05‏/02‏/2017

علم النفس التطوري: فضيحة في سوق تجاري



السلوك البشري معقد، وكذلك طريقة تفكير البشر. يستند علم النفس التطوري إلى نظرية تقول أن عقول الكائنات الحية تطورت بالتدريج وليس دفعة واحدة. فكما أن أجساد تلك الكائنات تشكَّلت ببطء وبحسب ما اقتضته ظروف بيئاتها والتكيفات التي واجهتها، كذلك عقولها -السلوك والعاطفة والتفكير- لم تتشكل في يوم أو يومين، بل تطورت على طول ملايين السنين محكومة بظروفٍ وتكيفاتٍ معينة. 
يبدو علم النفس التطوري سهلا وجميلا وأنيقا إذا ما اكتفينا بقراءته وفهمه في أوقات الفرغ. فأي شيء أكثر متعة من أن نعرف لماذا نحب ونتحالف ولماذا نكره ونتقاتل، لماذا يفرحنا أحيانا ما يحزن الآخرين ولماذا يحزننا أحيانا ما يحزنهم، لماذا نرغب في شخص بعينه من الجنس الآخر ولا نرغب في شخص غيره، لماذا نغار ولماذا نشك ولماذا تغضبنا بعض الأمور وتوصلنا إلى حد التهور. كل هذه الحالات والظواهر لم تكن مفهومة بشكل جيد قبل أن يبدأ تشارلز داروين ومن بعده من العلماء بمحاولة تفسيرها وفقا لمبادئ نظرية التطور. 
لكن السؤال هنا: إلى أي مدى يمكننا توظيف علم النفس التطوري في حياتنا الشخصية اليومية؟
في هذه التدوينة وتدوينات أخرى سأسرد بعض المواقف الحقيقية من حياتي بلغة علم النفس التطوري. 

دعوني أبدأ بأقرب الأحداث إلى ذاكرتي.
الساعة العاشرة مساء، في أحد الأسواق التجارية، كنت أنتظر اثنتين من قريباتي عند السلَّم المتحرك، لمحتهما آتيتين من الطابق السفلي، إحداهما كانت تحمل وردة حمراء في يسارها. وحينما وصلتا إلى الطابق الثاني كان يقف رجلٌ يرتدي ثوبا أبيض وغترة حمراء، كان يحمل جواله الموصول بأذنيه عبر سماعة، اقترب منهما وأنا أتابعه بحرص، تكلم مع التي تحمل الوردة وأنا أحاول سماعه، كنت باردا وهادئا جدا، بل كنت أستبعد أن يزعجني مثل هذا السلوك. 
عندما وصلت قريبتاي كانتا خائفتين، كنت أنا قد أهملت الموقف تماما وتهيأت لنسيانه، فما الغريب في أن يتقدم رجل من كوكب الأرض إلى امرأة من نفس الكوكب ويسألها عن أحد المحلات؟ أو يبدي إعجابه بكل تهذيب؟
كانت إحداهما خائفة جدا والأخرى لا تقل ارتباكا عنها، ناولتني الوردة قائلة: هذه هدية مني! بينما قالت الأخرى: آه، يكاد قلبي أن يتفجر من الرعب. نظرت إليه نظرة مهتاجة ثم قلت لهما: هل آذاكما بكلامه؟ قالتا: قليل الأدب كان يطلب أن يتصور معنا. في ذلك الوقت تماما، في غضون بضع ثوانٍ كاد قلبي أن يتفجر أنا الآخر، ولكن ليس من "الرعب" بل من شيء آخر كنت أجهله حينها.
ناولتها الوردة ومشيت نحوه، كان برفقة اثنين من الرجال صاعدين إلى الطابق الثالث، عرفتُ أنه رآني وأدرك أنني سأفعل شيئا. كان يتجنب النظر إلي وكنت أقول في نفسي: لا يستحق الأمر عراكا، لكنني سأهينه بالكلام.
ناديته بهدوء وقلت له: قل لي، هل تحب أن تتصور مع كل امرأة تحمل وردة في هذا السوق؟! فاحمرَّ وجهه وقال فورا: من؟ لا.. ما قصدك؟ كان رجل الأمن قريبا، سألني رجل الأمن: هل من مشكلة؟ فقلت: نعم، هذا الرجل اعتدى على عائلتي وأريد أن أقتص منه.
لم يتكلم الرجل، لكن أحد أصدقائه قال بلهجة عنيفة لرجل الأمن: وما شأنك؟ وأخذا يتضاربان. تراجعتُ أنا لأنني لم أرد أن أخوض عراكا جسديا وأتورط، فقط حافظت على هدوئي وكان شعورٌ غريب يسيطر علي، لا أدري ما هو بالضبط، لكنه كان مزيجا من الرضى والسخط.

