أدوية من مجموعة أخرى غير المنشطات، مثل atomoxetine. بعض الأطباء قد يصف مضادات الاكتئاب antidepressants.

فتاة من قبيلة الآريال Ariaal في كينيا - ناشونال جيوغرافيك
الأصل التطوري:
لعل انتباهي المشتت يا أيها المنتبهون قليلو الحركة.. لعلي أستطيع أن أوزعه على أكثر من شأن. أرصد مؤشرات الماء والطعام وأراقب قطيعي وألتفت كثيرا فأكتشف المعتدي على أملاكي.
كثير الحركة أنا؛ لأنني أريد أن أبقى. طبيعة حياتي يا أصدقائي تفرض علي أن أجد كل شيء في وقت وجيز. أما أنتم فطبيعة حياتكم الساكنة تجعلكم تلجؤون إلى التحديق في شيء وحيد وتافه أكثر مما ينبغي، وهذه ليست إساءة! 
لدى اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة ADHD قابلية توريث heritability تصل إلى 70%. هذه النسبة العالية ترجح أن يكون للجينات (المورِّثات) دور مهم في سببيته، ومن هنا يكون دور الانتخاب الطبيعي.
في البداية، سنتساءل: لماذا احتفظ الانتخاب الطبيعي بالجينات المسببة لهذا الاضطراب ولم يتخلص منها؟
للإجابة، علينا أن نهتم بالمحيط الاجتماعي والظروف الاقتصادية والبيئة المحتملة التي عاش فيها أسلافنا.
في 2008 نشرت دراسة [9] من جامعة Northwestern تحت عنوان "The Evolution of ADHD: social context matters" تضع فرضية للإجابة على هذا السؤال.
ببساطة، الانتخاب الطبيعي لم يتخلص من جينات ADHD لأنها كانت نافعة يوما ما. متى كان هذا؟
يجب ألا ننسى أننا نعيش الآن في بيئة تختلف كثيرا عن تلك التي عاش فيها الأسلاف. المدارس الرسمية حول العالم والتعليم الرسمي هي اختراع مئات السنين القليلة الماضية. قبل عشرة آلاف عام كنا جماعات من الصيَّادين الرُحَّل hunter-gatherers بلا مزارع أو حيوانات داجنة. أسلافنا الذين عاشوا في هذه البيئة كانوا بحاجة إلى أن يكونوا عموميين generalists، أي أن يحصلوا على كمية كبيرة من مصادر الرزق ويمارسوا الكثير من المهارات.
كثرة الحركة، الدافعية للعمل والنشاط، قصور الانتباه المركَّز على مسألة أو مهمة واحدة هي إذن مميزات فريدة لهذا النوع من المجتمعات؛ مجتمعات الصيد. وهذا في الواقع ما حاول الدارسون بحثه.
فحص الدارسون مجموعتين من قبيلة الآريال Ariaal في كينيا: إحداهما بقيت مترحِّلة بينما استوطنت الأخرى القرى، واستطاعوا تحديد المصابين منهم بـ ADHD عن طريق اكتشاف جين DRD4 7R المتعلق بهذا الاضطراب. 
وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يحملون جين ADHD من القبيلة الأولى -الصيادين الرُّحَّل- كانت لديهم تغذية أفضل (وزن أكبر) من غير الحاملين، وعلى العكس كان الحاملون من القبيلة الثانية أقل وزنا (ربما لأنهم في البيئة الخطأ) من غير الحاملين. ووجدوا أن الأشخاص المصابين من القبيلة الثانية -الذين استوطنوا القرى- واجهوا مصاعب أكثر في التعلم (واحدة من أكبر مشكلات ADHD).
هنا نستطيع ملاحظة فارق السياق، حيث يكون ADHD ميزة في مجتمع وعيبا في مجتمع آخر.
يُشخَّص الأطفال عادة بهذا الاضطراب عندما لا يستطيعون التركيز بشكل مناسب في المدرسة، ويكون ضعف التركيز مشكلة عند البالغين الذين تتطلب وظائفهم أو طرق حياتهم تركيزا أقوى. فالمشكلة ليست في طبيعة الاضطراب، بل في السياق.
يقول قائد البحث البروفيسور Dan Eisenberg: "الأطفال والبالغون المصابون باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة دائما يعتقدون أن مرضهم إعاقة بدلا من أن يدركوا أنه قد يكون ميزة فيهم".
هذا لا يعني أن ADHD ليس مشكلة. الأطفال ذوو التركيز المشتت والحركات المفرطة في قاعة الدراسة بلا شك سيقل مستوى تحصيلهم، والموظفون قد يخسرون أعمالهم أو علاقاتهم الاجتماعية.
فما هو إذن السياق الأمثل لهؤلاء الأشخاص؟
إنه البيئة التي لا تحتاج إلى البقاء لست ساعات في الفصل كل يوم! أي خارج المدرسة. لكن هذا لا يعني أن على كل الأطفال المصابين بـ ADHD ترك المدرسة والتسكع في الشوارع.
يرى عالم النفس Peter Gray أن الأطفال إذا كانت لهم حرية توجيه تعليمهم وحياتهم فلن يحتاجوا إلى الأدوية، وسيستطيعون توظيف سلوكاتهم لصالحهم، وسيكونون قادرين على الإبداع وعيش حياة صحية. هذا في الوقت نفسه لا يقلل من قيمة العلاج الدوائي، بل سيكون من المستحسن أن يُستخدم الدواء لا كوسيلة للشفاء، بل كوسيلة لسد الثغرات لمساعدتهم على التأقلم مع متطلبات مجتمعهم.
الآن، سيكون مثيرا أن نعلم أن البالغين أقل بنسبة 50% من الأطفال في الإصابة بـ ADHD. فالبالغون لديهم حرية أكثر من الأطفال في اختيار أدوارهم التي تتوافق مع قدراتهم وفي استعمال الأدوية بانتظام.


المراجع: 
[1] psychcentral.com

يتم التشغيل بواسطة Blogger.