20‏/07‏/2015

من الذي أدخل يده في جيبي؟ (8)





* بدايةً لقد فوجئت اليوم أثناء قراءتي في قصة الحضارة (ول ديورانت) الخبر التالي: "كانت الأم تقوم على رضاعة طفلها من عامين إلى أربعة أعوام، بل قد تمتد الرضاعة أحيانا إلى اثني عشر عاما. فيحدثنا رحالة عن ولد أخذ في التدخين قبل أن يفطم عن الرضاعة!".

لم أملك إلا الضحك ساعتها وإعادة النظر في ندائي في الجزء السابق (7) للأمهات بأن يرضعوا أطفالهن جيدا. ولكن ليس اثني عشر عاما بالطبع، هذا سيدفعه إلى التدخين دفعا.
كيف نساعد حسن؟
إن حسن، أولا وآخرا، يحتاج إلى مساعدة مَن حوله. وكلُّنا ذلك الحسن. إن من الخطأ أن نبدأ مساعدته من حيث انتهى هو، أو من حيث استقر على طريقته التي وجد أنها ناجعة. حسن الآن مُدخِّن مسرف، ومُخزِّنٌ (يأكل القات) أيضا.
الحاجة الأولى التي بدأ حسن يعلن عنها قد تكون حاجة الاهتمام أو التمييز أو الحاجة الجنسية. ودون أن نكون متعسِّفين، للحاجة الجنسية دور كبير في ما هو عليه الآن.
الناظر إلى تاريخ حسن الذي أوردناه سابقا بعينٍ متفحِّصة يجد أن القات في النهاية يختزل الحاجة إلى الوالد والجنس والمال والبيت والسجائر، بطُرُق ملتوية. وللأسف، فإن المدمن كلما تقدمت به المرحلة صار أكثر غموضا بالنسبة إلينا وحتى بالنسبة إلى نفسه؛ لأن دوافعه صارت هي ذاتها غامضة، وهي عبارة عن رواسب لخبرات سابقة كثيرة جدا لم تتبق منها سوى هُتافات تحث اللاوعي على فعل شيءٍ لإسكاتها. ومن ثم فإن التعامل مع مدمن متقدِّم في الإدمان عمل شاق حين ينعدم التاريخ الشخصي الدقيق منذ الطفولة.
إن من الصعب هدمُ آلة ضخمة بضربة واحدة، ولا بألفِ ضربةٍ باليد. ولكن تفكيكها إلى قطع صغيرة ومتوسطة سيعينُ على التخلص منها ونقلها إلى مكان آخر. ليسَ حسن آلة، حسنُ إنسان حالم. لكنه يهتف منذ سنوات طويلة ويُنادي بحاجاته ولكن أحدًا لا يسمعه. ولئن لم يسمعه أحد بعد أن بحَّ حلقه، سيضطر إلى أن يعيش حياته المتبقية بليدًا ومتأزِّمًا مع نفسه.
إن القات الآن ليس مجرد نزوة مراهِق، أو طيشَ شابٍّ. إنه معقَّدٌ يتركب من نزوات كثيرة ومعقدة هي كذلك. ولكن من حسن الحظ أن كل هذه المركبات يربطها خيطٌ واحد وهو جوعُ الاهتمام. نعم، فحسن جائعٌ لاهتمامٍ ما.. يحتاج يدًا حنونة ترشده إلى السعادة التي أخطأ طريقها دون أن يدرك شيئا مما فعل.
إذن، فأفضل ما نبدأ به معالجة حسن هو موضوع الأسرة. فإصرار أسرته على معاملةِ حسن المنحرف والضال والتائه تقصيه من البيت وتحطمه. وهذا يبقيه طوال الوقت خارج البيت، الأمر الذي لن يكون لصالحنا بالمرة.
