20‏/07‏/2015

الصحراء وآلة الزمن




إنك لَتسمع في تأوُّهات قاطني الصحراء، ما تسمعه من تحرُّق نيلز بور في نموذجه، وشرودنجر في موجيَّته، وأي حالمٍ فيزيائي آخر. إنك لتسمع هذا بلا معادلات. إن الزمن في الصحراء ليس كأي زمن، ولا كالزمن نفسه. إنه تلك الظروف السابقة لعهد النبي.. أو زمن الراقصة المنبوذة إلى أقصى المدينة.
من هنا، لا يكون عجيبا أبدا أن تكون الصحراء موطن كل الظواهر التي تتحدى الزمن، وتسخر منه.
فما يحدث عندما يلتقي المطر والصحراء؟ الذي يحدث هو ما لا يحدث عندما لا يلتقيان. تبسق قصص حب جديدة، وتذبل أخرى، وتجد في آهةِ العجوز التي تستبشر بانقطاع تيار الكهرباء عجبا. يخلق الله طيور دهشة، ويأذن لها بدخول قلوب أهل الصحراء.. أولائك الذين لا يزالون ينتجون الأديان والقصائد والكتب المقدسة.
وبما أن الزمن يختلف هنا -في الصحراء- فإن المكان يختلف أيضا.. إنه معقد صحراوي لا يقل إثارة عن معقد آينشتاين وفلسفته للزمكان.. في أي وقت، إن كنت في الصحراء، فأنت في مكان يستوي فيه كل المكان.. وفي زمن لا يشبه إلا نفسه.
في الصحراء بدأ الحب.. حين كان الظفر برفيق يعد معجزة تصنعها الآلهة. وليست هذه مجازفة تاريخية. وفي الصحراء يرفع موسى الكليم الصخرة العظيمة، ويخفق قلبه الرقيق بكل المبادئ التي صُنعت على عين الله وتربَّت. وفيها -أي الصحراء- تقف الإنسانية فاغرة بفيها وهي تشاهد أبا بكرٍ الصديق يحيط بنبيه وحبيبه وصديقه أشرف الخلق وأنبلهم محمد ويعلم الناس والرمل والعقارب كيف يكون الحب، وكيف تكون التضحية.
المارون بالصحراء هم الذين اصطفاهم الله أو نبذهم.. والذين اتسخت عيونهم بترابها هم الجزء الاستثنائي ممن يسكنون هذه الأرض.
والسلام على الصحراء النائمة وراء الزمان والمكان.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.