02‏/08‏/2015

النشر الإلكتروني (الحرية)



الحرية مطلب من مطالب الإنسان، بل هي أساس من أسس الإنسانية. كلنا في حاجة شديدة إلى أن نكتب ونقرأ ونمارس وجودنا بحرية. لكن هناك أشخاصا بحاجة إلى أن يعيشوا على عبودية الآخرين. وهم الذين يحتاجون دائما إلى القيود الأثقل والأغلظ؛ لأن هذه القيود تشعرهم بالأمان. 

يبدو هذا كلاما عميقا؛ هذا لأننا نفكر فيه جميعا في أعماقنا. نحن الآن بشرٌ ننتمي إلى سلالة الإنسان العاقل homo-sapiens الذي ظهر في أفريقيا منذ آلاف السنين، وبيننا وبين أول إنسان عاقل مشى على هذه الأرض، كما بين الشيخ الهرِم والطفل الصغير، فنحن الشيوخ الهرمون الذين تعلموا من الحياة أن يقتصدوا في الكلام ولا يتسرعوا ولا يكونوا أطفالا في استجاباتهم لرغباتهم وأميالهم، وهذا الإنسان الأول هو الطفل الصغير الذي يمارس كل ما شاء بحرية، فربما نجح وربما أخفق، لكنه بلا شك تطور؛ لأنه كان على استعداد لأن يجرب كل شيء وأن يكبُر. 

إنني لست بصدد الخوض في حديث تطوُّري اللهجة، لكنني أمهد لمناقشة بعض أسباب نجاح النشر الإلكتروني وتراجُع الورقي، ومن أهم هذه الأسباب الحرية. 
ولنكون واقعيين، دعونا نفتش عن مقارنة مشابهة للمقارنة بين النشر الإلكتروني والورقي، أين يمكن أن نحصل عليها؟ نعم، إنها موجودة، ولكن أين؟ هل تذكرون أننا في يوم من الأيام كنا نعتمد كليا على المجلات والتلفزيون في معرفة ما يجري حولنا وما يتطور؟ إذن، فلم لا نقارن بين الإعلام التلفزيوني والإعلام الإلكتروني، ثم نعكس مقارنتنا هذه على النشر الإلكتروني والنشر الورقي؟

قديما، كان المثقفون يقصدون محطات التلفزيون لنشر ثقافتهم، فالشيخ يقصد المحطات الدينية، والأديب يقصد المحطات الأدبية، والمطرب يقصد المحطات الغنائية. وكذا يفعل المتابعون، فالمهتم بالحديث الديني يهتم بمحطات الدين، والمهتم بالأدب يهتم بالمحطات الأدبية، والطروب المغرم بالغناء يهتم بمحطات الغناء والرقص. وكان الجميع قانعين بهذه "النعمة"، ولا ينتظرون خيرا منها. لكن هناك أشخاصا شعروا بالرثاء لرسالتهم، مقدِّمين كانوا أو مشاهدين، لم يجدوا في التلفاز ولا في الصحف المحلية ما يشبع فكرهم ويغذوه. ففضلوا الانتظار...

ونحن نعرف أن الرقابة الساذجة التي كانت تُمارَس على المادة العلمية أو الثقافية أو الفنية ملأت حياتنا بالسذاجة، فلا تكاد تنتقل من محطة إلى أخرى حتى تجد محدِّثا يحدثك عن الأمور التي مضت عليها قرون عدة وذهب طعمها، أو فنانا يثير اشمئزازك ببرود أدائه، أو برنامجا ينتهي غالبا بارتفاع الأصوات والسباب! هذا كان مقبولا، لكن من غير المقبول أن تُستضاف وتكرَّم وأنت تحمل رسالة تورِّط صاحب المحطة أو أصحابها، ففضلنا نحن الانتظار...

