11‏/09‏/2015

سماوات جائعة: لقاء صحفي (1)



غلاف الطبعة الثانية 2015، تصميم: عادل حكمي

هذا ما حصل لي، شكرا للصحافة السعودية، شكرا كثيرا. سأوضح الآن بعض الأمور. حدث في لحظة من لحظات شتاء 2014 أن كنت في مدينة الدمام، وهي مدينة حبيبة أفضل زيارتها. وبينما كنت أستمتع بالبرد الذي يهجم ليلا على الشواطئ والمقاهي ويعطي أحدنا ثقة خاصة بنفسه وبدفئه، قررت أن أكتب رواية. لم أعرف شيئا إلا أنني قررت ثم نسيت الأمر تماما، ولم أكن كاتب قصص إلا نادرا، بل كنت شاعرا مقلا. وعندما عدت إلى جازان بعد عدة أيام اندفعت بإحساس شديد بضرورة تفريغ خبراتي الشعورية السابقة في قصة طويلة. وفي الحقيقة، لم أستطع التمييز بين ما يسمى القصة الطويلة والقصيرة والرواية، فكلها كانت عندي فيلما أود أن أخرجه أنا، وأشتهي أن أكون جزءا منه. 
دعوني الآن أكن مملا، سأنتقل إلى موضوع آخر، ركزوا معي...
بعد أن نشرت روايتي الأولى (سماوات جائعة)، لم يتحرك شيء حولي، كنت الوحيد القارئ والكاتب والناقد العابس الذي يبحث عن الأخطاء الزمنية. أعجبتني لوحة الفنان البلجيكي رينيه ماغريت "العاشقان"، خصوصا بعد قراءة القصة التي نُسجت حولها، فاخترتها لتجسد حرمان "فراس" وبُعد "نجوى". 
قلت إنني كنت وحدي عالم القراء الذي التهم هذه الرواية، وصارت "الأكثر مبيعا في عالمي"، حتى إنني صدقت ذات مرة أن روايتي تحظى بانتشار مشرِّف. 


غلاف الطبعة الأولى 2014، تصميم: عادل حكمي
بقيت لمدة سنة كاملة أقرأ النص الذي حفظته بين الوقت والآخر، وأحاول رمي الروابط هنا وهناك، فأسعد حين أحظى بأستاذ من أساتذتي يقول لي: "سماوات جائعة ليست رواية"، حقا؟ رائع، سأكتب "ليست روايات" أخرى، ولا أدري ما الذي منعني أن أصنف (سماواتي الجائعة) في الطبعة الثانية "ليست رواية". لكنني وجدت حافزا كافيا في بعض ردود القراء الأوائل، واستنتجت أن علي القيام بالتالي: تقليص عدد الصفحات الذي وصل إلى 299 في الطبعة الأولى، وترتيب الفصول واستبعاد بعض الشخصيات ضعيفة الحضور. 
هل قلت الطبعة الثانية؟ سأدخل الآن في صلب موضوعي. لقد هاتفني مساء عند العاشرة، بالتأكيد هاتفني قائلا:
- الأستاذ رمزي الحكمي؟
فقلت بتردد:
- هلا.
كانت لغته جادة ومختصرة، كيف لا؟ وهو من كبار الصحفيين السعوديين. عندما عرفت أنه هو اقشعر بدني، وتوقعت فجأة أنني سأكون استثناء في عالم الفكر: الوحيد الذي يصير مشهورا جدا بأول عمل أدبي! طلب مني أن أعطيه موافقتي.
- علام؟
- سأوثق لقاء صحفيا معك، قرأت روايتك ووجدت أنها جيدة.
- ها؟
أقنعني باختصار بالموافقة فوافقت، ثم حدد لي موعدا بعد يومين كاملين، بحيث يتهيأ هو خلال اليومين ويجهز أسئلته، وأراجع أنا بعض معلوماتي. لم أسمع من قبل عن صحفي سعودي يعرف كلمة "جيدة"، فاجأني هذا الرجل بصرامته وإخلاصه لفكرته. وهذا شجعني على القبول والاستعداد. 
بعد يومين كاملين، اتصل بي في الساعة المحددة، واعتذر عن صعوبة مقابلتي شخصيا بسبب سفره:
- ستحتملني لبعض الوقت حتى أنتهي من أسئلتي، ثم لك أن ترسل إلي ما تريد على البريد الإلكتروني. رمزي، سأنشر هذا اللقاء، وستحظى بمراجعات كبار الكتاب المحليين، راجع روابط الرواية وأصلحها بسرعة إن كانت تالفة. 
- حاضر.
سألني أسئلة تتعلق بتاريخ ميلادي ومكان الولادة ومتى كانت أول مرة أحببت فيها الأدب العربي... أسئلة روتينية ستجدون إجاباتي "المتكلفة" عنها في الصحيفة. ثم بدأ يصل إلى الرواية. في الحقيقة، كنت أعرف شكلين من أشكال الناس الذين يستجيبون للصحفيين، الشكل الأول هو شكل الروائيين الخليجيين الذين يجيبون إجابات قصيرة ويرفضون التصريح بحالتهم الاجتماعية، والشكل الثاني هو شكل المصارِع عزَّام في المسلسل الكرتوني "النمر المقنع". فاخترت أن أكون وسطا بينهما، أي: خليجيا فيما يخص "من تكون البطلة نجوى؟"، وشبيها بعزام عندما يتعلق الأمر بالإجابات المفيدة. 
وسأنقل إليكم الآن أهم تفاصيل حديثنا الطويل الرائع...