الواجب على أسرة حسن أن يحترموه ابنًا وعضوًا منهم وألا ينبذوه. أن يشاوروه في أمورهم، يمنحونه ثقتهم وحبهم. حتى لو خيَّبهم وأبدى عصيانًا في البدء. إلا أنه يعبر عن صدمته فحسب. شأنه شأن أي واحدٍ منا يأتيه خبر نجاحه بتفوُّق في مادة ضمن سقوطه فيها، خصوصًا إذا سمع الخبر وفي يده كأس زجاجي، فقد يرميه في أقرب حائط.. قد يرميه في وجه من يزف إليه الخبر (احذروا!). ولكنه يوما بعد يوم، واهتماما بعد اهتمام، سيشبع جدًّا وسيبدأ بالتخلي عن عاداته السيئة.. حتى يعود حسن جميلا كما كان.
حسن الآن ليس قبيحا بالمناسبة، ولكنه سيصير أجمل لو رأى العالم من إطارٍ وسيع.
في حياة حسن، مؤكدٌ أنه يسمع يوميا إهانات والده وطرده له من البيت والتشكي منه على إخوته وأمه وقطع المصروف عنه. وكل هذه التصرفات الخاطئة من والده وأسرته ستزيده عصيانا وبعدا عن البيت.
يحضرني الآن تفسير منطقي كما أظن لنفور حسن من البيت والمسجد والمدرسة. إن والده موجود في كل هذه الأماكن. إنه ينفر من والده في الحقيقة. ولكنه لا يكرهه.
والد حسن يجب عليه أن يتفهم موقفه، وأن يحسن معاملته وأن يحاول ممارسة الحب غير المشروط معه، وحتى مع غيره. يجب علينا كلنا أن نفهم هذا النوع من الحب وأن نسخر حياتنا له.
ولا يخفى علينا أن حسن (الطفل) هو من سنتعامل معه ونساعده؛ لأن حسن (الوالد) شبه غائب، وكذا حسن (الراشد). وهذا الغياب يفسره تفكير حسن القاصر وثقافته الرديئة. إذ تلعب الثقافة دورا رئيسا في خلق هذه التسجيلات والتحكم بها.
وكذلك كل أفراد الأسرة. أعني يجب أن يحبوا حبا غير مشروط. والجلسات النصحية والمواعظ وإبداء الشفقة لن يجدي شيءٌ منها الآن، كما لم يجدِ سابقا. فحسن الآن يدعي أنه مستقلٌم وكامل الحرية. يدل على هذا أنه لم يعد يختفي لممارسة عاداته السيئة، بل يجاهر بها كالذي يقول "لقد ربحت الرهان على حريتي.. موتوا بغيظكم".
وخطأنا دائما هو أننا نوحي إلى الذين ننصحهم بأننا نملك الحقيقة المطلقة وأننا نشفق عليهم. وهذا جهلٌ بأدب النصيحة يجب أن نتجنبه. فديننا دينُ النصيحة (الإسلام) وربنا الأعلى قد نبذ هذا الأسلوب الإرشادي في كتابه الكريم (القرآن). كما يتجلى نصحهُ وإقناعه العملي التجريبي في القصة التي سأقتبسها من سورة البقرة.
{أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير259}.
والتأمل العميق في هذه الآية يرشدنا في النهاية إلى حقيقة لطيفة. هي أن الله لا يستنكف أن يُحييَ حمارًا ليجيب على سؤال رجلٍ يمر بقرية خاوية.
نحن بعد كل هذا، جدير بنا ألا ندعي ملكيتنا للحقائق المطلقة والترويج لها بغباء لم يعد الناس يتقبلونه. علينا أن نتواضع للآخرين. وأن نثبت لهم أننا في نفس مستواهم ولكننا نملك عيونا وهم يرونَ من خلالِ مناظير بالية. علينا أن نقول لهم "هذه هي السعادة" ونضع أيديهم عليها. لا أن نسخر منهم فنقول "هناك سعادةٌ ما.. أنتم محرومون منها".
مجمل القول أن سبيل مساعدة حسن هي أن نفهم ماذا يريد وكيف نوصله إلى ما يريد دون المرور بأية استراحات وعظية يمكن أن تشككه في إخلاصنا له.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.