لكن الغزو الإلكتروني الذي بدأ يوسع رقعته في البلاد العربية ويدخل البيوت (بغض النظر عن رفضنا ومعارضتنا له) ويتيح لأصحاب الرسالات ما لم يُتح لهم، ويمنح المشاهدين ما لم يُمنحوا، غيَّر كل شيء. فلم نعد مضطرين إلى مشاهدة أحد المغفَّلين يتكلم ليلا ونهارا بما يضر ولا ينفع، ولم يعد أصحاب الرسالات مضطرين إلى السكوت التام. صار -ليس في يوم أو يومين- بالإمكان أن نشاهد ما نريد، ونقدم ما نريد، ونسينا أخبارًا فجَّة كـ "جريدة أوقِفت" أو "قناة شُفِّرت" أو "مذيع طُرِد". 
والآن، بإمكاننا أن نفتح موقع Youtube ونشكر الله، ثم نشاهد علماء ودعاة وفنانين لم نكن نحلم بمشاهدة أمثالهم، أو ننشئ قناة ونقدم فيها ما نشاء بدون أي مقابل. إن الأشياء تتغير، لكننا قد نخفق في ملاحظة التغيرات.

من الآن يحلم بأن يكون مقدما لبرنامج أو مديرا لمجلة وهو خائف؟ لا أحد، يستطيع الجميع أن يفعل ما يشاء، وحقا لقد اكتشفنا أن انسحاب الرقابة الساذجة من السوق الإلكترونية كشف لنا عن الكثير من النضج والجمال في شخصيتنا، ولا بد من التفاهة واللعنة التي تطاردنا متمثلة في بعض الفارغين. 

هل اكتفيتم؟ أقصد هل توصلتم إلى النقطة المهمة التي أردت أن تصلوا إليها؟ بلا شك يمكننا أن نستفيد من هذه المقارنة، لكن بعد أن نحسب حسابا لضرورة الوقت، الإنترنت لم يصل إلى ما وصل إليه في سنة أو سنتين، لكنه وصل وهو الذي يمنحني الآن فرصة لأكتب إليكم ما أريد.
إذن، فالغلبة للنشر الإكتروني -كما يقولون- أو فالمستقبل له. لم نعد بحاجة إلى الوقوف على أبواب دور النشر، أو انتظار الأندية الأدبية لعشر سنوات على الأقل! الطريق أمامنا ممهدة ورائعة، فلماذا نفضِّل العناء دائما؟ 

إن إسقاط واقع الإعلام التلفزيوني قديما على النشر الورقي الآن، والإعلام الإلكتروني حديثا على النشر الإلكتروني، لن يفشل، وما الذي يجعله يفشل وذاتُ الرقابة التي كانت تُمارس قديما تمارس الآن، وذات الرغبة في التحرر التي كُبتت قديما هي مكبوتة الآن؟ فلننتظر وسنرى.
ولعلكم تتساءلون الآن عما قدمه النشر الإلكتروني مقارنة بما قدمه الإعلام الإلكتروني، والإجابة سهلة، إن  النشر الإلكتروني ليس هو نشر الكتب فقط، بل يتسع ليشمل المنتديات، المواقع، الصفحات الاجتماعية، المجلات، الرسائل البريدية... وكل هذه تمثل النشر الإلكتروني، ونشر الكتب -وهو الذي لم يثبت وجوده وقوته إلى الآن- مجرد جزء من هذه الوسيلة الواسعة. لكن المشاهدة الدقيقة لما يحدث ستمنحنا القدرة على أن نزعم أن الكتب الإلكترونية ستكون هي الحل لأزمتنا الثقافية. 
ونحن بذكرنا محاسن هذه الوسائل الإلكترونية لا نهمل مساوئها، لكن هذه المساوئ هي ثمن الحرية التي ستخرجنا من الظلام، وهي جزء من طبيعة الإنسان التي لم يستطع النشر الورقي نفسه أن يقمعها، صحيح؟ 




0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.