تجمَّع رجال الأمن والمتسوقون وأصحاب المحلات، عدتُ إلى قريبتيَّ وطلبت منهما الابتعاد عن المشهد والاطمئنان علي، كنت أتوقع أن يتطفل أحد المتسوقين ويصور الحادثة وينشرها على مواقع التواصل.
في ذلك الوقت كنت أشاهد الجدل العالي بين رجال الأمن وأصدقاء الرجل. شعرت بالحماس، أردت أن أهينه أكثر، فدخلت إلى المشهد. سألني كبير رجال الأمن: ما الذين فعله بك هذا الرجل؟ فقلت بهدوء: لقد اعتدى على عائلتي ولن أتكلم معكم إلا في المكتب. وبينما أنا أتكلم معه، لمحت صاحب الثوب الأبيض يحاول الفرار فطلبت من رجال الأمن الإمساك به.
هبطنا إلى الطابق السفلي وكان المتسوقون يتجمعون حولي محاولين معرفة ما حدث، أخبرتهم بأنه تجاوز حدود الأدب مع عائلتي، فأيَّدني بعضهم بالمطالبة بالاقتصاص منه، أما بعضهم فحاولوا تهدئتي. بيد أني لم أكن غاضبا بقدر ما كنت مضطربا.

كنت أراجع نظريات علم النفس التطوري في ذهني، كنت أتذكر دراسات ديفيد باس وروبن دونبار وتوبي وكوسميديس، فأفكر في ما يدفعني إلى الغيرة والغضب وفي الوقت نفسه فيما يدفعني إلى البرود والهدوء. فوفقا لعلم النفس التطوري، كان ذلك الرجل معتديا مثيرا للرعب، وكان في الوقت نفسه رجلا يحاول الوصول إلى امرأة. كنت أرى الناس الذين تركوا أعمالهم وتجمعوا وأنا أدرك أن الأمر الوحيد الذي دفعهم إلى التجمهُر هو البحث عن النميمة/الثرثرة، هذا البحث الذي طالما ساعد أسلافنا على تحديد الشاذين عن الجماعة ونبذهم، بل طور من روابطهم الاجتماعية ولغتهم، فكم رجلا كان سيهتم لأمري ما لم يحدث الذي حدث؟ كان شعوري بالرجولة يتضخم وأنا أرفع بصري إلى قريبتيَّ في الطابق الثاني وهما تشعران بالأمان والحماية والخوف علي. كنت أنظر إلى الرجل الذى آذاهما وهو محاط بشتائم المتسوقين وأصوات رجال الأمن المرتفعة. كنت أنا الرجل المنتمي إلى الجماعة وكان هو الخارج عنها المنبوذ منها.

ذهبنا إلى مكتب الأمن في انتظار وصول شرطة المدينة. قال لي الرجل: ماذا فعلتُ لك؟ أستطيع أن أعطيك ما تريد لكن لا توصل الأمر إلى الشرطة. فأجبته بهدوء: لن أتكلم حتى تصل الشرطة. وحينما أثقل علي بالكلام أحببت أن أكسب المزيد من تشجيع الآخرين فسألتهم: هل بينكم أحد يرضى أن تتعرض أخته أو أمه للإهانة؟ فأجابوا جميعا وبغضب: لا! فكسبتُ تأييدهم وخسر هو كل ما يمكن أن يخرجه من قبضتي.

تأملوا إجماع الجميع على قول "لا". إن هذا لا يعود إلى تربيتهم أو ديانتهم أو ثقافتهم بقدر ما يعود إلى سيكولوجيتهم/نفسيتهم التي تشكَّلت عبر تاريخ تطوري طويل لتتكيف مع مثل هذه المشكلات. إن الذين قالوا بصوت واحد "لا" كان يمكن أن يقولوا "نعم" لو أنهم في حفل زواج مرتَّب بين رجل متميز وامرأة عفيفة. ما الذي غير رأيهم؟ إنها الكُلفة التطورية. فإذا حسبنا هذه الحادثة تفاضليا وتكامليا فإن منفعة الرجل -إذا قبلت قريبتي بالتصور معه وأعطته رقمها- ستكون كُلفة في حُسباني. كيف؟

أولا، كان من الواضح أن الرجل لم يكن جادا ومخلصا في طلبه، وهذا يعني أنه أراد علاقة قصيرة المدى وليس علاقة طويلة المدى (الزواج). ثانيا، كونه غير جاد أو مخلص كان من الممكن أن يعود على قريبتي بتكاليف وخسارات عدة: قد يصل إليها جنسيا ويذهب إلى غيرها مدفوعا برغبته في التكاثر بأدنى التكاليف، وستخسر هي تسعة أشهر من حياتها في التعب والألم والخوف ثم ستقضي عمرا لا بأس به في تربية طفل بلا أب. ثالثا، من الممكن أن الرجل كان يريد قريبتيَّ له ولأصدقائه، وهذا التحالف ضد قريبتي كان يعني لي أنهما أعداء يجب التخلص منهم، فمن يدري هل يبتزُّونهما أو يقتلونهما أو يخطفونهما؟ كل هذه الاحتمالات التي خطرت ببالي فيما بعد كانت خسائر بالنسبة لي ولأسرتي ولكامل مجتمعي. رابعا، كان الرجل يمثل تهديدا صريحا لسمعتي وسمعة قريبتيَّ، هذا التهديد الذي ستترتب عليه خسارات أكثر، فقد لا يرغب أحد في الزواج من عائلتي ذات السمعة السيئة، وقد لا يرغب أحد في الاستثمار الاقتصادي معها، وقد لا يرغب أحد في التعامل معها بأي شكل من أشكال المعاملة الحسنة التكافلية الاجتماعية، أي قد تُنبَذ عائلتي من المجتمع كله بفعل رجل متهور يبحث عن لذة مؤقتة.