- من ألهمك "سماوات جائعة" الاسم؟
ضاحكا قلت:
- صباح ممطر في الطريق إلى الكلية.
- أرجو أن تكون أكثر وضوحا.
- إذن، لقد جاء هكذا بينما كنت أحدق في السماء.
انتقل بسرعة الحريصين على وقتهم:
- ومن ألهمك "سماوات جائعة" الرواية؟
- مممم، هل علي أن أطيل الكلام؟
- أرجو أن توجز، فأنا أستمع وأكتب.
- إذن، ألهمتني ذاكرتي. السماوات الجائعة هي خلاصة ذاكرتي أثناء الكتابة (إنني هنا خليجي بغترة وعقال)، لا بد أن تجد في الرواية شيئا ما مشابها لك، إذا شاءت الصدفة أن تتشابه ذاكرتانا.
- رمزي.. كلامك يشبه الفصل الأول من الرواية، هل تعدني أن تجيب إجابات واضحة؟
- طيب.
توقف قليلا، استأذنني بأدب:
- هل أستطيع تسجيل المكالمة؟
- موافق.
- شكرا، إذا سألتك عن ثقافتك الروائية قبل أن تكتب سماوات جائعة، هل تستطيع أن تصفها لي؟
- طبعا، ضحلة جدا، لا تزيد عن روايتين، والكثير من الروايات الممثلة في أفلام. 
- تستطيع ذكر واحدة منها؟
- أختار رواية "Empire of The Sun" لجيمس بالارد التي مُثلت في فيلم رائع أنصحك بمشاهدته.
- وإذا طلبت رواية عربية؟
- آآآ، "غواية الماء" لابتسام تريسي، أنصحك بقراءتها لكن بعدم الطمع في فهمها تماما.
- دعنا ننتقلْ (نطقها هكذا: دعنا ننتقلْ، مع أن معظم الصحفيين ينطقونها: دعنا ننتقلُ) إلى جو الرواية. إذا أحببت أن أكون قارئا مولعا بالرمزيات، وطلبت منك أن تحدد لي إلامَ يرمز بطلك (فراس أبو القاسم) أو بطلتك (نجوى)؟ 
- أولا، لا فراس ولا نجوى أبطالي، إنهم أبطال أنفسهم. ثانيا، يصعب التحديد، لأن الرمزية ستكون نسبية، لكن إذا افترضنا أنني قارئ سياسي، ففراس هو المواطن اللامنتمي، ونجوى هي المهاجرة الوحيدة التي لم تهرب!
- رائع، أنت تتهرب بذكاء، لكن سيتوجب عليك أن تكون واقعيا الآن. أنا شخصيا أحببت شخصية (شوبق)، إنه صريح وواضح الملامح ولن يكون من الغريب أن أحبه، لكن هل كنت تريد من شوبق أن يمثل فئة معينة من المجتمع الجازاني؟
- وهل يفعل غير هذا؟ إن شوبق وزوجته وأولاده هم واقع نعيشه ههنا. (إنني هنا شبيه بعزَّام المصارع).
- ليتك تبقى هكذا. 
- صف لي فكرة الرواية من فضلك، سأعد هذه استراحة نفسية لك.
- بل هي عذاب نفسي، أنا نفسي لا أعرف إلى الآن وصفا واحدا للرواية، إنني يا سيدي أؤمن بالنسبية، لكن سأحاول. (سماوات جائعة) هي مسرح تتصارع فيه الأفكار، الفكرة الجيدة متمثلة في (أنور) السائق، والفكرة المنعزلة في (فراس)، والجميلة في (نجوى)، والشريرة في (مهجة) العجوز، والفكرة الضحية في (شوبق)، والفكرة الفنية في (إيريك)... وصولا إلى الفكرة المستسلمة في (أبو نجوى). 
- جميل، لكن أما من نهاية لهذه الأفكار؟
- هدف الرواية هو أن تبقى هذه الأفكار. لاحظ أن فراسا يسأل نجوى متلهفا وهو يراقصها: لماذا كنت تكتبين؟ فتجيب: لأقتل الموت. فنحن أمام بشر يريدون أن يبقوا بأفكارهم بعد فناء أجسادهم. فراس كان واحدا من أبناء هذا العصر الذين يتذبذبون بين نظرياتهم العلمية وحاجاتهم النفسية.
- بدأت أقتنع. 
- هذا يسعدني.
- ستسمح لي إن سألتك عن سبب اختلاف الطبعة الثانية التي بين يدي عن الطبعة الأولى؟
- نعم، الطبعة الأولى احتاجت إلى إعادة القراءة بكل المزاجات، وعندما قرأتها بمزاج النقاد الحازمين رأيت أن أعيد ترتيبها. لاحظ أن الحبكة الأساسية لم تتغير، فقط جعلت الفصول أقصر، وامتنعت عن الاستطراد.
- هل رمزي يتفاعل مع قراء سماوات جائعة؟
- جدا، وأراسل متابعي الصفحة على الفيس بوك بشكل دوري.
- ما الذي يقوله قراء رمزي؟
- إنهم يفضلون الصمت، نصف قرائي من خارج السعودية، وهم لا يعرفونني شخصيا، إلا أنهم أعجبوا بعملي، وهذا كل ما في الأمر. القراء السعوديون منهم من يجالسني ويناقشني، ومنهم من يسأل من أين جئت بملامح (فراس أبو القاسم)؟
تحول فجأة إلى (تركي الدخيل)، وسأل:
- من أين جئت بها؟
- إذا كنت تعرف لعبة (الليغو)، فقد رتبتها من وجوه وصفات شتى حولي وليست حولي. 

