20‏/07‏/2015

من الذي أدخل يده في جيبي؟ (13)





من الذي أدخل يده في جيبي؟ (عد إلى قراءة الجزء السابق)
- ما الشعور الذي يشعر به أو ينشده المدخن؟
غالبا يتصف هذا الشعور بأنه انتشائيٌّ وعابر، شأنه شأن الشعور بتقبيلِ فمٍ يحلم به. إغماض العينين، ضم الشفتين، سيلان اللعاب، الشعور بالدفء، اللجوء إلى الاستلقاء بطمأنينة بعد التدخين...
لست أطرح هذه الأسئلة وأجيب عليها وأنا متيقِّن من أنني مصيب في طرحي أو في إجابتي. ولكنني أسعى إلى تحليل دوافع الإدمان الجنسية على وجه الخصوص. ولو أن حسن سيجيب ندائي لو ناديته وسيأتي لي من ورقةٍ ما، لما ترددت في سؤاله تلك الأسئلة قبل أي شيء.
المدخن يلفتك من أول لقاءٍ إلى حبه الشديد لسيجارته كما لو أنها عشيقته. إنه يطلق عليها ألقابا مثل "صديقتي" "منفسة همومي" رفيقة عمري". إنه يفصح بمثل هذه الأوصاف، قطعًا، على أن علاقته بها ليست كما نرى. بل كما نحلل ونتفحص وندقق النظر.
فهو يقصد بها "الصديق" المثالي الذي حرم منه، إن كانت عنده أزمة أصدقاء، أو "الزوجة" الطيبة التي لم يحظ بها، إن ابتلي بزوجة قبيحة، أو "القُبلة" المُواربة المُلغِزة التي لم يوفق في الحصول عليها، والتي حاول حسن أن يحصل عليها ولكنه تلقى ضربات قاسية من أهله.
- "أنا هنا مسجون في بولدينو وممنوع من دخول سانت بطرسبورغ. بحقّ السماء يا ناتاليا نيكوليفنا اكتبي إليّ حتى لو لم تكوني تحبّين ذلك. أخبريني أين أنت؟ هل غادرتِ موسكو؟ هل من طريق يقودني إلى قدميك؟! أشعر بالإحباط، وأنا حقّا لا أعرف ما أفعل. من الواضح أن زواجنا لن يتمّ في هذه السنة الملعونة. لـ بولدينو هواء الجزر الصخرية. لا جيران هنا ولا كتب. الطقس مخيف. أقضي وقتي في التدخين والخربشة".
هذا اقتباس قرأته قبل أيام في المدونة الصديقة “Random thoughts” يكتب فيها ويترجم كاتب يطلق على نفسه اسما مستعارا “Prometheus”. ولا أدري في الحقيقة مدى دقة ترجمته. ولكن ما يهمني هو أن الشاعر الروسي الكسندر بوشكين -كاتب الرسالة- استعان بالتدخين على غربته عن خطيبته ناتاليا غونشاروفا.
"أوه، أنت تصر على إقحام الجنس في هذا الموضوع" سيقول أحدكم. وسأجيب عليه بأنني لا أصر -عبثًا- على هذا، ولكنني فقط أحاول أن أفهم. ولن أتبنى شخصية الؤرخ الدقيق وأتحقق من أن بوشكين دخن بعدما نُفي من سانت بطرسبورغ بعيدا عن حبيبته ناتاليا! ولكنني سأستدعي كل الأحداث في حياة حسن، التي كان لها دور في صناعة شخصيته المدمنة المستهترة. أريد أن أعرف لم دخن حسن في الوقت القريب جدا من قصة حرمانه من احترام عائلته لأنه استجاب لقُبلةٍ يبدو أنها كانت تفتقر إلى المنطق. 
وكثيرا ما سمعنا بشخصيات مشهورة وغير مشهورة لجأت إلى التدخين إثر نكبة ما أو سفر أو فراق. وأعرف أصدقاء لي، اشتروا أول علبة سجائر بعد سفرهم إلى الخارج، وعندما عادوا قطعوها؛ ربما لأنهم مقتنعين بأنها ليست قرارا سليما. ولكن هذا يقوله من لا يعرف حسن.. الذين يعرفون حسن سيزعمون أن هؤلاء نفَّسوا عن حنينهم إلى أهليهم أو ربما حبيباتهم بطرق هم يعتقدون أنها خاطئة، بدليل تركهم لها فور وصولهم إلى بلادهم. ولكنهم في حقيقة الأمر اختاروا التدخين بالذات لأنه سيرزقهم من الخيال ما يكفي لأن يروا أهليهم أو حبيباتهم يحاولون جاهدين ردعهم عن هذا السلوك بحب وبحنان. وهذا يعزز من استحضار الغائبين. ولكن "بطريقة خاطئة كل مرة؟؟" هذا ما يجيب عليه حسن بغموض حين يقول "لا أريد أن أسمع كلام أحد" وهو يقصد "أنا أسمع كلامكم جميعا عند كل سيجارة".


0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.