وصلت الشرطة. طلب مني الشرطي إحضار بطاقتي الشخصية وسألني إن كنت مصرا على إيصال الأمر إلى الشرطة أو التنازل وحل المشكلة بالتراضي. كنت أعلم أنني لن أوصل الأمر إلى الجهات الجنائية والقضائية حرصا على سمعة قريبتيّ. فلا أحد يدري كيف سينظر إليهما المجتمع بعدما يعرف أنهما استُجوِبتا في المحاكم لأجل قضية جنسية! لكنني افتعلتُ الإصرار لأرضي نفسي بالمزيد من إهانة ذلك الرجل.
أخذتُ قريبتيَّ بالسيارة وذهبنا إلى مركز الشرطة. كنت أشعر بالانتصار. التفتُّ إليهما وهما لم تزالا خائفتين من عواقب إصراري، وأشرتُ إلى الرجل ضاحكا وهو مقيَّد في سيارة الشرطة ومحاطٌ بكل الذل والصغار. طمأنتهما بأن الأمر سيبقى سرا بيننا وبأنني سأتنازل لكن بعد إرهاقه. سألتهما ونحن في الطريق إلى قسم شرطة المدينة: ما كان شعوركما وهو يطلب منكما التصور معكما؟ قالت إحداهما: كنت خائفة، وأردت أن أناديك. وقالت الأخرى: كنت أرى أنه غبي وحقير وودت أن أضربه وأدفع به إلى الطابق السفلي. ولا عجب أن التي فكرت في العنف كانت هي التي ستتحمل أكثر التكاليف، أي صاحبة الوردة التي تكلم معها مباشرة.

وصلنا إلى قسم الشرطة. اختلا الضابط بكل منا وعرف منه تفاصيل القضية، ثم جمعنا وسألني إن كنت لم أزل مصرا على رفع الأمر إلى الجهات الأعلى فأجبت بالإيجاب. عندها أدرك الرجل خسائره الشخصية مقابل منفعته المحتملة. فمن جهته هو كان سيُعاقب جسديا بالسجن وماديا بدفع الغرامة المالية ومعنويا بسوء السمعة. وإذا افترضنا أن ادّعاء أصدقائه بأنه "متزوِّج" صحيح فقد يخسر عائلته وطفلتيه. عندما أدرك كل هذا -ولو على مستوى اللاوعي- خرَّ ذليلا وطلب مني أن أسامحه. قال: أرجوك يا أخي، نحن مسلمون وأبناء عمومة وأنا وأصدقائي ضيوف عندكم فلا تورطني.
ولعلكم تلاحظون سيكولوجيا اعتذاره هنا، فهو يناديني بالأخ، ويذكرني بالانتماء الثقافي والعرقي وواجب الضيافة. لقد كان الأحمقُ يستعمل علم النفس التطوري بطريقة أفضل مني!
سامحته أخيرا بعدما طلبت أن يكتب إقرارا بخط يده وبصمة إبهامه، ثم عدت إلى عائلتي وسط موكب من الشكر والدعوات من أصدقائه الذين كانوا قد صاروا ثمانية.

في النهاية، لم أكن راضيا على افتعال كل تلك المشكلات تماما. فأنا رجل ناضج وأعرف أن من الطبيعي جدا أن يبحث الرجل عن علاقات جنسية طويلة المدى كانت أم قصيرة. وأعرف أيضا أنني كنت أستطيع إهمال موقفه والتغاضي عنه بدون أن يحدث شيء مما ذكرتُ لي ولعائلتي. لكنني كنت مدفوعا بغريزة أقوى مني... غريزة أطول عمرا بكثير من الحضارة وتعقيدات نمط الحياة العصري الذي نعيشه، غريزة لم تتركني مقيد اليدين بل هيَّجتني وأصابتني بسُعار غريب. وإذا نظرنا إلى الحادثة من جهتي، أي إذا كنت أنا المتورط وهو المطالب بحقه، فأنا لم أكن لأرضى بأن أُهان كل تلك الإهانة وأصاب بكل ذلك الرعب، لكن الفارق ربما يكمن في طريقة الطلب. فهل من التهذيب أن يقحم رجل نفسه بين امرأتين لا علاقة له بهما بتلك الطريقة؟ أما لو رجَّحنا رغبته في علاقة قصيرة المدى فالسوق التجاري ليس مكانها الصحيح، بل بيوت الدعارة وبائعات الهوى.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.