استوقفني "عند هذا الحد"، وطلب مني أن أسامحه على المقاطعة، وأن أنتظره في اليوم التالي لاستكمال اللقاء. هل ما زلتم مركِّزين؟ نعم، سأطلب منكم تحميل الرواية من الروابط المنتشرة في هذه التدوينة، والبدء بتصفحها، فلربما احتجتم إلى النص لفهم بقية اللقاء. أشكركم.. أشكركم (هذا ما يقوله الممثل المصري سعيد صالح في: العيال كبرت). 

ميديافاير

إي-كتب 


2 التعليقات:

شكراً للمشاركة وأيضاً لرابط تحميل الرواية. اعتقدت أن تشاركنا بفصل أو إثنين وليس كل الرواية! :)

أود أن أعد بأني سأقرؤها قريباً ولكن أخشى ألا اتمكن إلا بعد حين.

تفاصيل الحوار عامة ولا تخرب على من لم يقرأ الرواية بعد (لا يحرقها كما يقولون) - أرجو أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار
في الجزء الثاني (أو الأجزاء) من المقابلة.

اتمنى لك التوفيق وأعد بأن أخبرك برأيي حال اقرأها


** أظنك قصدت غلاف الطبعة (الأولى) 2014، تصميم: عادل حكمي في توصيف الصورة الثانية

هيثم، طاب مساؤك
شكرا لك على هذا الفيض وهذا الحضور
وسأحرص على عدم (إحراق) الأحداث القادمة
وأنت قارئ أحتفي به

تصويبك في مكانه :)

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.